العراق في مهب الريح

259

مجلة الشبكة العراقية /

سحب من الغبار الأصفر تغطي غالبية مناطق غرب ووسط وجنوب العراق، من بينها بغداد، تلك المدينة المختنقة أصلا بفعل التلوث البيئي الناتج عن احتراق أول وثاني أوكسيد الكاربون بعد تجريف مناطقها الخضر. ووفقاً لهيئة الأنواء الجوية، فإن العراق سيظل تحت تأثير العواصف الترابية على مدار هذا العام. وتتنوع مصادر العواصف، لكنها في الغالب نتيجة طبيعية متوقعة للتغير المناخي والتصحر اللذين يعاني منهما العالم، ولاسيما بسبب تزايد الجفاف وارتفاع درجات الحرارة.
ومع أن العالم كله كان مدركاً لخطر التغير المناخي، إلا أن المسؤولين العراقيين تأخروا حتى في الإقرار بأن التصحر خطر حقيقي يداهم العراق، وتحدثوا عن أطراف إقليمية تمعن في إيذائه ليبقى سوقاً رائجة لمنتجاتها.
الغبار الذي خنق العراقيين أحدث صحوة متأخرة، فهل تنعكس هذه الصحوة يا ترى على شكل خطط هادفة ومشاريع حقيقية تواجه هذا التحدي الكبير؟
فبحسب تقرير أميركي فإن العراق -من بين 11 دولة- سيتعرض استقراره السياسي الى التهديد نتيجة التغيرات المناخية. ولم تعلق الحكومة على هذا التقرير الخطير لغاية اليوم، الأمر الذي يفاقم الأزمة السياسية التي تنعكس آثارها على الأمن الوطني للبلاد.
وتترك هذه العواصف تداعيات لا حدود لها على مختلف جوانب الحياة في العراق، ولاسيما في الجانبين الصحي والاقتصادي، فبعد كل عاصفة تضرب بغداد تستقبل المستشفيات المئات من المراجعين لتلقي العلاج لإصابتهم بمشكلات في الجهاز التنفسي، وتعمد إدارة الطيران الى إغلاق جميع المطارات المتأثرة بالعواصف، وترتفع حوادث الطرق نتيجة انعدام الرؤيا او تقلصها الى دون الـ 500 متر.
العالم يزرع.. العراق يقطع
وبينما يشهد العالم سباقاً لزراعة الأشجار، كانت أشجار العراق وبساتينه وجزرات شوارعه الخضر تتعرض لعمليات إبادة واسعة، شملت تجريف البساتين وتقطيعها، والتجاوز على المساحات الخضر والساحات والمشاتل تحت سطوة الجهل والجشع.
وحيث لا خيار لمواجهة التغيرات المناخية لإنقاذ العالم منها سوى بزراعة الاشجار، فقد تنبه العديد من الدول لهذه المخاطر. إذ شرعت بريطانيا –مثلاً- منذ منتصف سبعينيات القرن الفائت على زراعة المزيد من الأشجار، لتنضم إليها، بعد تعاظم الخطر، غالبية دول العالم، حتى باتت الدول تتنافس في زراعة الأشجار، إذ سجلت كينيا الرقم القياسي العالمي بزراعة 353 مليون شجرة في غضون يوم واحد! وكانت الصين قد حققت أيضاً رقماً مقارباً لإثيوبيا، فيما انضمت دول عربية -مؤخراً- الى هذا السباق، من بينها قطر والسعودية التي لديها مشروع طموح لزراعة مليارات الأشجار.
في الصين، نجح مخطط لتشجير الغابات في شمال غربي الصين بحماية الأشخاص الذين يعيشون هناك من العواصف الترابية، وقد حقق المشروع نجاحاً منقطع النظير.
