لميعة عباس عمارة عيناها ألهمتا السيّاب ووجهها دوّخ جواد سليم..!

120

محمد حسين الطريحي /

تستحوذُ عليكَ بعنفوانٍ باذخ ٍ، وبروح ٍعاليةٍ ممتلئة ٍتدفقاً وحيوية، وحين تنشدُ الشِّعرَ فهي تستنزلُ ربَّاتِ الشِّعر ِوشياطينهِ لتأسركَ بسحرِ كلماتِها ورقَّة صوتِها وتهدّجِه حين تنتقلُ بمشاعرِها إلى عالم ٍلا يدخله غير العشاق. إنها لميعة عباس عمارة.. الراحلة الخالدة.
السَّياب العاشق والمعشوقة المتمرّدة
حين ألقيتُ كلمةَ وزارة ِالثقافة في الحفلِ التكريميّ الذي نظّمه لها المركزُ الثقافي في واشنطن بدأتُها بالبيتِ السَّيابيِّ الشَّهير:

عيناكِ غابتا نخيل ٍساعةَ السَّحَرْ
أو شُرفتانِ راحَ ينأى عنهُما القمرْ
وقلتُ، وهي جالسةٌ أمامي ومتوهجَة بليلة التكريم هذه بعدَ طول ِغياب وإهمال، أتدرون لمن كتبَ بدر شاكر السَّياب هذه القصيدة َالخالدة؟ إنَّها لهذه النخلة العراقية الشَامخة والمتدفقة هوىً وحياةً وشعراً. هنا العراق، اليوم نكرّمها بتتويجها أميرةَ الشِّعر العربيّ دون منازع، ونجدّد الحياة بها ومعها ولها بخلقِ ابتسامةٍ على كل وجه عراقي وعربي، فكل حرف كتبته كان بمشاعرها وأحاسيسها الممتزجة بدمها المتوثب عنفواناً وبهجة ومسرة.
الصحة واختلاف الأديان سحقا الحب
• يقول السياب عاشقاً مصرِّحاً باسمك: عشقتكِ يا لميعةُ والدُّجى ثلجٌ و أمطارُ
– لا تحرِّف الكلمة، يقول “ذكرتكِ” وثمة فرق بين الكلمتين.
• ولكنْ الشّعر لمحٌ تكفي إشارته، والليل والبرد إشارة واضحة لطلب الدفء؟
– كانت علاقتنا قوية بدليل القصائد المتبادلة، ولاسيما من السياب، وقد كنت أكتب بيت شعر فيجيبني بقصيدة كاملة، كان بيننا حوار شعري، وهو حين بدأ يشعر أننا لن نكون لبعضنا، صرخ من أعماقه:
أحبيني لأنَّ جميعَ منْ أحببتُ قبلكِ ما أحبُّوني
• أكان صادقاً في مشاعره؟
– نعم، وأنا أيضاً، ولذلك أحببته:
ستبقى ستبقى شِفاهي ظماءْ
ويبقى بعينيَّ هذا الرَّجاءْ
• إذا كانت علاقتكما جيدة وبلغت درجة العشق، فلماذا رفضتِ الزواج به؟
– لم أرفضهُ، ولكنْ صحتَّه لم تكن تسمح بالزَّواج، واختلاف الدِّين كان يقفُ عائقاً، فهي علاقة غير مكتملة، وأشرت إلى هذا في إحدى قصائدي:
يومَ أحببتكَ أغمَضْتُ عيوني
لمْ تكنْ تعرِفُ ديني
فعرَفنا وافترَقنا دمعتينِ،
عاشقاً متَّ، ولمْ تلمس حدود الأربعين
وأنا واصلتُ أعوامي وواصلتُ تسديدَ ديوني….
• عاشقا متَّ، هذا اعتراف لا يحتاج دليلاً!
– دع الجروح نائمة ولا توقظها.

