في عيد مولده الأغر حُبّ النبي يجمعنا

94

آمنة عبد النبي /

في أزقة معتقة بالتراث المتمدن والروح العصريَّة الفخمة، تطل منها على العالم شرفات منزليَّة مزينة بالبالونات الملونة، وشوارع بهيجة بصبية يرتدون (عرقـچـين) أبيض ودشاديش بلون النقاء، ويحملون أعلاماً خضراً بعبارة (محمد قدوتنا)، مرفرفة تلوح للقادمين بكرم وترحيب وسخاء باتجاه خيمة المولد النبوي المضيئة بالتسامح والمحبَّة.
شوارع مدينة الأعظمية، وحضرة الشيخ عبد القادر الكيلاني، والكاظمية المقدسة، وغيرها من المناطق البغدادية الأخرى وباقي المحافظات، اكتظت جميعها بعشرات الآلاف من المحتفلين في كرنفالاتٍ مجتمعية شهدت حضور كل ألوان الطيف العراقي المتنوع احتفاءً بذكرى مولد النبي محمد (ص)، فخر الكائنات والبشرية، إذ يتميز احتفال العراقيين بهذه المناسبة عن باقي الشعوب بعادات وتقاليد متوارثة لها طعم فرحة خاصة وثقافة لا تشبه مثيلاتها في أي بلدٍ.
أفراح ليلة المولد
بابتسامةٍ لطيفة تشعر أنها نابعة من القلب لا الشفاه، وثيابٍ ربيعية بهيجة، تقول أم عمر، التي تشارك عائلتها أفراح المولد في ليل الأعظمية، وهي سيدة أربعينية تسكن داراً عند أطراف منطقة راس الحواش:
“ننتظر هذا اليوم بفارغ الصبر، عائلاتنا تستبق يوم المولد بتنظيف المنازل وتهيئتها، يترافق ذلك مع غسل الشوارع وتعليق اللافتات التي تتصدرها عبارة (محمد قدوتنا) وصولاً إلى ليلة الاحتفال بتلك المناسبة، الى جانب تكبيرات المساجد وأصواتها التي تملأ فضاء المدينة تهليلاً وتكبيراً بمولد النبي، إذ تقوم العائلات بتجهيز الطعام وتوزيعه على الجيران، مثل طبخ (الزردة) وحلوى التمر وغيرهما، الاحتفال بتلك المناسبة يعزز الأمان والمحبة والتآخي لدينا باستذكار نبي الرحمة.”
أما المهندس حذيفة حسان الدليمي، الذي جاء برفقة أصدقائه لإحياء مناسبة المولد النبوي في رحاب الشيخ عبد القادر الگيلاني، فقد قال:
“نفتخر –كعراقيين- بأن محمد قدوتنا، وأن صحابة رسول الله أسيادنا، وأن الصحابيات أمهاتنا، الفرح بالمولد النبوي هو استذكار لدلالات السلوك المحمدي وأيضاً هو احتفاء بهيج بولادة النبي القدوة، وطبعاً مفهوم القدوة هنا يتحدد بالتصرفات والتعامل مع الآخرين، والأهم من ذلك كله المراجعة الشاملة للذات، فمن يحب أن يكون الرسول قدوته ويحتفل بمولده، يجب أن تكون أخلاقه كما كانت أخلاق نبينا، فإذا كان المسلم قاطع رحم، فليصل رحمه، واذا كان مؤذياً لجاره فليعتذر منه ويستسمحه، وإذا كان عاقاً لوالديه فعليه بالتوبة والرجوع الى الله.”
وفي مدينة النجف الأشرف كان للاحتفالِ طعم ممزوج بزيارة مرقد أمير المؤمنين لاستذكار الميلاد في روضة الأمير، حيث التقينا المعلم علي عبد الأمير الخزعلي، أحد الزوار القادمين مع عائلته، ذكر لنا شعوره وفرحته بهذا الكرنفال:
“أنا أحرص على حضور وإحياء مناسبات أهل بيت النبي (ص) كافة، سواء الحزينة او السعيدة، وزيارة المولد النبوي تشكل لي بركة وفرحاً لعائلتي، في هذه الزيارة تحديداً نذهب بملابس ملونة ونردد الأناشيد طوال الطريق، وكأننا مدعوون لإحياء فرحة، وهي فعلاً فرحة كبيرة سوف نحرص على إحيائها كل عام، وحينما نصل نتبادل التبريكات والتهاني والتحية مع أصحاب مراقد أهل البيت الكرام، ونهنئهم بميلاد النبي (ص)، وكذلك أجدها فرصة عظيمة توحد العراقيين جميعاً بأطيافهم كافة تحت خيمة المحبة والتسامح.”
النبوة بدلالات كونيَّة
“المنهج الحضاري لشخصية النبي (ص) رؤيته كونية تحتاج الى العمل والتغيير، فقد حدد أزمة الإنسان ما قبل الإسلام، حين كان يعيش الصراعات القبَلية والتخلف الحضاري”..
هذا كان رأي الكاتب التنويري حسين علاوي، مستذكراً الجانب الحضاري لشخصية النبي (ص)، مكملاً:
“العمل بمنهاج النبوة كان يحتاج إلى منهج لترشيد العملية التغييرية، وتعامله مع النفسيات والعقليات والثقافات والمشكلات المطروحة والمجتمع المنهك المفكك عقائدياً وثقافياً وسلوكياً، الذي سمحَ بعبادة الأصنام والأوثان ووأد البنات والرق والعبودية وانتشار الزنا وتسلط العقلية القبلية للأفراد والجماعات، ففي ظل هذا الوضع المتأزم جاء الرسول (ص) ليمارس عمليتي الترشيد والتغيير ويتحرك بوعي لترسيخ معالم النموذج التغييري الحضاري الإسلامي”.
بلاغة التسامح والوحدة
