الإعلامية فيفيان غانم: أنا مع الثقافة الحرة لا الموجَّهة

186

محسن إبراهيم – تصوير: بلال الحسناوي /

التقيناها في شارع الثقافة، وفي أزقته تعرفنا على مسيرة عملها, وفي أكثر من مكان كانت لها خطوات تستحق الإشادة.
حصلت على شهادة البكالوريوس في هندسة برامجيات الحاسبات، ثم في العلوم السياسية.
تنوعت مواهبها وأبحرت في مجال الإعلام وحققت نجاحاً باهراً عبر الشاشة في تقديم البرامج. تعشق الإذاعة وقراءة الأدبين العربي والإنكليزي. رسالتها في كل البرامج التي تقدمها هي تحقيق مادة إعلامية تليق بالمتابعة، وبث خطاب مدني تنويري عبر الثقافة ومظاهرها المتعددة، باحثةً عن أثر اجتماعي، ولو بعد حين.
الإعلامية فيفيان غانم كانت في ضيافة “مجلة الشبكة العراقية.”

* حصلتِ على شهادة البكالوريوس في هندسة برامجيات الحاسبات ثم العلوم السياسية، لكن هدفكِ كان الإعلام الذي نجحتِ فيه بصفة مقدمة برامج ثقافية متميزة، لماذا اخترتِ الثقافة دون المجالات الأخرى؟
– أولاً يسعدني هذا التقييم لما قدمته في مجال الإعلام الثقافي. كانت قناعتي، وما زالت، أن الهزات العنيفة التي واجهها المجتمع منذ عقود وإلى يومنا هذا، اجتماعياً وسياسياً، تؤكد الحاجة إلى إعادة رسم علاقة الجمهور بثقافته وفنه، والبحث عما يمكن وصفه بلمحات فيها إشراق من النتاج الإبداعي والحراك الثقافي، تحمل ضمناً قيمة فعلية وعلاقة حتمية بفكرة التغيير الاجتماعي، حينما يكون الفعل الذي نريد تسليط الضوء عليه في إطار استعادة الثقافة لدورها الحقيقي، لا أن تكون ملحقة ومؤجلة، على مستويين رسمي وشعبي. من هنا فإني أعتقد بأن التغيير ومواجهة السلوكيات غير المتحضرة تأتي من النهضة الثقافية وإعلاء قيمة الثقافة وإعمال الفكر وجعل السؤال والمحاجّة من البديهيات في المجتمع. هذا هو الدور الحقيقي للثقافة، في أن تكون على صلة بالناس وتؤثر في وعيهم، والبرامج الثقافية وسيلتنا لتحقيق هذا الدور، فما قيمة أن تضع العائلة لوحة فنية في بيتها وهي لا تهتم بنظافة بابها، أين هي القيَم التي يفرضها الفن على من يقتني أعمالاً منه.
* عبر إجرائكِ حوارات عدة مع مثقفين وفنانين، كيف تقيِّمين واقع الثقافة العراقية الآن؟
– على مر الزمن، مسار الإنتاج الثقافي العراقي كان حياً وفيه استمرارية منذ تأسيس الدولة العراقية، ربما تضعف القيود السياسية في فترة ما، فتزدهر المبادرات والجماعات الفنية، أو تُحكم هذه القيود قبضتها وسطوتها في مراحل أخرى، أي أن هذا التداخل السياسي أثّر في الفاعلية الثقافية فقط، بمعزل عن الإنتاج الذي استمر.. اليوم هناك فعاليات، هناك نشر، هناك أسماء في الأدب والفن، لكن تشعر أن تأثير ذلك محدود اجتماعياً، وأن الأغلبية في الوسط تعمل وتفكر في مجموعات صغيرة لا تلتقي فيما بينها، ولا تأخذ هي المبادرة بنفسها، ناهيك عن غياب دور وزارة الثقافة في الحكومات المتعاقبة لتطوير المجتمع ثقافياً وإحداث وعي مغاير، وهناك الاتحادات والمؤسسات الثقافية المستقلة التي يبدو أنها لا تستطيع عبور مصاعب الواقع من فساد وانعدام القدرة الذاتية على العمل من الصفر، بلا دعم أو تمويل حكومي.

* قدمتِ سابقاً برنامج (شارع الثقافة) على شاشة العراقية العامة، واليوم تقدمين برنامج (أوان الثقافة) على الشاشة ذاتها، ما رسالتكِ الإعلامية والثقافية منهما؟
– الرسالة الأولية في كل البرامج التي أقدمها هي تحقيق مادة إعلامية تليق بمتابعة المتلقي، أما الرسالة الجوهرية فهي بث خطاب مدني تنويري عبر الثقافة ومظاهرها المتعددة، بحثاً عن أثر اجتماعي ولو بعد حين. تأثير الثقافة يظهر بشكل تراكمي، الثقافة الحرة لا الموجَّهة والمؤدلجة، وتجد تفاعلات هذا التراكم في أفكار الناس وأحاديثهم وسلوكهم بطريقة ما.