لميعة في الشعر الفصيح والعامّي
كتبت لميعة الشعر العربي الفصيح فأبدعت وأجادت وأصبحت من أهم الشواعر العربيات حتى قال عنها المستشرق الفرنسي جاك بيرك: “إن شعرها يفيض أنوثة وحرارة وصدقاً.” إضافة لكتابتها شعراً في التحرر وفي بغدادها التي أحبت وعشقت وكانت تتمنى أن تموت فيها، واخترت أبياتها الآتية لأنَّها عزيزة على قلبِها:

بغدادُ تائهةٌ أنَا حَيْرى
منْ بعدِ صدْرِكِ لمْ أجِدْ صَدْرا
حتَّى بأحلامي أدَوِّرُ لا أرى
بيـتـاً لأهلي فيــكِ أو قـبْـرا
لا أمس لا تاريخَ لي فأنَا
ممحوةٌ منْ عـالمي قَـسْــرا
لاجارَ لي كلُّ البيوتِ خلتْ مَنْ ماتَ مقتولاً ومنْ فَرَّا
والشِّعرُ حتَّى الشِّعرُ يُنْكِرُني إنِّي أجاهدُ لا أرى شِعْرا
بغدادُ يا أمّي أجيبي دمعَتي كيْفَ الأمومةُ بُدِّلتْ غَدْرا

وحين تنشد شعراً عامياً فإنها تبدع أيما إبداع يرقى لمصاف شعرها الفصيح، وتعزو ذلك إلى نشأتها في العمارة وتربيتها وسط المجتمع الميساني الذي يتحدث شعراً شعبياً بشكل عفوي، وحين طلبت منها أن تسمعنا أنشدتْ:

