رمضان بين العبادة وسموم الدراما

170

سلمى المغربي /

سيل من الأعمال الدرامية التي تعمل على النيل من منظومة القيم العربية وضرب الثوابت الأخلاقية والثقافية والأسرية وزعزعتها ودس السم فيها عبر مسلسلات تحاول الترويج لثقافة شاذة وطارئة على المجتمعات العربية.
ثمة من يضع هذه الدراما في إطار الحرب الناعمة التي تستغل الشهر الفضيل لدى المسلمين للنيل من المقدس وضربه.
وقد واجهت تلك المسلسلات رفضاً شعبياً وثقافياً، وطالتها انتقادات لاذعة على منصات التواصل الاجتماعي؛ ولاسيما أنها تسيء الى الثوابت الأخلاقية للمجتمعات العربية وتسيء للمرأة العربية بشكل خاص.
وكان المُسلسل الكويتي “من شارع الهرم إلى..” تأليف هبة مشاري وبطولة هدى حسين، والمُسلسل المصري “دنيا ثانية” من تأليف الكاتب أمين جلال وبطولة ليلى علوي من أكثر الأعمال إثارة للجدل.
مبررات واهية
رغم أن صناع هذه الأعمال وأبطالها يقولون إنهم لا يجسدون سوى الواقع بآفاته، فإن المُتابعين يرون أن أعمالاً كهذه لا تعدو أن تكون مُجرد تكريس لبعض الشخصيات والظواهر السلبية، وترسيخ، أو بالأحرى تطبيع مع الانفلات الأخلاقي، ومحاولات للعصف بقيم مُجتمعاتنا العربية المُحافظة.
فقد غردت هدى حسين بطلة مسلسل “من شارع الهرم إلى” ، لتفسر الرفض الاجتماعي والثقافي لهذا العمل تحت ذريعة أن هذا العمل يتضمن جدليات كثيرة، وأن سبب الإثارة كونه مختلفاً شكلاً ومضموناً، وهي محاولة للهروب من مناقشة الأسباب الحقيقية لهذا الرفض الذي قوبل به هذا العمل.
أما الممثلة نور الغندور التي تجسد دور الراقصة، فقد ردت على موجة الانتقادات التي طالتها وطالت العمل بتصريحها لأحد البرامج الفنية: أقول لمن يهاجمون المسلسل انتظروا وشاهدوا المسلسل قبل الحكم عليه.
وتعتقد نور أن شخصية كريمة في المسلسل ليست سيئة ولا تهدف إلى إهانة المرأة، سواء المصرية أو العربية، فهي شخصية قد تكون موجودة في الواقع، وتعاني من أشياء كثيرة دفعتها للوصول إلى هذه المرحلة.
من جهتها، أكدت مؤلفة العمل هبة مشاري حمادة، أن عنوان المسلسل يحمل أكثر من احتمال، وأنه عمل يذكرها بالأعمال العائلية، لكن بأسلوب معاصر، كما أنه عمل ينحو منحىً جديداً بمعطى تجاري واجتماعي. وعن شخصية الراقصة المصرية، صرحت مؤلفة العمل أن هذه الشخصية، التي كان من المفترض أن تصل من مصر لتغادر بعد تقديمها لوصلة فنية، قررت البقاء في الكويت من أجل تنفيذ أجندتها الخاصة التي ستظهر تباعاً في سياق الحلقات.
لكن تلك المبررات لن تسوغ استخدام السم الذي يغلف هذا العمل بعسل التفسيرات التي لا تصمد أمام قناعات شعبية وثقافية تؤكد على محاولة هذه الأعمال نسف القيم الاجتماعية والأخلاقية للمجتمع العربي.
