بادية السماوة..مــــوسم الرحـلات إلى الحـياة البــرية

410

يوسف المحسن- تصوير:أحمد العاقولي/

اخضرار على مد البصر، مجاميع من الناس يتوزّعون على مسافات متباعدة، مساحات فسيحة تكتسي ببساط أخضر وشجيرات تعود لها الحياة بعد شتاء قارس، عيون ماء ترفع إيقاع تدفقها، وطيور تخلع عن حناجرها سبات الكسل.. تلك هي البادية الجنوبية وحكايتها مع الربيع، مكان يصير وجهة الساعين والعاشقين للطبيعة لقضاء العطل..
بادية السماوة، جنينة لا نهاية لها، تبدأ من النجف الأشرف غرباً وتصل إلى مدينة البصرة في الجنوب الشرقي، على امتداد الشريط الحدودي مع المملكة العربية السعودية. تمثل 64% من مساحة محافظة المثنى و12% من مساحة العراق، قيل إنَّها آخر معاقل الهواء النقي في بلاد النهرين بعد غزو التكنلوجيا الحديثة بمحركاتها وأبخرتها وغازاتها الضارة، أراضٍ منبسطة وأودية ومنخفضات، دراسة حديثة اُجريت من قبل فريق باحثين تابع لجامعة الكوفة أحصت 746 منخفضاً بين كبير ومتوسط وصغير، وهي بحسب الأرقام التي توصل إليها الفريق الذي ترأسه الأستاذ الدكتور حسين موسى حسين الشمري تغطّي مساحة تتجاوز 75970كم2 من المساحة الكلية للبادية الجنوبية العراقية.
ولجغرافية البادية تسمياتها الخاصة، فالظهرة هي التل الصغير ومثلها الكارة، والفيضة هي الأرض المنبسطة، وكلها في موسم الأمطار تتشح بحلّة خضراء ضمن تشكيل من صنع الطبيعة يعكس جمال الخَلق الإلهي ودقّة أنامل الطبيعة في الإمساك بفرشاة السحر والروعة، سكانها يتذوقون هذه المشاهد في كل مرة وكأنها المرة الأولى، إنهم يعشقون الخضرة والبساطة ويعدّونها كنزهم وسرّهم الخفي، وما يميز البادية الجنوبية العراقية هو التنوع في الغطاء النباتي وتوافر المئات من النباتات العشبية والحيوانات والطيور النادرة.
يقول الأكاديمي والناشط البيئي، الذي ترأس المجلس البلدي لناحية بصيّة لسنوات، أحمد حمدان الجشعمي “إنَّ المناظر الطبيعية في فصلي الشتاء والربيع تمثل تجلياً جمالياً يسر الأنظار ويخطف العيون ويأخذها في جولة استجلاء لمكامن قدرة الطبيعة على صناعة نفسها، لذلك يشد لها السياح الرحال من مختلف الأماكن لإزالة ما أصاب عيونهم من تلوث بصري بفعل جغرافيا الزحف العمراني، صفو الهواء وعذوبة غدران الماء وجمال الطبيعة والشواء في مكان فسيح، والمبيت أياماً وليالي رفقة الشعر وآلات الربابة والدحّة والسامري، وتناول القهوة العربية والشاي والسباقات الرياضية.. كل ذلك يمثل المعنى الحقيقي للترويح في بادية مازالت تحتفظ بفطرة النشوء الأول.”
منتجعات طبيعية ساحرة
العاشقون للحياة البرية يحملون معهم معدات وحوائج الإقامة في المساحات المفتوحة، مثل الخيام وأدوات إعداد الطعام والتسلية والألعاب، بعيداً عن ضجة المدن والهموم اليومية، حيث العودة إلى الأساليب الحياتية الأصيلة وجلسات السمر الحقيقية، وليست كتلك التي اعتادوا عليها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فيما رائحة القهوة العربية هي المهيمنة على الأجواء والأماسي، بحسب رامي عبدالله، الذي افترش العشب البري مع أصدقائه في منخفض (هدانيا) الطبيعي قرب قضاء السلمان، رامي قال لـ “الشبكة”: “مكان جميل وساحر، منطقة هدانيا، نحن على مبعدة 20 كلم من نقرة السلمان، أجواء رائعة وموسم يبشر بربيع وافر، اخضرار يجعلنا نتلمس الجمال الفطري وينسينا أماكن الضجيج والزحامات في المدن.”
