النجف.. منبع ثورات الحق

127

آمنة عبد النبي /

لا‭ ‬أثر‭ ‬لدفء‭ ‬عباءتك‭ ‬يا‭ ‬قارئ‭ ‬حروف‭ ‬المسمار‭ ‬والساتر،‭ ‬كي‭ ‬نلوذ‭ ‬بطرفها‭ ‬ونلملم‭ ‬طشار‭ ‬عمر‭ ‬بدده‭ ‬تجار‭ ‬الكراهية،‭ ‬ولا‭ ‬آه‭ ‬حارّة‭ ‬من‭ ‬جُرحك‭ ‬الرائب‭ ‬الذي‭ ‬كنت‭ ‬تلمّ‭ ‬في‭ ‬داخله‭ ‬السمران‭ ‬لتبقي‭ ‬هذا‭ ‬القلب‭ ‬آدمياً‭ ‬وبعيداً‭ ‬عن‭ ‬حتميات‭ ‬البيولوجيا‭. ‬لذلك‭ ‬لن‭ ‬يفسرَ‭ ‬ديالكتيك‭ ‬طينك‭ ‬الحري‭ ‬وتحولات‭ ‬بياضك‭ ‬العرفانيّ‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬عجن‭ ‬عطابة‭ ‬روحه‭ ‬بفروسية‭ “‬أزهر‭ ‬الدليمي‭”‬،‭ ‬دمعة‭ ‬بكائنا‭ ‬الأخيرة‭ ‬الحارة‭ ‬في‭ ‬زقورة‭ ‬أور‭ ‬وبيت‭ ‬الخليل‭.‬

ولم‭ ‬يكن‭ ‬يقرأك‭ ‬بحالةِ‭ ‬تجلٍّ‭ ‬صوفية‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬ولد‭ ‬عاشقاً‭ ‬كـ‭ ‬الأسمر‭ ‬المملوح‭  “‬علي‭ ‬الكعبيّ‭” ‬الذي‭ ‬لمحتهُ‭ ‬ذات‭ ‬جرحٍ‭ ‬تسعيني،‭ ‬خارجاً‭ ‬من‭ ‬بيتنا،‭ ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬أعرفه،‭ ‬ربما‭ ‬لأنه‭ ‬لا‭ ‬يشبه‭ ‬ألبير‭ ‬گامو‭ ‬الذي‭ ‬أُدمنهُ،‭ ‬ولا‭ ‬مهياراً‭ ‬الدمشقي‭ ‬الذي‭ ‬كنت‭ ‬مع‭ ‬أدونيس‭ ‬نموت‭ ‬أحياءً‭ ‬في‭ ‬دفاترهِ‭ ‬كلَّ‭ ‬ليلةٍ‭..‬

لكنني‭ ‬أدركت،‭ ‬بعد‭ ‬رحيلك‭ ‬مع‭ ‬الصدرِ‭ ‬يا‭ ‬عليّ،‭ ‬استثنائيّة‭ ‬اللوعة‭ ‬وأنه‭ ‬لا‭ ‬وجود‭ ‬لأي‭ ‬مجدٍ‭ ‬فذٍ‭ ‬او‭ ‬نص‭ ‬عظيم‭ ‬في‭ ‬حضرة‭ ‬الدم‭.‬

يمحمَّد‭.. ‬هكذا‭ ‬أُحبُّ‭ ‬أن‭ ‬أسمك‭ ‬سيّد

فلم‭ ‬أعرف‭ ‬كيف‭ ‬عاش‭ ‬الأنبياء‭ ‬حتّى‭ ‬عشتك‭ ‬ونطقت‭ ‬اسمك‭ ‬الذي‭ ‬كلما‭ ‬لفظته‭ ‬طار‭ ‬من‭ ‬فمي‭ ‬قرآناً‭ ‬بجناحين‭..‬

