شذى سالم لـ “الشبكة”: أتمنى أن تغادر الدراما إطارها المحلي

106

حوار: أحمد سميسم /

مثقفةٌ وأكاديميةٌ وسيدة من سيدات المسرح العراقي، تشربت حب الفن منذ طفولتها، نشأت في كنف أسرة فنية معروفة، تعلمت أصول الفن على يد والدها الفنان المسرحي الراحل طه سالم الذي أخذ بيدها منذ صباها حين كانت ترافقه في العروض المسرحية لترتقي سلم النجاح بعد جهد وكفاح. بدأت مشوارها في مسرحيات الطفل؛ (بدر البدور) و(جيش الربيع) و(النجمة البرتقالية).
أجادت أدوارها التلفزيونية والسينمائية ببراعة كبيرة، فكان أول عمل تلفزيوني لها مسلسل (أعماق الرغبة) للكاتب صباح عطوان، ومسلسل (عمر بن أبي ربيعة) ثم (فتاة في العشرين)، وفيلم (القادسية)، وعدد من الأعمال الفنية الخالدة.
هي فنانة لا تكترث بالسباق (الماراثوني) التلفزيوني بقدر اهتمامها بأعمال فنية متفردة تناسب طموحها وتطلعاتها، لذا نراها تغيب عن الشاشة تارة لتعود فجأة من جديد بأعمال جديرة بالمشاهدة. تحترم خصوصيتها كثيراً، كما أنها مؤمنة ومتمسكة باللغة العربية الفصحى التي ما انفكت حاضرة في حياتها الفنية.
الفنانة القديرة الدكتورة “شذى سالم” حلّت ضيفاً عزيزاً على “مجلة الشبكة” عبر هذا الحوار الذي لا تنقصه الصراحة والمتعة:
الطموح والتطلعات
* بعد تسع سنوات من غيابك عن الشاشة العراقية، عدتِ بعمل درامي في (يسكن قلبي) لموسم رمضان 2020، لماذا لم تشاركي في أي عمل تلفزيوني طوال تلك السنوات؟
– ما جعلني ابتعد عن الشاشة طوال السنوات التسع الماضية هو أني لم أجد العمل الفني الذي يتوافق ويتناسب مع طموحي وتطلعاتي، ولم أجد الدور المناسب الذي يضيف لي ويقدمني إلى الجمهور بصورة مغايرة عما قدمته من أعمال سابقة، لاسيما أن الجمهور يطالبنا دائماً بالأعمال الجديدة غير المستهلكة التي تحكي قصص طبقات المجتمع كلها، فضلاً عن أن ضعف الإنتاج العراقي يقود إلى إنتاج مسلسلات بعجالة دون التأني في العمل، فيؤثر ذلك في جودة المسلسل وتأثيره في المتلقي، لذا تجدني ألتجئ إلى المسرح أكثر من التلفزيون للأسباب التي ذكرتها، على الرغم من قلة الأعمال المسرحية العراقية أيضاً.
* جسدتِ شخصية (ماجدة) في مسلسل (يسكن قلبي)، المرأة الكادحة التي يقع في حبها ثلاثة رجال، ألا تعتقدين أن دورك لم يكن مناسباً من حيث العمر لتبرير تعلق كل هؤلاء الرجال بـ ماجدة؟
– مسلسل (يسكن قلبي) من إنتاج لجنة دعم الدراما في شبكة الإعلام العراقي، عمل أعجبني منذ الوهلة الأولى واستمتعت به كونه يناقش أحداثاً اجتماعية عصرية بأجواء بغدادية، جسدتُ في المسلسل شخصية (ماجدة)، المرأة الكادحة التي واجهت الصعاب والظلم وتحديات الحياة الكثيرة، أما عن الإشكالية في دوري فأجدها مبرَّرة، لأن (ماجدة) كانت شخصية رمزية إنسانية بسيطة أبلغ من أن تنحصر في هذه الجزئية فقط، أي حب الرجال الثلاثة إياها، حتى أنهم (عامر، وهوبي، وعاصم) كانوا كباراً في العمر بما يوازي عمر ماجدة تقريباً، إن سكناها في منطقة شعبية جعلها تسترجع الذكريات وحنين الماضي والشعور بالمودّة والاحترام من هؤلاء الرجال، فالقضية لم تكن رومانسية بقدر إنسانيتها وعمقها الاجتماعي في هذا المسلسل.
* كيف تنظرين إلى ظهور عدد من الفنانات الشابات في الأعمال الدرامية مؤخراً؟ وبماذا تنصحينهن؟
– ظهور عدد من الفنانات الجديدات في الوسط الفني أعدّه حالة إيجابية، لاسيما أننا نفتقر إلى العنصر النسوي قياساً بعدد الفنانين الرجال، لذا تجدني أفرح حين أشاهد ظهور فنانات في مقتبل العمر يؤدين أدواراً تلفزيونية، ولكن!! أتمنى أن يخضعن إلى التدريب والدراسة والتعرف على أصول الفن؛ ما له وما عليه، أحياناً ألاحظ أن أداء بعض الفنانات يفتقر إلى المهارة والحِرفية وكيفية تجسيد الدور بأدق التفاصيل وبكل انسيابية وإتقان وبراعة، وضرورة أن يحققن التوازن بين الشخصية في العمل وشخصية الفنانة الحقيقية.
* ما المنعطف الأول في حياتك الفنية؟
– هناك منعطفات كثيرة في حياتي الفنية، أولها حين اشتركت في أول بطولة لي في مسلسل (أعماق الرغبة) عام 1976، ما أهلني إلى الدخول في منعطف آخر هو فيلم (يوم آخر) عام 1979 الذي حزت عنه جائزة أفضل ممثلة سينمائية عراقية، المنعطف الثالث كان مشاركتي في فيلم (القادسية) إذ وقفت أمام كبار الممثلين العرب أمثال الفنانة سعاد حسني والفنان عزت العلايلي والفنانة ليلى طاهر وآخرين، والمنعطف الأخير الكبير كان مسلسل (فتاة في العشرين).