وفيما أنجزت الصين هذا المشروع، كان عدد من الخبراء يتدارسون مقترحاً تقدموا به الى مجلس الوزراء في العام 2009. يقول الدكتور محمد أبو الطيب إن “الحماس الذي ظهر عند بداية المشروع سرعان ما تبخر، بل إن ما حدث بعده هو النقيض، فقد سمحت الدولة، أو تجاهلت، أو تواطأت، مع مشاريع تدميرية، إذ جرى تبني عشرات المشاريع الاستثمارية الفاسدة على أراضي خضر تعود ملكيتها الى الحكومة، والأمر ينطبق أيضاً على وزارعة الزراعة.”
من جانبه، يقول مستشار وزارة الزراعة، وكيل الوزارة الأسبق، مهدي القيسي لـ ” الشبكة العراقية” إن “القانون رقم 50 يمنع تجريف الأراضي الزراعية ويحاسب المتجاوزين، لكنه لم يطبق بشكل جدي ولهذا يستمر تجريف البساتين.”
ويسود اعتقاد شعبي واسع بأن المؤتمنين بالحفاظ على القانون هم أنفسهم من يساعدون على خرقه، ويشكل الفساد المريع العامل الأساسي، ولهذا فإن المساحات الخضر التي كانت تحيط بالمدن باتت تتقلص يوماً بعد آخر بسبب تحويلها إلى مشاريع تجارية وسكنية.
ووفقاً لتقرير أميركي، هو الأحدث على شبكة المعلومات الزراعية، فإن ظاهرة الجفاف ستجبر العراق على استيراد المزيد من القمح.
وبحسب التقرير، فإن وزارة الزراعة الأميركية تتوقع أن يكون إنتاج القمح خلال فترة عامي 2022-2023 بحدود 3.25 مليون طن، وهو أقل بكثير من الـ 5.47 ملايين طن المسجلة في موسم المحاصيل لعامي 2021-2022.
معاناة
وتسببت العواصف، التي ضربت أجزاء واسعة من البلاد، بحالات اختناق بين المواطنين وحرائق وحوادث سير تسببت بوفاة عشرات المواطنين، في وقت امتلأت المستشفيات في بغداد والمحافظات بالحالات الشديدة التي تعاني من أمراض الربو وضيق التنفس، حيث شوهد اكتظاظ ردهات الطوارئ بالمواطنين الباحثين عن الأوكسجين.
وفي مستشفيات تعاني من الإهمال والتنظيم السيئ وعدم القدرة على التعامل مع الحالات الطارئة، فإن الفوضى تعم ويسود التذمر بين ذوي المرضى.
ويشتد تأثير العواصف على سكان مخيمات النازحين بشكل أكبر، إذ أدخل الكثير منهم إلى ردهات الطوارئ نتيجة مشكلات في التنفس، بينما أغلقت المحال التجارية والأسواق أبوابها.
الهباء الجوي
تسهم العواصف الترابية في تدهور كبير لجودة الهواء في المناطق المتضررة، وعليه فقد صنفت جودة الهواء -في معظم أنحاء العراق- بعد العواصف الترابية التي ضربت البلاد مابين “غير صحية للغاية” الى “خطيرة”.

ووفقاً للبيانات التي يقدمها موقع AccuWeather للأرصاد الجوية،
فقد كانت الملوثات الرئيسة في الهواء في جميع أنحاء العراق يوم الخميس هي جسيمات PM، التي يشار إليها أيضا باسم:
“الهَباء الجوي”.
وغالباً ما تكون تلك الجسيمات عبارة عن مزيج من الغبار الناعم وقطرات السائل الصغيرة العالقة في الهواء، يكون تصنيفها حسب حجمها.
وعادة ما تكون هذه الجسيمات غير مرئية للعين البشرية، لكن من الممكن رؤيتها بتركيزات عالية، كما هو الحال أثناء العواصف الترابية، وإذا جرى استنشاق أي من هذه الجسيمات، فإن التأثيرات تزداد شدة بناءً على الظروف الصحية الأساسية.
تهديد
ومع عدم وجود توقعات عن أمطار غزيرة في الأفق، يعتقد خبراء الأرصاد الجوية أن العواصف الترابية من المرجح أن تستمر بالتسبب في مشكلات عديدة في العراق، لاسيما مع دخول البلاد في فصل الصيف، الفصل الأكثر جفافاً على مدار العام.