شحّ‭ ‬العمر‭ ‬وچلچل‭ ‬الليل‭ ‬والقهر‭ ‬علينا،‭ ‬وما‭ ‬عاد‭ ‬في‭ ‬الروح‭ ‬متسع‭ ‬للتحمل‭ ‬وتقاسم‭ ‬الحياة‭ ‬مع‭ ‬قتلةٍ‭ ‬بهوياتٍ‭ ‬ثبوتيةٍ،‭ ‬فأنتَ‭ ‬رغماً‭ ‬عن‭ ‬أنفِ‭ ‬ما‭ ‬يفترون‭ ‬سيد‭ ‬الساتر،‭ ‬والساتر‭ ‬مسكنه‭ ‬قلبك،‭ ‬ها‭ ‬هم‭ ‬وليداتك‭ ‬السمران‭ ‬العتّاگة‭ ‬والزلم‭ ‬أبناء‭ ‬التفّاگَة،‭ ‬المُتعبون‭ ‬أبناء‭ ‬القهر‭ ‬الفائض‭ ‬والآه‭ ‬المجانية‭ ‬تلو‭ ‬آهٍ‭ ‬وآه‭ ..‬يأتون‭ ‬اليك‭ ‬من‭ ‬كلِ‭ ‬فجٍ‭ ‬وضيم،‭ ‬الباشوات‭ ‬بوجوهٍ‭ ‬ملحة‭ ‬وقمصان‭ ‬بالة،‭ ‬المحسودون‭ ‬بك‭ ‬لا‭ ‬بسياراتهم‭ ‬ولا‭ ‬بوجناتهم‭ ‬المتفحة،‭ ‬فلا‭ ‬أحد‭ ‬غيرك‭ ‬يزن‭ ‬دموعهم‭ ‬ويعرف‭ ‬أن‭ ‬لألمهم‭ ‬من‭ ‬يستحقه،‭ ‬دموعهم‭ ‬في‭ ‬حضرتك‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬إلا‭ ‬لبزةٍ‭ ‬لفظية‭ ‬لتدر‭ ‬ظليمتها‭ ‬للعالمِ‭ ‬بأسره،‭ ‬رسائل‭ ‬كثيرة‭ ‬ستذهب‭ ‬إليك‭ ‬الليلة‭ ‬بلا‭ ‬ريل‭ ‬ولا‭ ‬حقائب،‭ ‬وحدها‭ ‬الآه‭ ‬تسحن‭ ‬الروح‭ ‬وتصرخ‭:‬

وينه‭ ‬الحاربك‭ ‬وينه‭..‬

النجف‭ ‬حاضنة‭ ‬الشرارة

نظرة‭ ‬روح‭ ‬حالمة‭ ‬الى‭ ‬بيوتات‭ ‬النجف‭ ‬العتيقة‭ ‬وسطوحها‭ ‬المصففة‭ ‬بلمسات‭ ‬معمارٍ‭ ‬منفردٍ،‭ ‬ربما‭ ‬لا‭ ‬نجدها‭ ‬في‭ ‬أية‭ ‬مدينة‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬مدن‭ ‬العراق،‭ ‬لأن‭ ‬الخصوصية‭ ‬الجغرافية‭ ‬لتلك‭ ‬البقعة‭ ‬العلوية‭ ‬خُصت‭ ‬بالعديدِ‭ ‬من‭ ‬مصادفات‭ ‬القدر،‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬حال‭ ‬بيئتها‭ ‬المجتمعية‭ ‬المتنوعة،‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬على‭ ‬مر‭ ‬التأريخ‭ ‬الراديكالي‭ ‬تشكل‭ ‬حاضناً‭ ‬جماهيرياً‭ ‬ونقطة‭ ‬انطلاق‭ ‬ثقافة‭ ‬الوعي‭ ‬السياسي‭ ‬الثوري‭ ‬الذي‭ ‬يرفض‭ ‬التعايش‭ ‬مع‭ ‬القتلة،‭ ‬ولا‭ ‬يركن‭ ‬لموائد‭ ‬السلاطين،‭ ‬لأن‭ ‬أية‭ ‬فكرةٍ‭ ‬جهادية‭ ‬بأرضِ‭ ‬النجف‭ ‬ستنضج‭ ‬على‭ ‬نارٍ‭ ‬هادئة‭ ‬ومرحلية،‭ ‬لأنها‭ ‬–بجدارة‭- ‬عاصمة‭ ‬الرفض‭ ‬المجتمعي‭ ‬لأيِ‭ ‬مارقٍ،‭ ‬والمُقاوم‭ ‬الذي‭ ‬يخرج‭ ‬من‭ ‬بينِ‭ ‬بيوتاتها‭ ‬العتيقة‭ ‬لهُ‭ ‬خصوصية‭ ‬مأخوذة‭ ‬من‭ ‬خصوصية‭ ‬وآركيولوجية‭ ‬شخصيتها‭ ‬الدينية‭ ‬والثقافية‭ ‬التي‭ ‬تحتضن‭ ‬مقر‭ ‬الحوزة‭ ‬العلمية،‭ ‬باعتبارها‭ ‬قيادة‭ ‬أبوية‭ ‬مسموعة‭ ‬الكلمة،‭ ‬تسير‭ ‬بالتوازي‭ ‬مع‭ ‬بوصلة‭ ‬الوعي‭ ‬الجمعي‭ ‬القادر‭ ‬على‭ ‬سحق‭ ‬ما‭ ‬ينتجه‭ ‬الآخر‭ ‬المضاد،‭ ‬او‭ ‬يتطفل‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬قيمٍ‭ ‬هجينة،‭ ‬لذلك‭ ‬تجد‭ ‬جميع‭ ‬المرجعيات‭ ‬الجهادية‭ ‬الإصلاحية‭ ‬التي‭ ‬انطلقت‭ ‬من‭ ‬الحاضنة‭ ‬النجفية‭ ‬مترابطة‭ ‬وممتدة‭ ‬ومكملة‭ ‬لبعضها‭ ‬بهدفٍ‭ ‬سامٍ‭ ‬لا‭ ‬يركن‭ ‬لجانبه‭ ‬الأكاديمي‭ ‬الفقهي‭ ‬فحسب،‭ ‬وإنما‭ ‬لبّه‭ ‬ولبابه‭ ‬صناعة‭ ‬المنهاج‭ ‬الثوري‭ ‬وتوريثه‭ ‬لمن‭ ‬يليه‭ ‬إنهاءً‭ ‬لفكرة‭ ‬استعباد‭ ‬كينونة‭ ‬الإنسان‭ ‬وأدلجة‭ ‬أفكاره‭.‬

