نزفٌ كربلائيٌ منفرد

164

علاوي كاظم كشيش – لوحة الغلاف للفنان صبيح كلش/

ما الذي يجعل لحظات أو مشاهد من الطفولة ايماضات لا تنطفئ أبداً؟
وما الذي يجعلها تنبض دائبة في الوجدان والعقل والقلب؟ ولماذا مرّت تلك المشاهد على أطفال كثيرين مثلي حينها ولكنهم عبروها أو عبرتهم هي فكبروا وانشغلوا عنها؟ إلا أنا فقد ظلت تلبط وتتنفس غير عابئة بالزمن والعمر، وها أنا اعيشها الآن دافقة بالدهشة والوعي والبصيرة، وكأنها تحدث الآن الآن امامي.
كأن رأس الحسين محمولاً على الرمح، آلمني جداً أن نهاية السنان الفضي منغرسة في العنق الى نهايته، كنت حافياً كالعادة والريح باردة تهب والأرض مجلدة توجع قدمي الصغيرتين الحافيتين، والعويل يعلو وللطم صوت مدوّ.
يدي الصغيرة في راحة أبي، وهي المكان الوحيد الذي فيه حرارة في ذلك اليوم كنت أنظر الى الرأس وأبتسم، ففيه عذوبة وابتسامة خفية، قطعها خيط الدم النازل من مفرق الرأس فالجبهة فالصوب الأيمن من الأنف.
تركت أبي الذي كان صامتاً وسط الجموع، وتحركت من رأس زقاقنا نحو باب صحن الحسين على مبعدة أمتار قليلة، وصرت أمشي الى الوراء أمام حامل الرأس، ولكن وجهي باتجاه الرأس ورأسي مرفوع، تمنيت أن يتكلم معي كما تكلم في الشام، توهمت أن العينين قد نظرتا إليّ من علياء الرمح، تلك النظرة منعتني من البكاء وأبدلته فرحاً بنظرة من هذا الفارس الذي يحبه الله والناس وأبي.
راودني شعوران متناقضان، ففي الشعور الأول كنت أعلم أن هذا الرأس الذي هاج الناس لمنظره لطماً وعويلاً هو رأس الحسين، وأشد ما كان يقبض القلب ويجعلني أبلع ريقي هو صياح النساء المفجع، ولكني في الشعور الآخر، كنت معجباً بعمل الفنان الذي نحت هذا الرأس وأسبغ عليه شعوراً مؤثراً وكنت أعجب بالشعر المنسدل ومفرقه وكيف اختلط لون الدم بسواد الشعر.
وكان صوت الشيخ هادي يرنّ في عظامي، فهو صوت شجيّ مليء بالفقد والوحشة والشجن، وبالرغم من هذا فقد كنت أشم نسائم البطولة والصبر فيه وهي تضرب أضلاعي ببهجة خفية تشعرني بالقوة والصلابة التي في الحسين وفي أبي، خصوصاً كلما نظرت الى عيني أبي الثابتتين على المشهد:
رأت الرمح زينب حين مالا
وعليه رأس الحسين تلالاً (تلألأ)
خاـطـبـتـه لــمّـا رأتـه هلالا
يـا هـلالا لـمّا استتمّ كمالا
كان ذلك الصباح البارد مليئاً بالبطولة والطفولة والنقاء والقوة، كان الرأس وهو ينظر لي وأبي قد أشاعا في وجداني لحظة عظيمة لا توصف شغلتني عن عويل الناس وبكائهم، ومن هناك تعلمت كيف أحتفي بالبطولة، وصرت أدرك أن الناس يشكون من الظلم والقهر ومن غياب الحب والإحساس بكرامة أنفسهم، لذلك يريدون من الحسين وذكره القوة والوقوف بوجه الظلم.
ذلك المشهد، جعلني أشعر بالفخر الكبير، ففي ذلك العمر قبل المدرسة لم أكن أفرق بين أبي والبطل الحسين، عدا أن حبيبه قتل في المعركة باسلاً قوياً، وأبي ظل بعده يعمل ويقف ضد الباطل، يهابه الآخرون على الرغم من طيبته، والذي جعله مثل الحسين في تصوري الطفولي أن أبي لا يبكي في أصعب الظروف مثل الحسين الذي فقد أحبابه في المواجهة وصعد رأسه الرمح باسلاً ينزّ منه الدم الحار، في ذلك الصباح الشتائي البارد، وكم كنت أحدق في عينيه ليسحرني ذلك الاطمئنان والوداعة والشموخ ولم أر دمعة. لهذا زاد حبي وإعجابي بالحسين وأبي، كنت أضجر من نواح الرجال منذ تلك اللحظات التي رفع بها رأس الحسين على الرمح قرب بيتنا في شارع قبلة الحسين في كربلاء.
تلك اللحظة علمتني الحب، وعلمتني ما الحدود بين الفجيعة والانتصار، وقوة الإنسان في المواجهة، وأن النصر حليف الذين يدعمون الأمل البشري، ولا يعرفون للقنوط والجزع سبيلاً. وحياتهم فيها من الفرادة ما لا يحيط به ظلم ظالم. وإن الإبداع والحب والعمل هويتهم حتى الممات.
سلام الله عليك سيدي أبا عبد الله
سلام على أبي. بصدقه وقوة قلبه وطيبته.