البصرة ديرتكم

34

 آية منصور /

ببهجة وسعادة، تنتقل الكرة من قدم إلى أخرى، معلنة بدء افتتاح بطولة خليجي ٢٥، ولأول مرة في العراق بعد انقطاع مع العالم الرياضي خارج الحدود استمر لأكثر من أربعين عاماً، وها هي البصرة تستقبل أبناءها، وأبناء مدن ودول أخرى، لتحتفل معهم بانطلاق البطولة.
البصرة ديرتكم
بدأت الأجواء الحماسية تشعل الشوارع البصرية وتبهج سكانها احتفاء بالكرنفال الكروي، الشعب العراقي المحب للحياة، بامتنان يستقبل الشعوب المختلفة ويكرمهم، فكيف بكرم البصرة إذن؟ يقول أحد المواطنين القادمين من إحدى الدول الخليجية إن كرم أبناء البصرة، جعله يفكر أن يكرم كل عراقي سوف يراه في بلده عند عودته، وإنه لم ير كرماً وضيافة كما شاهدها في الفيحاء، كان متحمسا للغاية للافتتاح، فيما يسير في كورنيش البصرة قرب تمثال الشاعر الراحل السياب، ويرى الناس وهم يبتسمون بوجهه، ويدعونه لشرب الشاي وتناول الطعام والمبيت في منازلهم، وأقولها دون مبالغة، إن العراقي هو الفرد الوحيد في العالم الذي يدعوك إلى منزله وهو لا يعرفك، فقط من أجل أن تنال راحتك، وهذا ما شاهدناه نحن أبناء البلد الواحد، فقد كان صاحب التاكسي، وبائع الشاي، وبائع اللبلبي، وأي شخص نصادفه في طريقنا، يحاول وبأية طريقة إكرامنا، حينما يدرك أننا قادمون من بغداد لغاية حضور افتتاح البطولة. إنه كرم غريب لا تجده سوى في عالم السحر والخيال وحكايات اليوتوبيا المثالية، لكن من يحضر إلى البصرة، ولاسيما في هذه الأيام حيث نحتفي بخليجي٢٥، سيتأكد أنه موجود في مدينة السياب والعراق.
فرق تدعو للحب والتوعية
الفرق التطوعية الناشرة للبهجة، واحدة من أبرز التفاصيل المميزة التي صادفتنا ونحن نسير في شوارع البصرة وسط حشود كبيرة من المؤازرين والداعمين للمنتخب بسياراتهم وأعلامهم والرسومات المزينة، ووجوه الأطفال، قابلتنا بعض الفرق التي تحمل (كروتاً) ورقية، مكتوبة بعبارات تحفيزية تحث على نظافة المدينة، وعدم المساهمة في زيادة التلوث، كان شباب البصرة يتوجهون إلى الناس، حاملين معهم أوراقاً مكتوبة عليها عبارات مثل “حافظ على نظافة مدينتك” “ارجوك لا تسهم في تلويث المدينة”، “إرم أعقاب سجائرك في مكان آخر غير الأرض”.
لم نر العين السيئة
البصرة النظيفة بأرواح أبنائها، حيث كانت الطمأنينة هي سيدة الموقف في رحلتنا لتغطية كرنفال خليجي٢٥ وحكاياته، إذ مشينا، ولفترات طويلة، حتى وصلنا الملعب، كانت حشود الرجال ليست بالقليلة، لكننا لم نسمع كلمة واحدة سيئة، او نظرة تحرش، هذا الأمر الذي أشعرنا وكأننا وسط إخوة لنا، فلم نر سوى المعاونة والمساعدة. لقد كنت، وأقولها بأمانة، “خائفة قليلاً”، فهذه الحشود الكبيرة سوف تسبب لنا العديد من المشاكل مع التحرش والألفاظ النابية على النساء، لكنني لم أصادف هذا التصرف مطلقاً، ما منحني قدراً كبيراً من الأمان، بحيث نسيت أنني وسط آلاف من المواطنين، حتى أننا ولمرات عديدة كنا نستعين بأشخاص لمساعدتنا في حمل أغراضنا، ولم نجد سوى التعاون و”الحاضر، تأمرون، إي بعيني”، لربما كنا نبحث عن هذه الألفة.
و احتجنا قبل المباريات، إلى مساعدة بعض الأشخاص لتوجيهنا نحو الطريق الصحيح، فساروا أمامنا، وساعدونا، ورفضوا أن ندخل المكان دون أن يطلبوا الطعام لنا، قالوا: “على حسابنا وصل الحساب.” ثم خرجوا ونحن لم نعرف حتى أسماءهم. كم كان الموقف صعباً لشرحه لشدة ندرته وجماله.
العائلات سيدات الملعب
نساء وأطفال كثر، وجوه صارخة بالجمال، وعائلات تسير آمنة باتجاه الملعب، كانت إحدى النساء قادمة من دهوك مع عائلتها، وكانت المرة الأولى لها في البصرة، تقول لنا ونحن ننتظر دورنا حتى نعبر البوابة إنها بكت عند دخولها البصرة أول مرة، لأنها لم تر الكثير من ربوع بلدها، لكن خليجي٢٥ وفر لها فرصة ذهبية، لتعليم أولادها عن بلادهم أكثر. كذلك تعرفنا إلى عائلة أخرى حضرت من كركوك وهي تحمل العلم العراقي، وقال رب الأسرة لنا: إننا سعداء لوجودنا معاً، أنتم من بغداد، وها هنا عائلة من دهوك وأخرى من الأنبار، وكأن العراق كله اجتمع في مكان واحد. فهل هنالك أجمل من أن تعيش عرساً عراقياً وترى كل أبناء المحافظات يشاركون فيه في بقعة واحدة؟