لذلك‭ ‬أنتجت‭ ‬بيئة‭ ‬الغليان‭ ‬التي‭ ‬عاشتها‭ ‬النجف‭ ‬على‭ ‬عصور‭ ‬متفاوتة‭ ‬ومراحل‭ ‬كفاح‭ ‬متراتبة‭ ‬ثوراتٍ‭ ‬جهادية‭ ‬ظلت‭ ‬ليومنا‭ ‬هذا‭ ‬مُعلقة‭ ‬على‭ ‬أستار‭ ‬التأريخ،‭ ‬فمنها‭ ‬انطلقت‭ ‬ورفرفت‭ ‬رايات‭ ‬ثورة‭ ‬العشرين‭ ‬تحت‭ ‬غطاءِ‭ ‬وشرعنةِ‭ ‬فتوى‭ ‬الشيخ‭ ‬المُقاوم‭ (‬محمد‭ ‬تقي‭ ‬الشيرازي‭) ‬ضد‭ ‬الاحتلال‭ ‬البريطاني‭ ‬للمطالبة‭ ‬بالاستقلال،‭ ‬كانت‭ ‬فتوى‭ ‬الحقوق‭ ‬التي‭ ‬تجيز‭ ‬القوة‭ ‬الدفاعية،‭ ‬وأصبحت‭ ‬فيما‭ ‬بعد‭ ‬نقطة‭ ‬لافتة‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬الحديث‭ ‬نحتفل‭ ‬بذكرى‭ ‬يومها‭ ‬الوطني‭ ‬كل‭ ‬عام‭ ‬باعتبارها‭ ‬شاخصة‭ ‬احتجاجية‭ ‬مشتعلة،‭ ‬أما‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬الثمانينيات‭ ‬فقد‭ ‬انبثقت‭ ‬ثورة‭ ‬المرجع‭ ‬المفكر‭ (‬محمد‭ ‬باقر‭ ‬الصدر‭) ‬فيلسوف‭ ‬الديالكتيك‭ ‬ومفكك‭ ‬النظرية‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬كان‭ ‬بحق‭ ‬هو‭ ‬المؤسس‭ ‬الفذّ‭ ‬للوعي‭ ‬الثوري‭ ‬الحديث‭ ‬والممهد‭ ‬للمرحلة‭ ‬الحاسمة‭ ‬من‭ ‬الصدام‭ ‬المباشر‭ ‬مع‭ ‬سلطة‭ ‬البعث‭ ‬المارقة،‭ ‬التي‭ ‬تبناها‭ ‬من‭ ‬بعده‭ ‬فعلياً‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬التسعينيات‭ ‬وأعاد‭ ‬إحياء‭ ‬روحها‭ ‬النضالية‭ ‬بجرأةِ‭ ‬وحرارة‭ ‬الدماء‭ ‬هو‭ ‬الأبُ‭ ‬المقاوم‭ ‬الفذّ‭ (‬محمد‭ ‬محمد‭ ‬صادق‭ ‬الصدر‭)‬،‭ ‬الذي‭ ‬أعلن‭ ‬تحديه‭ ‬المكتنز‭ ‬والمكمل‭ ‬لتأريخ‭ ‬نضالي‭ ‬طويل،‭ ‬إذ‭ ‬أطلق‭ ‬ثورته‭ ‬المنبرية‭ ‬الراديكالية‭ ‬الجريئة‭ ‬من‭ ‬منبر‭ ‬الفقراء،‭ ‬وتقدم‭ ‬هامة‭ ‬النضال‭ ‬البروليتاري‭ ‬بكفنهِ‭ ‬ومقلديه‭ ‬ومحبيه‭ ‬وجماهيره‭ ‬المليونية‭ ‬التي‭ ‬تحصنت‭ ‬بالموتِ‭ ‬وكلمة‭ ‬كلا‭.. ‬كلا‭.. ‬للطغيان‭.. ‬