وتبدو الحكومة عاجزة عن فعل أي شيء لمواجهة هذه العواصف، أو على الأقل الحد من تأثيرها، فبينما كان العالم يزرع، كان العراق يقطع، وفيما حكومات العالم كانت متيقظة ولديها برامجها للاستعداد لما يجري، كان المسؤولون في العراقي في شبه غيبوبة يتصارعون على السلطة لكسب الامتيازات الشخصية والمالية.
فقد اكتفت وزارة الموارد المائيَّة بالتحذير من حصول انخفاض بمقدار 11 مليار متر مكعب من المياه الواصلة للبلاد سنوياً بحلول العام 2035، وفيما أكدت أن العراق يخطط للجوء إلى طلب تعويضات من الدول المتشاطئة، كشفت عن أن تركيا وسوريا تقاسمتا الضرر المائي مع العراق، في حين أقدمت إيران على قطع جميع مصادر المياه.
مستشار الوزارة، عون ذياب عبد الله، قال إن “الدراسات الستراتيجية التي أنجزتها الوزارة تشير إلى أنه سيحصل انخفاض في نسب المياه الواردة سنوياً إلى العراق بنسبة 30 % عما يصل إليه حالياً بحلول العام 2035، إي أن مقدار الانخفاض سيبلغ 11 مليار متر مكعب، عقب إتمام كل من تركيا وإيران وسوريا مشاريعها الإروائية”، مبيناً أن “حاجة البلاد الاستهلاكية للمياه ستزداد بالتزامن مع زيادة عديد سكانه الذي سيصل العام 2035 إلى 60 مليون نسمة.”
ونتيجة للتغيرات المناخية وبناء كل من إيران وتركيا المزيد من السدود، فقد انخفض مستوى المياه في نهري دجلة والفرات، وبعد أربع سنوات من الجفاف، امتد التصحر ليغطي نحو 80 بالمئة من الأراضي العراقية، وفقاً لمدير قسم التخطيط في دائرة الغابات ومكافحة التصحر سرمد كامل.
وقد أصبحت النتائج كارثية، فالعراق لم يتمكن من استغلال سوى أربعة بالمئة فقط من أراضيه! لذا عمد المزارعون الى ترك أراضيهم والبحث عن أعمال أخرى، كما أدى جفاف الأهوار الى نزوح مربي الجاموس الى مناطق أخرى، فيما استبدل صيادو الأسماك الصيد بمهن اخرى.
من جانب آخر، اختفت بحيرة ساوة في الجنوب، وحمرين في الشمال، كما تواجه بحيرة الرزازة ذات المصير بسبب التغيرات المناخية التي تنعكس بقوة على العراق وتنذر بمخاطر كبيرة على مستقبل البلاد، فقد لوحظ انحسار كميات المياه تدريجياً في بحيرة الرزازة التي كانت واحدة من كبرى البحيرات في العراق، وأدى الانخفاض الحاد في مستوى المياه فيها الى ارتفاع الملوحة وزيادة التلوث، حتى باتت بالإمكان مشاهدة الأسماك النافقة على حافات البحيرة التي كانت يوماً منطقة سياحية ومصدراً للأسماك قبل أن تمسي بؤرة قاحلة.
الحلول وإمكانية تحقيقها
لا يبدو أن هناك حلولاً جاهزة لهذه المشكلة الخطيرة، مع ذلك لا ينبغي الاستسلام، فثمة أمل في أن تكون الحكومة ومؤسساتها على قدر التحدي، والحل المتاح هو الأحزمة الخضر حول المدن بزراعة المزيد من الأشجار، وقبلها وقف الجرائم التي يرتكبها الفاسدون بحق المساحات الخضر في البلاد، وفي بغداد خصوصاً، وينبغي أن تدعم الحكومة وصول أمين لبغداد يوقف هذه الجرائم التي تحول متنفسات بغداد الخضر الى محال تجارية، او مولات، او سواها من المشاريع التي تخنق المدينة، التي لا يمكن وصفها إلا بأنها أعمال إجرامية بحق بغداد وسكانها.