غضب من بيروت الى الكويت
ولم تشفع المبررات التي سوغها منتجو هذه الأعمال في وقف وتيرة الغضب على مواقع التواصل؛ جراء القضايا والشخصيات التي تعرضها هذه الأعمال، بل إن الغضب الذي أثارته في الشارع المصري امتد إلى الشارع الكويتي، إذ أن الكثيرين من الناشطين والمسؤولين وجدوه مُسيئاً للمُجتمع الكويتي أيضاً، حتى إنه قد تم إطلاق هاشتاغ يطالب بوقف عرضه، في حين طالب الكثير من النواب في البرلمان الكويتي بوقفه، لأنه يعرض صورة سيئة وغير واقعية عن الكويت. فقد غرد النائب حمدان سالم العازمي: “نؤكد أن هذه الأعمال الهابطة لا يمكن أن تنسب إلى الكويت حتى لو عرضت على منصات وقنوات خارجية، وعلى وزير الإعلام التدخل فوراً لإيقاف ترخيص الشركة المُنتجة لهذا المسلسل.”
دنيا ثانية
أما مُسلسل “دنيا ثانية”، فقد أشعل أزمة مُنذ الحلقة الأولى، بسبب مشهد “زنا محارم”، وهي محاولة لا يمكن تفسيرها إلا بتكريس السلوكيات الشاذة من خلال علاقة مُحرمة بين زوج البطلة وأختها، الأمر الذي تسبب في جدل واسع، وجعل المجلس الأعلى للإعلام بمصر يقرر وقف الحلقة الأولى من المُسلسل بسبب عرض هذا المشهد “بالتحايل”، لعدم حصول صناعه على تصريح بعرضه من طرف الرقابة على المُصنفات.
لكن السؤال هو: هل فعلاً أن صنّاع الدراما يريدون أن تعكس هذه الأعمال الواقع، أم أن صُناعها يرغبون في إثارة الجدل لرفع نسب المُشاهدة عبر تطرقهم لمواضيع حساسة وتجسيدهم لشخصيات “مسيئة”؟ أم، وهو الأخطر، أن هذه الأعمال وسواها تأتي في سياق حرب ناعمة تعمل على تدنيس كل ما هو مقدس في منظومة القيم العربية؟
ترى الكاتبة والناشطة الحقوقية المصرية عبير عواد، أن شخصية الراقصة المصرية في مُسلسل “من شارع الهرم”، من المُفترض أن تتسبب في إفساد علاقات أسرية هي بالأصل مُفككة حسبما عرض في المسلسل، لكن هل هذه الحساسية من فكرة تصوير راقصة مصرية نابعة من أنها امرأة سيئة توقع الرجال في حبائلها، أم فقط لأن هناك الكثير من الحساسيات بسبب حدوث إساءات سابقة تجاه مصر والمصريين من شخصيات كويتية لبعضها مكانة مرموقة مُجتمعياً؟ وهل هذا ما يقصده المُسلسل بالفعل؟ أم أن الراقصة التي لم تظهر كثيراً في الحلقات الأولى، ليست سوى نموذج عام لإساءة قد تطول أية امرأة / راقصة، سواء أكانت مصرية أم من جنسية أخرى؟ وهل الإساءة تحدث فقط في الدراما، أم أن الدراما تنقل جزءاً من حقيقة الإساءة للمرأة وإنسانيتها في الواقع؟
الدراما الخليجية ساذجة!
يعتقد الصحفي المصري أسامة فطيم: إن ذائقة الفن الخليجي ساذجة وأن الدراما التي ينتجونها فيها الكثير من الجدل ومحاولة زرع ثقافات غريبة في جسد لا يحتملها، وربما وجود مُمثلة تجسد دور شخصية مصرية يدل على رغبتهم في تطعيم أعمالهم بشخصيات عربية بغية الانتشار والارتقاء، غير أن إنتاجهم الدرامي لا يتوافق وذائقة الدول الأخرى، من المُؤاخذات على المُسلسل تركيب الجمل باللهجة المصرية بطريقة خاطئة، وكذا عرضه لمواقف لا تحدث في الواقع، لكن هل من الضروري أن تكون شخصية الراقصة “خرابة البيوت” مصرية أو من جنسية أخرى؟ هل الكل في الكويت ملائكة؟ كان من الأفضل أن يقدموا شخصية امرأة كويتية “تخطف” الرجل من أهله، علماً بأنه لا وجود للملائكة في شخصيات هذا المُسلسل كلها، في النهاية هو مُسلسل ساذج، مُصمم ليناسب مُعدل ذكاء الأطفال.