أما‭ ‬فتوى‭ ‬الجهاد‭ ‬الكفائي‭ ‬للمرجع‭ ‬الأبوي‭ ‬الكبير‭ (‬علي‭ ‬السيستاني‭) ‬التي‭ ‬انطلقت‭ ‬في‭ ‬السنواتِ‭ ‬الأخيرة‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬هجم‭ ‬القراد‭ ‬الداعشي‭ ‬على‭ ‬عراقنا‭ ‬قادماً‭ ‬من‭ ‬غالبية‭ ‬أصقاع‭ ‬الأرض،‭ ‬أيضاً‭ ‬هي‭ ‬فتوى‭ ‬دفاعية‭ ‬مجتمعية‭ ‬انطلقت‭ ‬من‭ ‬ذات‭ ‬البيئة‭ ‬النجفية‭ ‬وأجازت‭ ‬لشبابنا‭ ‬وشيّابنا‭ ‬القوة‭ ‬الدفاعية‭ ‬لردع‭ ‬وسحقِ‭ ‬رايات‭ ‬الشر‭ ‬السود‭ ‬ومنع‭ ‬وصول‭ ‬المجاميع‭ ‬التكفيرية‭-‬داعش‭- ‬الى‭ ‬كل‭ ‬البلاد‭..‬

وبالتالي‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬الفتاوى‭ ‬جميعها‭ ‬بعضها‭ ‬من‭ ‬بعض

وأصحابها‭ ‬المراجع‭ ‬الأفذاذ‭ ‬بعضهم‭ ‬من‭ ‬بعض

جغرافياً‭ ‬وأكاديمياً‭ ‬وشرعياً‭ ‬وبطولياً،‭ ‬والشعب‭ ‬بكل‭ ‬الثورات‭ ‬عبر‭ ‬عن‭ ‬رفضه‭ ‬الذل‭ ‬وأعلن‭ ‬الكفاح‭ ‬النضالي‭ ‬ضد‭ ‬الاستكبار‭ ‬وتوابعه‭ ‬وأذنابه‭.‬

