ترحيباً بالحَبر الأعظم.. كيف قرأت النخبُ العراقية زيارة البابا فرنسيس للعراق

805

حسن جوان /

كتبت نخب عراقية مثقفة، من مختلف التخصصات، تعليقات سبقت زيارة البابا فرنسيس إلى العراق، أو واكبتها، عبَّرت فيها عن آرائها في ما تعنيه هذه الزيارة التاريخية ورؤيتها لدلالاتها الكثيرة في هذا التوقيت.
لقد تواصلنا مع هذه النخب بشكل مباشر لنطرح أسئلة جمعنا فيها هذه الخلاصات التي تبسط رؤى تتنوع من حيث قراءتها لهذا الحدث الكبير:
كتب (سعد سلوم)، مؤسس معهد دراسات التنوع الديني وعضو المجلس العراقي لحوار الأديان: منذ الرحلة الأولى إلى الأراضي المقدسة في عام 1964، كان الشرق الأوسط وجهة رئيسة للرحلات البابوية. ومع أن هذه الرحلات شملت العديد من دول المنطقة، فإن البابا لم ينجح في زيارة العراق منذ عقود.
مع ذلك، حاول البابا الراحل (يوحنا بولس الثاني) أن يحصل على تأثير أكبر، من خلال توسيع نطاق تركيز أنشطة زيارته بمناسبة الألفية الثانية لميلاد المسيح. ويضم العراق، بوصفه إحدى محطات الرحلة، حيث -وفقاً للتقاليد الإبراهيمية الثلاثة- بدأ النبي إبراهيم رحلته الإيمانية من مدينة (أور). لذا، فقد تضمنت خطط سفره الأولية إلى الشرق الأوسط ثلاث رحلات: رحلته إلى الأرض المقدسة التي حدثت في نهاية شهر آذار، ورحلته إلى جبل سيناء في شباط، حيث تسلَّم موسى عهد إسرائيل، لكن رحلته الثالثة التي كانت إلى (أور) لم تتحقق. وهكذا خرجت أرض إبراهيم من مسار الرحلة البابوية، وخسر العراق فرصة الاندماج في المجتمع الدولي بعد عقد من العقوبات الدولية بعد حرب الخليج عام 1991.
مِن المتوقع أن الزيارة التاريخية الراهنة للبابا فرنسيس لمهد النبي إبراهيم، والصلاة في أور، ستردد صدى نجاح يوحنا بولس الثاني، عندما سافر إلى المغرب في عام 1985، حيث خاطب الشباب ودعاهم إلى خلق مستقبل سِلمي للجميع، وعقَد مع ممثلي الطوائف المختلفة “اليوم العالمي للصلاة من أجل سلام أَسِّيزي”، الذي يُقام بانتظام منذ عام 1986، ولاسيما أن الشباب العراقيين خرجوا في تشرين الأول 2019 في ثورة طامحة لخلق مثل هذا المستقبل لجميع مواطنيهم.
بينما كتب المخرج المسرحي (كاظم النصّار) رؤية عبَّر فيها عن تفاؤله وترحابه قارئاً تنوع دلالات هذه الزيارة المجيدة إذ قال: أظن أن زيارة البابا إلى العراق فيها كثير من المؤشرات الإيجابية ورسائل الأمل. هذه الزيارة التي كان مقرراً لها أن تكون عام 1999، وأولى رسائلها أن الأديان بعيدة كل البعد عن العنف الذي يمارس باسمها، وستضع العراق ومدنه في دائرة الضوء العالمي لفترة من الزمن. البابا قريب من الناس الفقراء في كل تحركاته وهو القادم من أميركا اللاتينية ومن بوينس آيرس نشأةً وإحساساً بما يجري هناك وفي العالم. كما أن الزيارة، ربما مع توفر ظروف ملائمة وإرادة حقيقية، ستفتح أفقاً وباباً للحج الروحي للنبي إبراهيم، كما أن فيها مُخرجات اقتصادية وسياحية هامة، ولاسيما أن أور تشكل المدينة