وتبدو الجهات المعنية في إيجاد حلول لهذه المشكلة غير مبالية بخطورة التحدي الذي يفرضه التغيير المناخي، ولاسيما أن شبهات الفساد تطول المشاريع والمبادرات التي تعنى بهذا الموضوع ، فقد تساءل خبراء وناشطون عن مصير مبادرة البنك المركزي بالتعاون مع وزارة الزراعة لإنتاج وتشجير (٢٠٠) ألف شتلة في عموم العراق، تبلغ قيمتها مليار دينار، التي كانت تهدف الى حماية البيئة ومعالجة الآثار السلبية التي تترتب على التغيرات المناخية، ولاسيما مشكلة التصحر، في الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والصحية.
الحل عراقي
تقول وزارة الموارد المائية إنها “تعمل حالياً على تحديث الدراسة الستراتيجية، وتبني مشاريع إروائية بطرق الري المغلق والرش والتنقيط، وأن العراق قد يلجأ الى طلب تعويضات من الدول المسبِّبة لتلك التغييرات، وهو حق مشروع، أو قد يجري طرح بعض المشاريع للاستثمار لتحسينها وتشغيلها.” وهي حلول يرى العديد من المختصين أنها متأخرة.
إذ يعرب المهندس الزراعي منهل الركابي عن استغرابه من التصريحات الحكومية التي تترقب مبادرة دولية لمساعدة العراق على مواجهة التحديات التي يفرضها التغيير المناخي، مبيناً أن “ذلك وهم كبير، فالحكومة لابد أن تتحمل مسؤوليتها وتضع خططها وبرامجها قبل أن نفكر بإنقاذ قد لايأتي من الآخرين.” مشيراً الى أن “البلد الذي يخصص مليار دينار لإنتاج 200 ألف شتلة لن يحل المشكلة، فهذا العدد من الشتلات يمكن لدائرة بلدية في دولة مجاورة أن تنتجها بخمسة في المئة من هذا المبلغ الخيالي.” متسائلاً “كم يريدون أموالاً لزراعة 14 مليار شتلة؟!”
وأوضح أن “الدول التي تتحدث اليوم عن انتاج وزراعة الملايين من الشتلات يومياً، لاتضع موازنات مالية ضخمة، فالأمر في العراق لايستدعي سوى إحياء ودعم المشاتل الحكومية والأهلية وحثها على زراعة الشتلات التي تتميز بقدرتها على مقاومة الجفاف واستغلال الأموال فقط لتوفير المياه والأيدي العاملة التي ترعى هذه النباتات من خلال نظم الري الحديثة.”
وتابع “استبعد أن تنجح مؤسساتنا، التي تفتقر الى الرؤية وتهدر الأموال بشكل مريع ومؤسف، في إيجاد حلول حقيقية لتخفيف حدة التأثيرات المناخية، إن العراقيين شعب كبير، والمختصين حددوا هذه المشكلات وطرق معالجتها منذ وقت مبكر، لكن المؤسسات الغارقة في الفساد لم ولن تفعل شيئاً.”
وأكد الركابي أن “الحل ليس مستحيلاً، إلا في بلدنا، وإلا فإن هناك دولاً لا تملك قدراتنا نجحت في وضع جملة من الحلول لمواجهة التحديات، وفي مقدمتها الأحزمة الخضر.”
وتساءل الركابي: “هل نتوقع من وزارعة الزراعة، التي أخفقت في استثمار مليار دينار بطريقة مفيدة، أن تنهض بهذه المسؤولية؟ أم أن أمانة بغداد وبلديات المحافظات الضالعة بعمليات تجريف المناطق والساحات وتدمير المشاتل سوف تتحول الى مؤسسات فاعلة تملك رؤية جديدة وتستبدل منطقها الفاشل بمنطق جديد؟”
وحتى الآن.. لا يبدو أن هناك خطة حكومية واضحة المعالم تقود الى إنقاذ العراق من محنة حقيقية تهدد حياة الناس وأمن البلاد واستقرارها السياسي.