راديكالية‭ ‬الأب‭ ‬المقاوم‭ ‬

هنا‭ ‬–‭ ‬كما‭ ‬عوَّدنا‭ ‬في‭ ‬تأليفاته‭ ‬–‭ ‬يأتينا‭ ‬بما‭ ‬هو‭ ‬غير‭ ‬مألوفٍ‭ ‬وحداثوي‭ ‬في‭ ‬دراسة‭ ‬البنية‭ ‬السوسيولوجية‭ ‬للمجتمع،‭ ‬وصقلها‭ ‬بدلالات‭ ‬وقيم‭ ‬ومعايير‭ ‬الملحمة‭ ‬الحسينية‭ ‬في‭ ‬مجلدهِ‭ (‬أضواء‭ ‬على‭ ‬ثورة‭ ‬الحسين‭ ‬ع‭).. ‬لذلك‭ ‬نجد‭ ‬أنَّ‭ ‬سماحة‭ ‬المؤلّف‭ ‬يتطرَّق‭ ‬بأسلوبٍ‭ ‬استدلالي‭ ‬يُعرِّفنا‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬بأهداف‭ ‬الحسين‭ (‬ع‭) ‬الحقيقية‭ ‬عبر‭ ‬مادة‭ ‬علمية‭ ‬مركزة‭ ‬تحمل‭ ‬بين‭ ‬طيّاتها‭ ‬مضامين‭ ‬عِدَّة‭ ‬حول‭ ‬آلية‭ ‬الطريق‭ ‬الصحيح‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬ثقافة‭ ‬الإصلاح‭ ‬الذي‭ ‬يجب‭ ‬أنْ‭ ‬يتَّبعه‭ ‬خُطباء‭ ‬المنبر‭ ‬الحسيني،‭ ‬لكي‭ ‬لا‭ ‬يقعوا‭ ‬في‭ ‬المُحرَّمات‭ ‬لا‭ ‬شعورياً،‭ ‬وأن‭ ‬لا‭ ‬تأخذهم‭ ‬الميول‭ ‬الدنيويَّة،‭ ‬فكلُّ‭ ‬ما‭ ‬كُتِب‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السفر‭ ‬الخالد‭ ‬مُرَّكز‭ ‬على‭ ‬مناقب‭ ‬الحسين‭(‬ع‭) ‬وكيفية‭ ‬صقل‭ ‬تلك‭ ‬القيم‭ ‬الإنسانوية‭ ‬بمعايير‭ ‬المجتمع‭ ‬وتصحيح‭ ‬ثغراته،‭ ‬لذلك‭ ‬جاءت‭ ‬مخرجات‭ ‬ثورة‭ ‬الصدر‭ ‬والأب‭ ‬المُقاوم‭ ‬على‭ ‬شاكلة‭ ‬مواجهة‭ ‬حسينية‭ ‬إصلاحية‭ ‬غير‭ ‬مقتصرة‭ ‬على‭ ‬رفض‭ ‬النظام‭ ‬البعثي‭ ‬المارق‭ ‬وعبثه‭ ‬بالوعي‭ ‬المجتمعي‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬بفضح‭ ‬مغذيات‭ ‬الاستكبار‭ ‬العالمي‭ ‬التي‭ ‬تقف‭ ‬خلف‭ ‬هذا‭ ‬النظام،‭ ‬أسلوب‭ ‬متطور‭ ‬جداً‭ ‬في‭ ‬المواجهة‭ ‬للحوزة‭ ‬العلمية‭ ‬مع‭ ‬الاستكبار‭ ‬العالمي‭ ‬عبر‭ ‬سياسية‭ ‬إعلامية‭ ‬واجتماعية‭ ‬مضادة‭ ‬وصادمة‭ ‬لمخططاتها،‭ ‬لذلك‭ ‬اختارت‭ ‬الثورة‭ ‬الإصلاحية‭ ‬للصدرِ‭ ‬القاعدة‭ ‬الشعبية‭ ‬ميداناً‭ ‬بمدنها‭ ‬المتهالكة‭ ‬وإنسانيتها‭ ‬المسلوبة‭ ‬وحقوقها‭ ‬المضطهدة‭ ‬كنقطة‭ ‬انطلاق‭ ‬حية‭ ‬وعنوان‭ ‬لانطلاق‭ ‬صرخة‭ ‬صدرية‭ ‬ثائرة‭ ‬تخرج‭ ‬بإباءٍ‭ ‬من‭ ‬تحتِ‭ ‬سقوف‭ ‬الچينكو‭ ‬ومن‭ ‬خلف‭ ‬عربات‭ ‬البسطاء‭ ‬وچنابر‭ ‬الكسبة‭ ‬أصحاب‭ ‬الوجوه‭ ‬السمر‭ ‬الأبية‭ ‬والسواعد‭ ‬الماسكة‭ ‬لجمرة‭ ‬الحق‭ ‬والرافضة‭ ‬لأيِة‭ ‬مهادنة‭ ‬وتراجع‭.‬