المباركة حيث بيت النبي إبراهيم على مقربة من زقورتها، وسيكون هناك قداس تاريخي ربما يقام لأول مرة في تاريخ بلادنا، ولأول مرة سيزور البابا خمس مدن عراقية هي النجف وبغداد وأربيل والموصل والناصرية، وسيكون معه عدد محدود من الكرادلة والإعلاميين لمتابعة الزيارات بتفاصيلها. وهنا سيكتشف العالم في لقاء الأديان هذا حجم الكنائس والأديرة في الكوفة والحيرة والنجف التي تضم لوحدها 33 كنيسة، كما أن في بغداد وغيرها من المدن عشرات الكنائس. وسيعرف العالم أن هذه الارض نشأت وعاشت فيها أديان سماوية بما فيها الدين البهائي الذي لا يتجاوز عمرة المئتي عام، الذي أعلن عن ولادته في بغداد، وفي الحديقة التي تشغلها الآن مدينة الطب المعروفة، وأظن أن لقاء الأديان هذا هو لقاء روحي إيماني ورسالي لا علاقة له بتأويلات السياسة ولا بنظرياتها وألاعيبها، وأن أية محاولة استثمار لها من هذه الزاوية هي محاولة لجرّ الزيارة إلى جدل بيزنطي غير منتج ولا يتفق مع أهداف الزيارة.
من جانبه، يرى الأستاذ الكاتب (عباس عبود) مدن العراق، بحسب دلالات الزيارة، مواضيع ثراء وتنوع شامل تقدم لبلد يحمل غنى وتنوعاً خلاقاً فيقول:خمس مدن تدخل التاريخ مجدداً بزيارة الحَبر الأعظم لها هي حسب ترتيب الزيارة: بغداد.. عاصمة العباسيين التي ارتبطت أخبارها بالإرهاب والفوضى والفساد واليوم يتعاطى معها العالم كواجهة وقبلة للسلام والتعايش. النجف.. مثوى أمير المؤمنين(ع) عاصمة الخلافة الراشدة ومركز المرجعية الدينية وموطن الفقهاء منذ القرن الخامس الهجري، وعندما يتوجه لها بابا الفاتيكان فإنه يتوجه إلى لقاء نظيره في المكانة والتأثير الإنساني والإيماني الإمام السيستاني الذي نفخر به اليوم رمزاً عراقياً مثلما نفخر بالنجف حاضرة إسلامية إلى جانب الأزهر الشريف. أور.. الناصرية موطن إبراهيم الخليل (ع) ومهد الحضارات منذ 50 قرناً من عمر البشرية، المدينة التي شهدت أول مظاهر العبادة التي التقت على أرضها الديانات الاولى. ثم الموصل.. نينوى مدينة الوصل بين المدن والأنهر، والحضارات، موطن الآشوريين والكلدان، مدينة آشور بانيبال وسنحاريب، مهبط إلهة الحب عشتار وأرض الأديرة والرهبان، ففيها السهل الذي حمل اسم نينوى الذي احتضن كنائس السريان الكاثوليك والأرثوذكس، كما ضم كنيستي المشرق الآشورية والكلدانية، السهل الذي اشتهر بأنه الموطن التاريخي للمسيحيين في تلكيف وبغديدي وألقوش وكرملس وبعشيقة وبرطلة وتلسقف. أربيل.. المدينة التي شيدها الكلدان وسكنها الكرد والمسيحيون وتعايشت على أرضها كل المكونات بسلام وتراحم.
في جولة البابا تعود النكهة الروحية لهذه المسمَّيات وتعود الإشراقة الحضارية لهذه المدن التي قدمت للإنسانية كثيراً من الفضائل والفضلاء. إن زيارة الحَبر الأعظم تزيل الغبار عن الحيف التاريخي الذي لحق بالعراق وشوّه وجهه الحضاري، وهو الذي قدم للإنسانية مثلما قدمت أثينا وروما وفلورنسا طوال عصور وحقب مختلفة..