فخامة السيّد رئيس الجمهورية د. برهم صالح شارك العراقيين في الاحتفال المركزي بمناسبة المولد النبوي الشريف بحضوره الى مرقد الإمام أبي حنيفة النعمان (رضي الله عنه) في مدينة الأعظمية ببغداد، مؤكداً بكلمته:
“علينا أن نستحضر الدروس البليغة في التسامح والتعايش من سيرة نبينا محمد (ص)، الذي بنى دولة على اُسسٍ إنسانيةٍ، مُنادياً بالحق والعدل والرحمة والجنوح إلى السلم، وأن الأعظمية والكاظمية هما تَوأَم بغداد، لا يفترقانِ ولا ينفصلان، فقد كان لهما دور بارز في وأد الفتنة، وهما بحقٍ رمزٌ للوحدة والتماسك بين العراقيين، إذ أن بلدنا يعيش لحظة مفصّلية تضعهُ أمام مفترقِ طرق، فإمّا العودة إلى الوراء بنزاعات داخلية واصطفافاتٍ، أو الانطلاق بإرادة موحّدة تَستَوعِب التحديات الجسيمة وتُلَبّي احتياجات المواطنين”.
دروس وعِبر قيّمة
معالي السيّد وزير الداخلية عثمان الغانمي كان أيضاً حاضراً ومهنئاً في الاحتفال المركزي بذكرى المولد النبوي الشريف في جامع الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان (رضي الله عنه) في مدينة الأعظمية ببغداد، الى جانب السيد رئيس الجمهورية الدكتور برهم صالح وعدد من الشخصيات، حيث قدم معاليه التهاني والتبريكات الى جميع المسلمين بهذه الذكرى العطرة، مؤكداً أن “نبي الرحمة محمد (ص) علّم البشرية المحبة والتسامح، ويحق لنا أن نفخر بالرسول الصادق.”
السيد الوزير أكد على “استلهام الدروس والعبر من السيرة الطاهرة لسيد الخلق ومن حياته الزاخرة بالإيمان.” كما جدد السيد الغانمي التهاني والتبريكات بهذه الذكرى المباركة التي أشرق بها وجه أكرم الكائنات الذي اصطفاه الله ليختتم به رسالاتِ السماء فيكتملَ دينه وتتم نعمته.
من جانب آخر، وعلى إثر توافد الزوار الى محافظة النجف، إحياءً لذكرى المولد النبوي في مرقد الإمام علي (ع)، وجّه محافظ النجف، السيد ماجد الوائلي، الدوائر الرسمية كافة بأخذ الإجراءات اللازمة لإحياء ذكرى مولد النبي محمّد من خلال نشر الزينة والبهجة وإقامة الاحتفالات وإيلاء الموضوع أهمية قصوى.
استنفار وجهد خدمي
في جولة له بمدينة الأعظمية.. أعلن أمين بغداد استنفار الجهد الخدمي لتهيئة الأجواء الملائمة للمحتفلين بذكرى المولد النبوي الشريف، إذ أعلن المهندس عمار موسى كاظم عن استنفار الجهد الخدمي لتهيئة الأجواء الملائمة للمواطنين المشاركين في احتفالات ذكرى المولد النبوي الشريف. وذكر بيان للأمانة أن أمين بغداد شارك في الحفل المركزي الذي أقيم في جامع الإمام أبي حنيفة النعمان (رض) بمدينة الأعظمية بحضور رئيس الجمهورية والمجمع الفقهي العراقي ورئيس ديوان الوقف السني ووزير الداخلية وعدد كبير من الشخصيات السياسية والرسمية والدينية وأعضاء السلك الدبلوماسي.
وقد اطلع الأمين في جولة له بشوارع مدينة الأعظمية على استعدادات دائرة بلدية الأعظمية من خلال نشر الجهد الآلي والبشري لتقديم الخدمات الى الحشود الكبيرة المشاركة في إحياء ذكرى المولد النبوي الشريف.
كما أشار البيان الى أن أمين بغداد وجه باستنفار الجهد الخدمي لتهيئة الأجواء الملائمة للمشاركين في احتفالات المولد النبوي في هذه الليلة والأيام المقبلة لغرض استيعاب الأعداد الكبيرة من الزائرين الوافدين الى مدينة الأعظمية، وكذلك الى مرقد الشيخ عبد القادر الكيلاني.
وبين أن أمانة بغداد أنجزت تزيين شوارع مدينة الأعظمية بنشرات الزينة الضوئية، وكذلك زراعة (٢٥) ألف شتلة في الجزرات الوسطية والحدائق العامة وتهيئة الجهدين الآلي والبشري لغسل وتنظيف الشوارع الرئيسة لتهيئتها بالشكل اللائق لكي تستقبل المشاركين في ذكرى إحياء مولد سيد الكائنات محمد (ص).
الموصل تستعيد فرحتها
لافتات فرح وتهاني مودة وتآخٍ تزاحمت على حيطان مدينة الموصل القديمة شمالي البلاد، حيث يعيش سكّان تلك الأحياء الأفراح والبهجة والطقوس الجميلة بذكرى المولد النبوي الشريف، فقد نظمت أمانة البلدية عند ملعب الدواسة -في الجانب الأيمن من الموصل- بالتعاون مع مديرية الوقف السنّي احتفالاً مركزياً كبيراً حضره المئات من المسؤولين والعائلات للاحتفال بذكرى المولد النبوي، علماً بأن الاحتفال هذا العام جاء مختلفاً، إذ شهد مشاركة واسعة من الأهالي فرحة بالمولد، كما جرت، احتفاءً وبهجة بالمناسبة، حفلة ختان جماعي للذكور من أبناء الحي.