‭ ‬إذن،‭ ‬فعملية‭ ‬خلق‭ ‬الوعي‭ ‬الثائر‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬المنبر‭ ‬الصدري‭ ‬أنتجت‭ ‬ثقافة‭ ‬اقتلاع‭ ‬جذور‭ ‬الخوف‭ ‬والرعب‭ ‬من‭ ‬القلوب‭ ‬والصدور،‭ ‬وهي‭ ‬الميزة‭ ‬النادرة‭ ‬لصرخة‭ ‬الإصلاح‭ ‬المجتمعي‭ ‬غير‭ ‬الآبه‭ ‬لجمهورية‭ ‬الرعب‭ ‬البعثي،‭ ‬ثورة‭ ‬فقراء‭ ‬كادحة‭ ‬غذاها‭ ‬الصدر‭ ‬براديكاليتهِ‭ ‬الثائرة،‭ ‬لتحمل‭ ‬رسالة‭ ‬مكفنة‭ ‬بالبياض‭ ‬تقول‭ ‬للعالم‭ ‬بأسرهِ‭:‬

نحنُ‭ ‬أمة‭ ‬حية‭ ‬لا‭ ‬ترضى‭ ‬أبداً‭ ‬بالموت‭ ‬السريري‭.‬

الغجر‭ ‬وإنسانية‭ ‬الصدر

كنت‭ ‬أدرك‭ ‬أنك‭ ‬ذلك‭ ‬الحضور‭ ‬الملكوتي‭ ‬المَهيب،‭ ‬الذي‭ ‬كلما‭ ‬يمشي،‭ ‬يقطع‭ ‬أشواطاً‭ ‬إلى‭ ‬قلب‭ ‬السماء،‭ ‬وكنت‭ ‬أدرك‭ – ‬أيضاً‭ – ‬أن‭ ‬جوقة‭ ‬البعث‭ ‬بأفّاقيه‭ ‬الذين‭ ‬أرادوا‭ ‬جعلك‭ ‬حبيساً‭ ‬وصامتاً‭ ‬في‭ ‬خِزانة‭ “‬الأنتيكات‭” ‬لن‭ ‬يفلحوا،‭ ‬وحدكَ‭ “‬فَلّاح‭” ‬الشجاعة‭ ‬وغارسها‭ ‬في‭ ‬أرض‭ ‬الوطنِ‭ ‬الذي‭ ‬لن‭ ‬يستريح‭ ‬بدونك‭..‬

البساطة‭ ‬شديدة‭ ‬هنا،‭ ‬كنت‭ ‬تريد‭ ‬لضميرِ‭ ‬هذه‭ ‬الأمة‭ ‬ان‭ ‬يكون‭ ‬أممياً‭ ‬بدلالاتهِ‭ ‬وإنسانوياً‭ ‬ببعديه‭ ‬الفلسفي‭ ‬والأخلاقي،‭ ‬وذلك‭ ‬لبيان‭ ‬معادلة‭ ‬مفهوم‭ ‬المرجعية‭ ‬وثقلها‭ ‬العابر‭ ‬للجغرافيا‭ ‬والقومية،‭ ‬لذلك‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬مقطع‭ ‬من‭ ‬مقاطع‭ ‬خطابه‭ ‬الأبوي‭ ‬ووصاياه‭ ‬لشريحة‭ ‬الغجر‭ ‬في‭ ‬خطبة‭ ‬الجمعة‭-‬الخامسة‭ ‬والأربعين‭- ‬3‭ ‬ذي‭ ‬القعدة‭ ‬1419‭:‬

‭”‬فيا‭ ‬أيها‭ ‬الغجريون‭ ‬لستم‭ ‬أول‭ ‬من‭ ‬خاطبهم‭ ‬الإسلام‭ ‬ولا‭ ‬اول‭ ‬من‭ ‬خاطبهم‭ ‬القرآن‭ ‬ولا‭ ‬أول‭ ‬من‭ ‬خاطبتهم‭ ‬الحوزة‭ ‬الشريفة‭ ‬ولا‭ ‬أول‭ ‬من‭ ‬خاطبهم‭ ‬السيد‭ ‬محمد‭ ‬الصدر‭ ‬إذا‭ ‬بقيت‭ ‬الحياة،‭ ‬عسى‭ ‬أن‭ ‬مجتمعكم‭ ‬وأفرادكم‭ ‬ينظرون‭ ‬في‭ ‬مصالحهم‭ ‬الواقعية‭ ‬ويعيدون‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬عاداتهم‭ ‬الموروثة‭ ‬وتعصباتهم‭ ‬التقليدية‭”..‬