الزائرون لها يمتلكون خيارات عدة لتحديد وجهتهم، بل إن الصعوبة تكمن في الاختيار، يضيف الجشعمي: “أهم المناطق التي يزورها السياح هي ناحية بصية، التي تمثل لؤلؤة صحراء الجنوب بما تمتاز به من توافر بيئتين متكاملتين هما صحراء الحجارة وصحراء الدبدبة، ووجود أماكن سياحية طبيعية عديدة فيها، مثل: وادي الضباع، المخلط، الحنية، الجلتة، أبو الحياص، شقراء، وادي الغضا.. وهنالك مناطق أخرى تتوزع على طول البادية وعرضها، ومنها هدانيا والرفاعية والساعة والشاوية والزهرة وسدير والفوارة، وهي أقرب إلى منتجعات طبيعية ساحرة.”
المطر يرسم خارطة العام
تربية الجِمال والأغنام من قبل البدو في البادية الجنوبية تمر بأفضل مواسمها إذا ما هطلت كميات مطرية كافية، إذ تكتسي الأرض بسجادة خضراء من الحشائش والنباتات، وتمتلئ المنخفضات والفيضات بالمياه، لتعود الحياة الى الجذور المتيبسة، والأمطار هذه تعزز خزين المياه الجوفية وتدعم الغطاء النباتي وتوفر مراعي شاسعة للحيوانات، وهي عامل مشجع للتوسع في المساحات الزراعية، وغالباً ما تكمل الأمطار ما يطلق عليه المزارعون الريّة الاولى والريّة الثانية لمحاصيل الحبوب وتسقي مزارع الحبوب والخضراوات والفاكهة.
وموسم الرعي، أو مدة بقاء الرعاة والمربين ومكوثهم في البادية، قد يتجاوز شهور الصيف كلما توفرت مياه في البرك والعيون، وقد يعود المربون بمواشيهم وحيواناتهم قريباً من المدن للتزود بالأعلاف والمياه والبدء بعمليات قص الصوف قريباً من أسواق المدن.
يوميات البدو ليست بالمعقدة بالمقارنة مع العيش في المدن، فيما لعبت طرق النقل دوراً في ردم الهوّة بين المدينة والبادية من خلال نقل الاحتياجات وتوفيرها، وإن بنسب مختلفة، وسكان البادية على تماس مع يوميات سكان المدن التي بدأت بالزحف عليهم بتقنياتها وملوثاتها، فيما حماية التنوع الإحيائي هو ما يطالب به الدكتور علي حسين حنوش، رئيس التجمع العراقي لحماية البيئة والتنوع البايولوجي، الذي اُسِّسَ مؤخراً، إذ يقول: “من الواجب حماية الموارد الطبيعية في البادية وتنوعها الإحيائي من خلال تفعيل قوانين حماية البيئة ومتابعة التجاوزات عليها لتبقى البادية رئة يتنفس منها البلد بشكل عام.”
أعشاب ونباتات نادرة
الدعوة التي وجهتها السلطات البيئية في محافظة المثنى إلى الجهات الأمنية والرقابية لمساندة فرقها التي تتابع عمليات منع الاستخدام الجائر للنباتات الصحراوية وقلعها بهدف الإفادة منها في المقاهي والمطاعم، حركت الراكد في ملف حماية الغطاء البيئي والنباتي الصحراوي والتنوع الإحيائي في البادية الجنوبية. مدير البيئة يوسف سوادي قال إن “عمليات قلع وتجريف تجري على قدم وساق، وبشكل عشوائي، وسط غياب لجهود المتابعة والرقابة،” فيما حذر أحمد حمدان من أن مثل هذه الممارسات والسلوكيات المخالفة تترك آثاراً وتداعيات هائلة على الواقع البيئي، مؤكداً أن شجيرات السدر البري والغضا تعرضت لاستهداف ممنهج غير منظَّم، تحت مسمى عمليات الاحتطاب، ويضيف: “في بادية المثنى توجد أنواع من الأعشاب الطبية النادرة والمهمة مثل شجيرات الرين والقبا والجعث والعلندة، وهي نباتات أدخِلت في ميدان البحوث الطبية في جامعات رصينة في عالمنا اليوم، مشيراً إلى أن “اغلب الدراسات ونتائج الكشوف الميدانية أكدت وجود أكثر من ثلاثمئة وخمسين نوعاً من النباتات الصحراوية النادرة في البادية الجنوبية، التي اختفى الكثير منها في أنحاء العالم، ناهيك عن الاستخدامات الاستشفائية للسكان المحليين، التي تستمر منذ عقود، وبرهنت على الجدوى والفاعلية الطبية لهذه الأعشاب والنباتات.”