وبالنسبة للأزمة التي أثارها مسلسل ليلى علوي، فإن الموضوع الأساسي هو زنا المحارم، وقد أثمر الغضب عن دفع منتجي هذا العمل إلى حذف المشهد واستبدال الشخصية وتغيير السيناريو بحيث لم تعد الشخصية التي دخلت في علاقة مع زوج البطلة أختها، بل صارت ابنة عمها.
إثارة الجدل هي أسهل طريقة لرفع عمل ساقط!
ترى الكاتبة والمترجمة المصرية سماح الجلوي، أن إثارة الجدل صارت هي الحل من وجهة نظر بعض صُناع الدراما ممن لا يتوقعون نجاحاً لأعمالهم، فعوض الاجتهاد والبحث عن أفكار جيدة وجديدة، يختارون أسهل طريقة لرفع عمل ساقط، دون أدنى اعتبارات مهنية أو أخلاقية، والخلطة السحرية في مُسلسل من شارع الهرم إلى.. هي الهجوم على طرف آخر ذي قيمة وتاريخ وشعبية واستخدامه للظهور بشكل أفضل منه، كما أن وضع اسم هذا الشارع المعروف بالملاهي الليلية في العنوان تم عمداً بهدف جذب الأنظار وإثارة الجدل، أليست هذه سقطة في حد ذاتها؟ فما إن يدخل المُشاهد إلى عوالم المسلسل حتى يصدم بكم الإهانات والإساءات المُتكررة من أبناء بلد شقيق، الجميع يعلم أن مصر بكل فخر صدرت للكويت نماذج مُشرفة بدءاً من المُعلم مروراً بالمهندس والطبيب انتهاء بالعامل والشيف، فلماذا يصر البعض إذن على تسليط الضوء على نماذج مُسيئة فحسب؟
مجتمعاتنا ليست مجتمعات “يوتوبيا”:
فيما يؤكد الفنان المصري أشرف سرحان، على أن مُسلسل من شارع الهرم إلى.. يعرض شخصية سيدة مصرية تعمل كراقصة، وتوصم بأنها تخطف الرجال من أسرهم، مما يسيء إلى المرأة المصرية بأيد خليجية، وصُناع المسلسل يعتقدون أن ما يصورونه “فن”، حسب مقدار ثقافتهم ووعيهم ومعرفتهم بالدراما، لكن ليس هناك مُجتمع قوي وكبير قد يسيء إليه مُسلسل، والإهانة الفعلية في هذا العمل ليست للمرأة المصرية، بقدر ما هي إهانة للبطل/ نموذج الرجل الخليجي، الذي سال لعابه على هذه المرأة. أما بالنسبة لمُسلسل دنيا ثانية، فإن صُناع المُسلسل اضطروا بعد وقف الحلقة الأولى الى تغيير الخطوط الدرامية في المُسلسل تحت ضغط الجمهور وتنفيذاً للمعايير الرقابية.
لكن السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما تحظى به هذه المسلسلات، التي تحاول الترويج لثقافة شاذة بميزانيّة ماليّة كبيرة ترصد لها، ولماذا علينا أن نستسلم لفكرة أن الفن يحرك السكون ويعمل على صدم المتلقي بضرب معتقداته ومسلماته الثقافية والأخلاقية، بدلاً من صدمه بأعمال مثيرة تعالج الكثير من القضايا التي يعاني منها المجتمع العربي كالفساد والمحسوبية وزيادة معدلات البطالة والفقر لما استهداف منظومة القيم دون سواها لإحداث الصدمة الفنية المزعومة؟