إذ‭ ‬دعاهم‭ ‬الصدر‭ ‬إلى‭ ‬حضور‭ ‬صلاة‭ ‬الجمعة‭ ‬حينها،‭ ‬الخطوة‭ ‬الغريبة‭ ‬والنادرة‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬العقيدة،‭ ‬التي‭ ‬اعتبرها‭ ‬الكثيرون‭ ‬متفردة‭ ‬في‭ ‬خطاب‭ ‬المنبر،‭ ‬لكن‭ ‬الصدر‭ “‬نجح‭” ‬فعلاً‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬وأجرى‭ ‬تغييراً‭ ‬في‭ ‬معتقداتهم‭ ‬وسلوكياتهم‭ ‬عبر‭ ‬خطابه‭ ‬الشعبي‭ ‬القريب‭ ‬من‭ ‬عقلهم‭ ‬الجمعي،‭ ‬كان‭ ‬همهُ‭ ‬الأول‭ ‬أن‭ ‬يسحبهم‭ ‬من‭ ‬بؤرة‭ ‬الوصم‭ ‬المجتمعي‭ ‬ويلحقهم‭ ‬أكارم‭ ‬بالهوية‭ ‬الإنسانية،‭ ‬لأنهم‭ ‬على‭ ‬مر‭ ‬التأريخ‭ ‬كانوا‭ ‬يوصمون‭ ‬بـ‭ ‬الكاولية،‭ ‬ذلك‭ ‬اللفظ‭ ‬التحقيري‭ ‬المعتاد‭ ‬لوصف‭ ‬مجتمعاتهم‭ ‬العابثة‭.‬

يتضح‭ ‬جلياً‭ ‬هنا‭ ‬أن‭ ‬الصدر‭ ‬المقاوم‭ ‬استطاع‭ ‬تشخيص‭ ‬ومعالجة‭ ‬غالبية‭ ‬المشاكل‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تعصف‭ ‬بالمجتمع‭ ‬العراقي‭ ‬عبر‭ ‬مخاطبته‭ ‬المنبرية‭ ‬وبأسلوبٍ‭ ‬تربوي‭ ‬أبوي‭ ‬ترف‭ ‬لجميع‭ ‬طبقات‭ ‬المجتمع‭ ‬وباختلاف‭ ‬المستويات‭ ‬الثقافية‭ ‬والفكرية،‭ ‬فقد‭ ‬خاطب‭ ‬الأطباء‭ ‬وموظفي‭ ‬الدولة‭ ‬والجيش‭ ‬والشرطة‭ ‬وأصحاب‭ ‬المحال‭ ‬والكسبة‭ ‬والسدنة،‭ ‬كما‭ ‬خاطب‭ ‬بقية‭ ‬الأديان،‭ ‬وآخر‭ ‬من‭ ‬خاطبهم‭ ‬ووجه‭ ‬نداءه‭ ‬الجاد‭ ‬لهم‭ ‬هم‭ ‬شريحة‭ ‬الغجر‭.‬