* ما السر وراء سطوع نجمكِ في مسلسل (فتاة في العشرين) على الرغم من أنك خضت تجارب عدة قبل هذا المسلسل منها (أعماق الرغبة) و(عمر بن أبي ربيعة) وفيلم (القادسية)؟
– مسلسل (فتاة في العشرين) عمل مهم قدمني إلى الجمهور العراقي واشتهرتُ من خلاله على الرغم من تجاربي الفنية قبل هذا المسلسل، السر يكمن في جرأة المسلسل من حيث الطرح في تلك الحقبة، فشخصية (نهاد) التي جسدتُها هي تلك الفتاة العشرينية المتمردة على واقعها الاجتماعي وحتى على نفسها، المكابرة في عزة نفسها، ووجودها في أسرة عراقية محافظة، ترفض أن ترضخ للزواج الإجباري من ابن العم، كل تلك المفارقات أحبها الجمهور وتعلقوا بأحداث المسلسل ما جعله ينجح بجدارة، وهذا سر نجاحي فيه.
* هل أبعدكِ ارتباطك الأكاديمي عن عطائك الفني؟
– بالعكس، ارتباطي الأكاديمي أضاف لي كثيراً وطور من إمكانياتي ومهاراتي، وانعكس ذلك على نتاجي الفني، ربما ابتعدت عن الفن في فترة الدراسة، أما ما عدا ذلك فأنا موجودة دائماً.
* على الرغم من اسمك اللامع في العراق والدول العربية لكن لم نشاهدك حتى الآن في عمل درامي عربي كبير..
– قدمتُ، في مرحلة ما، أعمالاً تأريخية وبدوية عربية في الخليج ومصر، لكن لم تسلَّط عليها الأضواء في حينها، أما لاحقاً فقد عُرضت عليّ المشاركة في أعمال عربية، لكنّي رفضت بسبب حبّي وانتمائي للهجة العراقية واللغة العربية الفصحى، كان يُطلب مني أن أمثل بلهجة تلك الدول العربية فرفضت ذلك.
* نشهد اليوم سيلاً من الألقاب التي تسبغها بعض الجهات على الفنانين، بلا ضوابط واضحة، هل ضاعت معايير النجومية في الفن العراقي؟
– أنا ضد منح الألقاب الفنية التي تُتداول اليوم كالعملاق والإمبراطور وغيرها، التي تُمنح اعتباطاً، إذ أن اللقب يمنح لمن له منجزٌ واضح في الميدان، كما يقال، كما أننا لا نمتلك نجماً ساطعاً في مجال التمثيل، بل فنان معروف، لأن النجم صناعة وليس لقباً يقال، هناك مؤسسات كبيرة تصنع النجوم، نفتقر إلى وجودها نحن في العراق.
* لو لم يكن والدكِ الفنان طه سالم (رحمه الله) في حياتك، هل كنّا سنرى الفنانة شذى سالم في مجال الفن أم في حقل آخر؟
– لو لم يكن والدي في حياتي (رحمه الله) لما دخلت مجال الفن أصلاً، لذا كان يمكن أن أكون باحثة في مجال التأريخ أو في مجال الآثار.
* لماذا رفضت الفنانة الراحلة سعاد حسني، في البداية، مشاركتكِ معها في فيلم (القادسية)، ما الذي حصل؟
– عندما شاركت في فيلم (القادسية) كنت صغيرة في العمر وفي بداياتي الفنية، هذا الأمر أثار حفيظة الفنانة الراحلة سعاد حسني حينها، كان تحفّظها الأساسي: كيف تقف ممثلة معروفة أمام ممثلة مبتدئة؟ لكن الذي حصل بعد أن انتهى الفيلم أن فوجئت سعاد حسني بأدائي المتقن، وهذا ما قالته لي عندما التقينا في مصر حيث أشادت بي كثيراً.
* بعد هذه المسيرة الفنية الطويلة الحافلة بالإبداع، ما الذي تسعين إلى تحقيقه اليوم وبماذا تحلمين؟
– لا أسعى إلى شيء بقدر ما أتمنى أن تخرج الدراما العراقية من إطارها المحلي إلى العربي وأن تستعيد بريقها كما كانت في السابق، حين كان المسلسل العراقي يُشترى من قِبل أغلب القنوات العربية وله مشاهدون ومقبولية عربية كبيرة بخلاف ما يحدث الآن مع الأسف.
* من بين الشخصيات التي قدمتِها، هل ثمة واحدة تشبه شذى سالم في الواقع؟
– شخصية (نهاد) في مسلسل (فتاة في العشرين) تشبهني في إصرارها وعزيمتها وجرأتها وعزة نفسها.
* لماذا تميلين إلى الأعمال الفنية التاريخية (الكلاسيكية)؟
– ما جعلني أميل إلى الأعمال التاريخية هو ولعي باللغة العربية الفصحى التي لها جمال موسيقي في الإلقاء بالنسبة لي.
* على ما يبدو أنك بعيدة عن هَوَس التواصل الاجتماعي؟
– هذا صحيح، أنا بعيدة عن مواقع التواصل الاجتماعي حتى أني ليست لدي صفحة شخصية في الفيسبوك والإنستغرام، وأفضل أن أبقى بعيدة عن المهاترات التي تحصل هنا وهناك في مواقع التواصل، لذا تجدني بعيدة عن الثرثرة والكلام غير المنتج.