بغداد كل الملايين الأهواهم ولا لي عوض
فاركتهم بالرغم فرض ٍعلي انفرض
وما صاحبي بعدهم غير التعب والمرض
والدمعتين بشعري التنام بتالي الليل
خلصت واثاري الخلص بس الحيل
أدري جبيرة الأرِض بس مالي بيها غرض
نام النحبهم تره يا قلق بسّك عاد
بعيد فيّ النخل والغرّبوك بعاد
والهله حدود الوفه يا قلب ما ينراد
دنياك كلها سحر تيه بسماها طير
كطع خيوط الشرك وتعلم من الغير
ليش المحبة وقف الا عله اهل بغداد؟؟
غرفة ملأى بالدّروع
حين كنتُ مذيعاً في قناة ِ(الحرَّة عراق) أتواصلُ معَها هاتفيَّا بين حين وآخر، وكنتُ أحسُّ غربتَها ووحشتَها، ومرة اتصلت بي وقبل التحية قالت: (أبشرَكْ زادونيْ درع) كنتُ أتجاذب الحديث معها عن محبَّة الناس لها أينما تكون فقاطعتني قائلة: ولكنْ ليس بالدروع!! فقلت: ما قصّة الدروع؟ أجابتني بانزعاج: هل تصدِّق حين تأتي لبيتي سأريكَ غرفةً تزدحم بالدّروع وشهادات التقدير، ولا ألوم أحداً فهذه ثقافة اليوم. سألتُها مستفسراً؛ درع؟ ضحكت وردت: هذي لها قصة؛ في كل مرة يزورني أستاذ أو أديب أو مسؤول من العراق أو من السَّفارة يهدونني درعاً أوشهادة، وعلى مر السَّنوات تكدستْ مجاميعُ منها كما تراها أمامَك. قلْ لي بربّك بماذا تنفعني هذهِ الأخشاب والنحاسيّات والمزجّجات مع شكري واعتزازي لمهديها؟ وأنا- وتقولها بمرارة تقطر أسىً- أسكن في دار المسنيّن والعجزة وأتقاضى راتباً من البلديَّة. وفعلاً رأيتُ الغرفةَ تغصُّ بعشراتِ الدّروع التي لا تغني ولا تسمن منْ جوع. فتمتمتُ: لا أدري منْ أينَ جاءتنا ثقافةُ الدّروع. ويا حبَّذا لو استبدلوها بأشياءَ ينتفعُ منها المكرَّمُ في حياتِه.
لذلك اقترحتُ على النحات علاء الصفار أن يعمل نحتاً للإناء النذري السومري لأنه رمز روحاني مهم وطلبت نقش بيتها بماء الذهب:
بغدادُ تائهةٌ أنا حيْرى منْ بعدِ صدركِ لمْ أجدْ صَدْرا
وعند تسليمه لها ابتهجت كثيراً وقالت: الآن وصلني حقي من العراق.
85 عاماً، ولا وقت فراغ
• كيف تقضين وقتكِ وأنتِ وحدكِ هنا؟
– ليس لديَّ أيّ وقتِ فراغٍ فأنا أكتبُ خواطرَ وذكرياتٍ بشكلِ ِمقالاتٍ وقد نشرتُ بعضَها، وقبل أسبوعٍ أنهيتُ دورةً لتعلّم فنِّ النحت ِفهو يستهويني منذ الطفولة.
• وهل أنجزتِ شيئاً في النحت؟
– نعم، عملت نحتاً لرأسي. ونادت حفيدها ليناولها رأسها منحوتا بيدها. فرأيت أن الجبس غير ثابت في جهة شعرها فسألتها عن السبب فقالت: تدري أنني في الخامسة والثمانين ولا يمكنني السيطرة على دقة الأشياء، ولكنني أنجزت تمثالي بيدي.
أخبرتها أن النحات علاء الصفار عمل لها تمثالاً نصفياً هدية منه لها. وفي النيّة أن نهديه إلى جامعة سندييغو في كاليفورنيا التي تدرس فيها حفيدتها.
– شكراً.. شكراً
لميعة بريشةِ جواد سليم
– وأذكر حين سافرَ أستاذنا خالد الجادر لإتمامِ دراسته ِالعليا، خلفه لتدريسِنا الرَّسم في دار المعلمينَ العالية الفنان الكبير جواد سليم، تصَّور أيّ أناسٍ محظوظينَ نحن؟
• كنتِ ذكرتِ قبل قليل أنَّه طلب منك أنْ تكوني موديلاً يرسمهُ هو، وتمثالاً أتمَّ صنعهُ على الطين، وأوصى زميلنا محمد راسم أنْ يصبَّ عليه الجِبس، وأهملهُ محمد حتّى تفطَّر الطين، كيفَ كان صبركِ عليه؟
– أوه… كنتُ أجلس على مضضٍ في المرسم وهو يتابعُ تخطيطهُ على قطعةٍ من الخام الأسمر، وكنت أشاكسهُ أحياناً.
• كيف؟
– أقولُ له مثلاً: اعتنِ يا أستاذ، سيقولونَ هذا هو الفنانُ الذي رسَم الشّاعرة لميعة.
• وماذا كان جوابه؟