حصاد مياه ومحميات طبيعية
وعلى الرغم من المساعي الحكومية لإنشاء محميات طبيعية للحد من عمليات الرعي الجائر للطبيعة الصحراوية، ومحاولات لإنشاء أحزمة خضر تحمي الغطاء النباتي من عوامل التعرية، إلا أن تحدياتٍ مثل الصيد الجائر والألغام والمخلفات الحربية المتروكة وقلع النباتات النادرة، مازالت قائمة وعلى نطاق واسع.
أما مشروع حصاد المياه الذي اُعلِن عنه قبل سنوات بهدف تجميع الكميات المطرية في البادية والإفادة منها بشكل مثالي لإقامة المشاريع الزراعية الكبرى وتوطين البدو الرُحَّل، فإنه مازال في بدايته، فيما يأمل اقتصاديون بأن يجري استغلال الآلاف من الهكتارات الصالحة للزراعة عبر إحالتها الى الاستثمار الواسع الذي يؤمن السلة الغذائية والمردود الاقتصادي والحفاظ على المساحات الصحراوية من التجريف، وهو ما أشار إليه –ضمناً- التدريسي في جامعة المثنى الدكتور سفير جاسم.
وكانت وزارة السياحة، في وقت سابق وقبل دمجها مع وزارة الثقافة والآثار، قد اتخذت سلسلة إجراءات لتحديد محميات طبيعية في البادية الجنوبية بهدف الحفاظ على النباتات الصحراوية والحيوانات والطيور النادرة وحمايتها من الانقراض، كذلك حماية الغطاء البيئي والتنوع الإحيائي، إذ أرسلت فريقاً بحثياً للمعاينة والكشف عن الأماكن الصالحة لإعلانها محميات طبيعية، لكن المشروع دخل في طي النسيان، إذ تقول خبيرة البيئة شذى كاظم إن إعلان المحميات هو إجراء متعارف عليه وأثبت نجاحاً في غالبية دول العالم لحماية الحيوانات والنباتات النادرة وحفظ التوازن الإحيائي.

آخر معاقل الهواء النقي
التجمع العراقي لحماية البيئة والتنوع البايولوجي، وهو المحاولة المجتمعية الأخيرة، يهدف إلى إيجاد طرق مبتكرة للحفاظ على ما تبقى من جماليات البيئة عبر الاستعانة بالمنظمات العالمية الأخرى ومتابعة ملف المحميات الوطنية الست، التي أعلنت عنها وزارة البيئة (قبل دمجها مع وزارة الصحة) في وقت سابق، وإيقاف الهدم المتعمَّد للبادية ونشر محددات وقوانين محلية تصب في صالح الأجناس والأصناف النباتية المهددة بالانقراض، وإعادة استزراع المنقرض منها، مع أفكار للمضي قدماً في طبع مناهج بيئية بالاتفاق مع وزارة التربية لتوزيعها بين التلاميذ والطلبة، والهدف هو خلق جيل يحترم البيئة ويعي أهميتها.
ومع وجود ثمانين ألف مركبة تنفث محركاتها عوادم الهواء في شوارع مدن محافظة المثنى، وهو ما يعني مركبة لكل عشرة أشخاص (نسبة تفوق المعدل العالمي) وأمام الآلاف من الدراجات النارية ومولدات الكهرباء الأهلية ومعامل الطابوق والمصانع والورش والأفران، التي لا تلتزم بالمحددات البيئية ومقررات اتفاق باريس للمناخ، وفي مقابل انحسار المساحات الزراعية والغطاء الشجري بفعل شُح المياه ومعدلات الملوحة ورمي المخلفات في المسطحات المائية، فإن البادية الجنوبية هي الفسحة الوحيدة المتبقية أمام السكان والأهالي، ويمكن القول إنها رئة المثنى وآخر معاقل الهواء النقي، بادية أشبه بالحديقة الخلفية الجنوبية من السماوة، ومع كل موسم ربيع جديد يمكن الاستعانة بعنوان الرواية العربية الشهيرة للقول إنه موسم الهجرة من الشمال .. إلى الرمال.