* كثير من الإعلاميات يطمحنَ إلى التغيير في نوعية البرامج التي يقدّمنها على عكسكِ تماماً، فأنتِ داخل دائرة الأمان منذ سنوات، هل تخافين الخروج منها؟
– ربما هذا الطموح ينطبق على إعلامنا المحلي، أما عني فأؤمن بالتخصص في المجالات كافة ومنها الإعلام، إذا نجح الإعلامي في تخصص وبرع فيه، فالأفضل له أن يستمر لكي يحقق بصمة له تُذكر عنه لاحقاً، ولاسيما إن طوَّر نفسه وامتلك خبرة ودراية في مجاله، وصار الجمهور يعرفه ويتابع ما يقدمه في البرامج التي تخصص بها.
البرامج الثقافية لها ميزة في التبني والتقديم والطرح، وهي محدودة الآن، في ضوء هذا الكم الكبير من البرامج الحوارية السياسية من على كل الشاشات، التي لها نجومها والأصوات المرتفعة فيها، لأن الإعلام الثقافي ليس تقنيات وحسب، بل هو لغة وثقافة رصينة وتراكم وتنوع وشمولية في المعرفة. هذه الإمكانيات التي يتمتع بها مقدم البرامج الثقافية تؤهله لتقديم كل أنواع البرامج الأخرى، شخصياً قدمت أنواعاً أخرى من البرامج أبعد قليلاً من دائرة الثقافة في الإذاعة والتلفزيون، لكن ما أفضله هو البرامج الثقافية لأنها تنسجم مع ثقافتي واهتماماتي وتوجهي في الحياة.
* نعرف بأنكِ قارئة جيدة للأدب باللغتين الإنكليزية والعربية، برأيك هل تعدد القراءات يسهم في صقل الموهبة لدى المقدِّمة والمذيعة؟
– القراءة هي المفتاح لكل شيء، والقراءة المتنوعة في مجالات مختلفة ضرورية لكل إنسان، سواء أعمل في الإعلام أم في غيره. العقل تُبنى فيه مساحات جديدة من التفكير، والمخيلة تبلغ صوراً ورؤى كانت غائبة عنها؛ كل ذلك وفقاً للتغذية التي تمنحنا إياها القراءة، لذا من المنطقي جداً أن تسهم (القراءة التي تعتمد على اختيارات ملهمة ومتعددة) في صقل الموهبة وتشكّل الوعي لدى المقدِّمة والمذيعة.

* أنتِ من الإعلاميات المتمرّسات في المهنة، عندما تكون الإعلامية متمرّسة ولها باع طويل في الإعلام، ماذا يفرض ذلك على الإعلاميات الجديدات؟ هل يخيفهن؟
– لا أتمنى ذلك، الذي أتمناه أن يكون ذلك مصدراً للاقتداء، وحافزاً للإعلاميات الجديدات للاشتغال على تطوير كفاءتهن في العمل الإعلامي، ولاسيما أن المجال يسع الجميع، وهناك مساحة متاحة للظهور والإبداع والتميز الحقيقي، إذا كان الدافع الصادق للعمل والاجتهاد موجوداً، وألا يكون التفكير بالشهرة متقدماً على حساب المهنية وشروط تقديم المادة الإعلامية للمشاهد.

* عملتِ في الإذاعة التي انتميت لعالمها منذ زمن طويل، ألا تفكرين في العودة إليها؟
– أفكر في الإذاعة كل يوم، وأتمنى العودة لأثيرها الرحب الذي احتضن صوتي سنوات أثناء عملي في تقديم البرامج الإذاعية، الإذاعة عالم آخر مختلف عن التلفزيون، عالم سحري جميل ببساطته يدخله المستمع بمفتاح صوت المقدم فقط، التلفزيون أكثر اشتباكاً وتنوعاً ومصاعب، يأخذ كثيراً من وقتي وجهدي، لكن الأمنية تبقى حية أن أعود إلى الإذاعة يوماً ما.

* لكل إنسان حياة شخصية بعيدة عن صخب الإعلام والأضواء الإعلامية، هل أخذكِ هذا المجال من حياتك الشخصية؟ أو هل وقفت بين خيار النجاح المهني على حساب الحياة العائلية؟
– ترتيب الأولويات والعمل على إحداث التوازن في الحياة هو الجواب على هذا السؤال, رغم أن العمل يحتل جزءاً كبيراً من وقتي، إلا أن التوازن موجود وأساسي، وهذا هو السر في الحفاظ على طاقة العمل والعلاقات واستمرارها في الحياة. أنا لدي علاقة رائعة بعائلتي الصغيرة والكبيرة وصديقاتي، وهم أكثر الداعمين لي في عملي الإعلامي، في المقابل أعدّ نفسي ابنة وصديقة ممتازة لهم ودائماً حاضرة من أجلهم في كل موقف ومناسبة مهما بلغت أعباء العمل ومشاغله.