إصلاح‭ ‬فقه‭ ‬العشائر

صولات‭ ‬كونكريتية‭ ‬بنسقٍ‭ ‬إصلاحي‭ ‬سلوكي،‭ ‬تبناها‭ ‬الصدر‭ ‬من‭ ‬على‭ ‬منبرهِ‭ ‬وداخل‭ ‬حلقاتهِ‭ ‬المجتمعية‭ ‬النقاشية،‭ ‬فُهرست‭ ‬فيما‭ ‬بعد‭ ‬متسلسلة‭ ‬بكتابه‭ ‬البحثي‭ (‬فقه‭ ‬العشائر‭)‬،‭ ‬الذي‭ ‬وضع‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬أجوبتهِ‭ ‬معياراً‭ ‬أخلاقياً‭ ‬ومعولاً‭ ‬سلوكياً‭ ‬حاداً‭ ‬لتهديم‭ ‬العرف‭ ‬العشائري‭ ‬اللاإنساني‭ ‬والمُشرعن‭ ‬لـقضايا‭ ‬اضطهاد‭ ‬النساء‭ ‬بالفصلية‭ ‬والانفلات‭ ‬العشائري‭ ‬المسلح‭ ‬والثأر‭ ‬وإشاعة‭ ‬الفوضى‭ ‬بالغلبة‭ ‬العشائرية،‭ ‬وكذلك‭ ‬الأحكام‭ ‬الجزافية‭ ‬الدموية‭ ‬التي‭ ‬جرى‭ ‬عليها‭ ‬العرف‭ ‬العشائري،‭ ‬فالكثير‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الظواهر‭ ‬المرفوضة‭ ‬والمسكوت‭ ‬عنها‭ ‬دخلت‭ ‬دائرة‭ ‬المتفق‭ ‬عليه‭ ‬وبمقبولية‭ ‬سياسية‭ ‬او‭ ‬اجتماعية،‭ ‬وأن‭ ‬الأنظمة‭ ‬العشائرية‭ ‬والتقاليد‭ ‬المتبعة‭ ‬داخل‭ ‬البنية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬فيها‭ ‬مخالفة‭ ‬صريحة‭ ‬للشريعة،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬ترى‭ ‬لها‭ ‬قوة‭ ‬في‭ ‬التطبيق‭ ‬أشد‭ ‬من‭ ‬قوة‭ ‬الشريعة،‭ ‬وبالتالي‭ ‬يرضخ‭ ‬لها‭ ‬الإنسان‭ ‬وينصاع‭ ‬بتخاذل‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬معصية،‭ ‬لذلك‭ ‬جاءت‭ ‬ثورته‭ ‬الإصلاحية‭ ‬هنا‭ ‬بالاستناد‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬التفاضل‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬الناس‭ ‬بميزان‭ ‬المعيار‭ ‬الأخلاقي،‭ ‬ولا‭ ‬علاقه‭ ‬له‭ ‬بالنسبِ‭ ‬ولا‭ ‬الحسبِ‭ ‬ولا‭ ‬الثراء‭ ‬وإنما‭ ‬هو‭ ‬التقرب‭ ‬من‭ ‬الله‭ ‬وتقواه،‭ ‬وبهذا‭ ‬المعيار‭ ‬ينظر‭ ‬الإسلام‭ ‬إلى‭ ‬الناس،‭ ‬فتراه‭ ‬يرفع‭ ‬سلمان‭ ‬الفارسي‭ ‬ويجعله‭ ‬من‭ ‬أهل‭ ‬البيت‭ ‬الذين‭ ‬أذهب‭ ‬الله‭ ‬عنهم‭ ‬الرجس‭ ‬وطهرهم‭ ‬تطهيراً،‭ ‬وبالمقابل‭ ‬تنزل‭ ‬سورة‭ ‬كاملة‭ ‬في‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬بذم‭ ‬أبي‭ ‬لهب‭ ‬عم‭ ‬الرسول‭ (‬ص‭)‬،‭ ‬وعليه‭ ‬فلا‭ ‬ينفع‭ ‬المذنب‭ ‬والغارق‭ ‬في‭ ‬خطيئته‭ ‬رئيس‭ ‬عشيرة‭ ‬أو‭ ‬فخذ‭ ‬أو‭ ‬حمولة،‭ ‬سوى‭ ‬ما‭ ‬يقدمه‭ ‬من‭ ‬خُلقٍ‭ ‬في‭ ‬سلوكه‭.‬

إذن،‭ ‬تمضي‭ ‬الليالي‭ ‬وحيدة‭ ‬يا‭ ‬صاحب‭ ‬الشّيبة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬يوماً‭ ‬ما‭ ‬تبدو‭ ‬وكأنها‭ ‬المُدن‭ ‬العامرة‭ ‬بالأمان‭ ‬والكرامة،‭ ‬لطالما‭ ‬آمنت‭ ‬أنك‭ ‬وحدك‭ ‬المارّ‭ ‬بمدن‭ ‬الوجع‭ ‬وعيون‭ ‬أطفالها،‭ ‬هذه‭ ‬العيون‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬هي‭ ‬آبار‭ ‬مصنوعة‭ ‬من‭ ‬مليون‭ ‬دمعة،‭ ‬لذلك‭ ‬جاءت‭ ‬صرختك‭ ‬الصدرية‭ ‬توأمة‭ ‬لصرخة‭ ‬العظيم‭ ‬وأبي‭ ‬الأحرار‭ ‬الحسين‭ (‬ع‭) ‬يوم‭ ‬عاشوراء‭ :‬

‭ ‬لا‭  ‬للطغاة‭ ‬المتكبرين‭ ‬والمتجبرين‭..‬