– ردَّ علي بهدوئهِ العميقِ المعهود: بلْ سيقولونَ هذه الشَّاعرة التي رسَمها جواد سليم. وصادف في ذلك الوقت عرضَ فيلم (صورة دوريان غراي). وكنتُ قرأتُ الكتابَ الممتع وأنا معجبة بأوسكار وايلد، وخيالهِ، ونقده ِاللاذع الذي يوافقُ هوًى في نفسي، فكنتُ أتمتم قائلة لأستاذي جواد سليم: ليتَ هذه الصّورةَ تشيخ ُعنّي، مثل صورة دوريان غراي. فيردُّ بهدوء مع نظرةِ إعجاب: من يدري؟
• وأين اللوحة الآن؟
– لدي صورتها فقط.
• ألم تطلبيها منه؟
– لا أبداً، وتصور أن جواد سليم يأبى أن يتم الصورة لتبقى مثل السمفونية الناقصة، ويأبى أن يوقع اسمه عليها، ويأبى أن يبيعها وقد دارت في كل المعارض العالمية التي عرض فيها.
• وهل رسم لوحة لطالبة أخرى “موديل” كما حدث معك؟
– لا أبداً، وحدثني يوماً أخوه الأديب الفنان نزار سليم عن تلك الصورة فقال: كان جواد يعلقها في بيته، يشربُ كأساً كلَّ مساء وهو يتطلع إليها… كان يحبك يا لميعة. وأسدل عليَّ نزار بكلماته الأخيرة غيمة سوداء من الحزن.
• ولم الحزن؟
– لأني لم أعرف الناس الذين أحبوني إلا بعد فوات الأوان؟
• وأين اللوحة الآن؟
– تلفن لي جبرا إبراهيم جبرا يوماً يخبرني أن لورنا، أرملة المرحوم جواد قد عزمت على ترك العراق نهائياً، والصورة معها وأشياء أخرى لا تنوي أخذها معها ولا تريد أن تعطيها دون مقابل لأن هذا لا يليق بأعمال الفنان جواد سليم وتقترح أن تدفعي 50 ديناراً ثمناً رمزياً للصورة.
• وهل دفعت المبلغ؟
– في ذلك الوقت لم أكن أملك المبلغ. وصار القرار أن تبقى الصورة مع جبرا، وتابعت حياتي متنقلة بين العواصم.
• وهل شاهدتِ اللوحة مرة أخرى، أو سألت عن مصيرها عند جبرا؟
– نعم، مرة كنت في بيت جبرا على العشاء مع الشاعرة فدوى طوقان، وفجأة أمسك جبرا بيدي ووجّهني إلى جدار عليه لوحة جواد سليم، فإذا بها صورتي التي أدركتها الشيخوخة لأن القماش المخملي الذي رسمت عليه الصورة كان قد أصبح بالياً حتى لتلمح أن موضع القلب من الصورة تمزق وكأن أحداً حاقداً طعنه بحقد وبدا أثر ذلك واضحاً.
• وكيف كان شعورك وانت تتطلعين إلى صورتك القديمة؟
– رأيت أمنيتي تتحقق فهذه الصورة شاخت بدلاً عني بعد ربع قرن.
كانت الشَّاعرة لميعة قد روت لي هذه القصة، وذكرت أنَّها موجودة في مذكراتها (لمعاتٌ منْ لميعة)، وكذلك في كتابِ صديقتها الأستاذة الكبيرة إنعام كجه جي في كتابها (لورنا.. سنواتها مع جواد سليم)، دار الجديد، 1998م.
يا أطرش غني الأعمى!
• شعرك يحمل موسيقى داخلية جميلة فلماذا لم يُغنَّ بعضُ قصائدك؟
– كنت في ضيافة صديق، وكان محمد عبد الوهاب موجوداً وعرَّفه بأني شاعرة مهمة، فطلب مني عبد الوهاب قصيدة ليغنيها، فأعطيته إحدى قصائدي مكتوبة على طريقة الشعراء بسرعة ولم أبدِ اهتماماً بالموضوع، وبعد فترة سألت أحد أصدقاء عبد الوهاب: لماذا لم أسمع قصيدتي مغناة منه؟ أجابني إن نظرعبد الوهاب كان ضعيفاً وحين أعطيته القصيدة كان يودُّ لو قرأتِها له.
• وقصيدتك مع فريد الأطرش لماذا لم يغنِّها؟
– يختلف الموضوع تماماً مع فريد، فقد كان معجباً بقصائدي، وطلب مني مرة قصيدة ليغنيها فأعطيته قصيدتي (الغد الأعمى)، والتقينا بعد أسابيع فمازحته قائلة: هل ما زالت قصيدتي في مرحلة اللحن؟ أجابني: لا أغنيها، فقلت: لماذا؟ وهي قصيدة جميلة؟ قال: تريدين أسمع الجمهور ينادي: يا أطرش غني الأعمى!
• طيب والمطربون المعاصرون، ألم يستهوِ شعرُك أحدَهم؟
– شعري رقيق وأنثوي إلى حد أن يخشاه بعض المطربين. الفنان كاظم السَّاهر اعتذر عن غناء قصائدي وقال: حين أغنّي لك فانّ الجمهور يذكركِ أنتِ لا أنا، فحضوركِ يطغى بقوة في القصيدة.