الساحر أحمد راضي يدمي قلوب محبّيه برحيله

192

#خليك_بالبيت

يوسف المحمداوي /

(بس اشوف عائلتي اطيب والفايروس يروح مني)…
بهذه الكلمات البسيطة التي تناقلتها وسائل إعلامية، ودّع الحياة ساحر الجماهير بأهدافه، لاعب القرن ونجم الكرة العراقية والعربية والآسيوية أحمد راضي، نعم كلمات بسيطة بطرحها الموجع لكنّ لها دلالات عميقة أولها علاقة العراقي الحقيقي بزرعه وبالورود التي أفنى سني عمره من أجل أن يراها كما يشتهي تعطّر بأريجها رياض الوطن الذي عشقه وردّد نشيده الوطني، متنقلا بين ملاعب العالم في 121 مرة، وهو عدد المباريات الدولية التي خاضها هذا الكوكب الكروي.
وهنا يقفز سؤال مهم على طاولة الدهشة مفاده؛ أي رئيس دولة في العالم عزف من أجله النشيد الوطني لدولته بهذا العدد؟ لا أظن أنّ هناك رئيس دولة حظي بهذا الشرف كما حظي به النورس الساحر، فلا مغالاة أن نطلق عليه رئيس جمهورية الكرة، فأبو هيا يستحقها بعد أن حصد أول لقب آسيوي على مستوى القارة واستحداث الاتحاد الاسيوي آنذاك لقب أفضل لاعب في آسيا لأوّل مرة في العام 1988، ليعتلي عرش ذلك اللقب بعنفوان عراقي مستحق بشهادة الجميع، وصنّف ضمن أفضل (50) لاعبا عالميا في تاريخ الكرة العالمية ضمن تصنيفات الفيفا.

إنجازات النورس الساحر
غادرنا أبو فيصل وفي حقيبة رحيله من الإنجازات ما لا يعدّ ولا يحصى، فهو صاحب الهدف الوحيد للمنتخب العراقي على منتخب بلجيكا في بطولة كأس العالم عام 1986، ولاعب القرن بمشاركة زميله الكابتن حسين سعيد الذي غرّد في يوم رحيله قائلا: “وداعا أبا فيصل، إلى اللقاء أخي أحمد راضي”.
كان نجم المنتخب في تأهله لدورتين أولمبيتين في عام 1984و1988، ووصيف بطل آسيا في العام 1988، وأحرز مع المنتخب الوطني بطولة كأس الخليج العربي لعامي 1984و1988 وكان هداف البطولة في ذلك العام، وحصد دوري أبطال العرب ثلاث مرات، ورفع كأس الدوري خمس مرات وبطولة الكأس سبع مرات وحصل على هداف الدوري العراقي للموسم 92/93، وهداف المنتخب بـ (62) هدفا دوليا مع المنتخب الوطني.

حرمانه من الاحتراف
مسيرته الكروية المحلية توجت بـ (125) مباراة، متخطيا حاجز المئة من الأهداف، ولا يمكن لأي منصف أن يتجاهل مسيرة هذا النجم مع نادي الزوراء، فهو الكابتن ونجمه وهداف النوارس بلا منازع، وعلى الرغم من خروجه من الفئات العمرية لنادي الشرطة لكن تألقه وشهرته كانت في نادي الزوراء، وحتى حين اعتزل اللعب وأصبح مدربا لفريقي الشرطة والجوية، آثر أن ينهي مسيرته التدريبية في ناديه الأول، وفاء له وبالفعل كان المدير الفني للنوارس للموسم 2002/2003.
بقيت حسرة الاحتراف الخارجي الجرح المؤلم في حياة أحمد راضي وللأسف لم يتناولها الإعلام كما يجب، حتى لا تطلق الأصوات النشاز أبواقها هنا وهناك حتى بعد رحيله، مدّعية زورا وبهتانا بأنَّه كان المدلل للسلطة الرياضية في زمن المقبور، ففي العام 1989وهو في قمة العطاء تلقى عرضا احترافيا من البارغواي وتحديدا لنادي انترناسيونال مقابل مبلغ قدره مليون ونصف المليون دولار، لكن السلطة الرياضية التي كان مدللها كما يقول ضعاف النفوس أوصدت الباب بوجه تلك الموهبة العراقية، وحرم من ذلك العقد الاحترافي والمبلغ الخرافي الذي لو تحقّق لكان اسم الاسطورة كوكبا ساطعا في سماء أشهر الأندية العالمية، ولزيادة دلاله من قبل سلطة عدي الرياضية حرم من عقد احترافي آخر جاءه من كوريا الجنوبية، فأي دلال هذا الذي حرم نورسنا الطائر من جميع تلك العروض، ناهيك عن أهدافه في دورات الخليج وغيرها من المباريات المحلية والعربية والأولمبية، وهذا بعض البعض من حقيبة منجزات هذا الطود الشامخ في عالم المستديرة.

النكبات الحيزرانية
الأمر الآخر الذي يجب أن نقف عنده أنّ هذه الأسطورة الرياضية كان يقيم كما هو معروف في الأردن، ولكن بعد تسنم زميله في المسيرة الرياضية الكابتن عدنان درجال وزارة الشباب ترك عائلته هناك وعاد إلى بلده وفي حقيبته مشروع رياضي كبير من شأنه النهوض بواقع الكرة العراقية المزري، لكن “ما كل ما يتمنى المرء يدركه”، وكأنَّه عاد ليموت في مهد ولادته، في بلده الذي عشقه وارتدى فانيلته طيلة 15 عاما، وبدلا من إنجاز مشروعه الرياضي كان لفايروس كورونا منجزه القاتل في حصد أيقونة الملاعب وأسطورتها في الحادي والعشرين من حزيران هذا العام، والغريب هو نفس تاريخ ولادته في الحادي والعشرين لكن من نيسان عام 1964عن عمر ناهز (56)عاما، وكأن شهر حزيران متخصص بالنكبات، فللعرب نكبتهم في العام 1967، وللعراقيين نكبتهم الحزيرانية في سقوط الموصل وبقية المحافظات في العام 2014، وصاحبتها في نفس الشهر المشؤوم مجزرة سبايكر التي هزّت الضمير العالمي بوحشيتها، ولو بحثنا في مفكرة حزيران جيدا لوجدنا العجب العجاب من النكبات، ولكن في الثاني عشر من هذا الشهر القاسي علينا بمآسيه، سرق منا الكابتن الخلوق والنقي علي هادي، ولم يمهلنا طويلا حتى جاء لنا بنكبة الرياضة العراقية الثانية برحيل نجم من نجوم العصر الذهبي للكرة العراقية، ولا أمتلك من الكلمات التي تعبّر عن حزن العراقيين جميعا وبمختلف مسمياتهم على رحيل مالئ دنيا الملاعب وشاغل الجماهير وساحرها غير أن أقول ما قاله الشاعر علي بن الجهم في وداع ولده بلسان جميع العراقيين:

حكم المنيّة في البريّة جار… ماهذه الدنيا بدار قرار
يا كوكبا ما كان أقصر عمره… وكذا تكون كواكب الأسحار
أبكيه ثم أقول معتذرا له… وفقت حين تركت ألأم دار
جاورت أعدائي وجاور ربه… شتان بين جواره وجواري

النسخة الألكترونية من العدد 362

“أون لآين -5-”