نصرٌ معمّدٌ بالـــــــــــــــــــدم الغالي.. انتصار لا يدّعيه إلا طاهر اليد من الدم والمال الحرام

275

ثلاث سنوات عجاف مرّت على هذا الأب الذي كان يعدّد أسماء مدنِه كلّ صباح ثم يتلعثم وهو يريد أن ينطق باسم “الموصل”، لأنّ تلك المدينة المعتّقة اختُطفت منه في ليلةٍ نام فيها الناطور وتخاذل مرابون وانتهازيون وشمتَ أقاربُ وأباعد وظنّ كثيرون أن العراق كما نعرفه انتهتْ حكايته وآن أوان تقاسم ما بقي منه.

قبل اختطاف الموصل وقيام الكيان الممسوخ المسمّى بدولة الخلافة، لم يكن العراق بخير تماماً، لكنّ المشهد الذي اعتلى فيه “الخليفة” المهرّج منبر جامع النوريّ معلناً دولته، كان ذروة الألم الذي تراكم على قلب العراق، وخلاصة المؤامرات التي لم تنقطع منذ الصوت المدوّي لسقوط الصنم في ساحة الفردوس.

كان ضياع الموصل تتويجاً لدرب الآلام الذي سار فيه العراق حاملاً صليبه على ظهره، وتراءى لكثيرين أنّ تلك الطعنة لن ينجوَ منها جسدٌ أُثخن بالجراح حتى لم يعد فيه موضع لجرح آخر.

هل نتحدث عن سياسيين “عراقيين” لم يستطيعوا كبح فرحهم تلك الليلة كأنما كانوا ينتظرون هذه الهِبة التي ستزيد رأسمالهم الرمزي طائفياً أو سياسياً أو لتظهرهم بوصفهم منقذين ومخلّصين؟

أم هل نتحدث عن شركاء في الوطن وجدوا في محنة الوطن ثغرة لمراكمة مكاسب واستيفاء ثأر قديم؟ أم نتحدث عمن رأى في قيام الدولة المسخ فرصة لتحقيق حلمه بتغيير خارطة العراق التي يؤذيه منظرها؟ هل نتحدث عمّن سلّم خيرة شبّان العراق إلى وحوش داعش ليلاقوا مصيرهم المجهول ـ المعلوم في سبايكر؟

لا، لن نقلّب مواجع دفينة كهذه، بل سنستذكر أن جيشاً عراقياً، أسيء له كثيراً، نهض متكئاً على جراحه وقرر استعادة أرضٍ فرّط بها تجّارُ سياسة وصيارفةُ مواقف، وسنستذكر الشرطة الاتحادية التي كانت لها كلمة فصل في تحطيم صنم الخرافة، وسنتذكر بإكبارٍ شباب الحشد الشعبيّ الذين لم يخبِروا القتال من قبلُ لكنهم ـ مدفوعين بغيرتهم العراقية ـ لقّنوا العالم درساً في الوطنية والفداء، وسنتذكر ـ وكيف لنا ان

ننسى ـ الكلمة التي خرجتْ من فم السيّد الكبير السيستاني لتجتمع عليها كلّ القلوب التي تنبض خوفاً على العراق.
ثلاث سنوات تخلّى فيها العراق، طائعاً، عن أغلى مقتنياته، عن شبّان رائعين غصّت بهم مقبرة النجف، ونقشوا أسماءهم عميقاً في قلوبنا وفي تأريخ العراق. هؤلاء وحدهم هم من رسموا بدمائهم خارطة العراق من جديدٍ بعد أن أراد اللصوص أن يبدلوها بخارطة مسخ تلائم مقاسات خيانتهم.

إذا كان للمخلّص من اسم فهو هذا الاسم الجامع المانع الذي يضمّ شهداء العراق وجرحاه والذين صمدوا أمام عين الذئب ليعيدوا لنا الكرامة.
نعم، نحفظ لقيادة القوات المسلحة حقّها كاملاً غير منقوص مما تستحقّ من التبجيل، وللقادة الميدانيين ـ وبعضهم أصبحوا رموزاً في ضمائر الناس عن جدارة ـ فلولاهم لم نكن لننعم بفرحة هذا النصر الذي أتى ممزوجاً بدم أبنائنا.

لكنّ هذا النصر المعمّد بالدم غالٍ، بل مقدّس، ولذا فعلينا جميعاً واجبُ حفظه بعيداً عن مضاربات الصيارفة من الساسة ونهّازي الفرص.
نصر العراق هذا لا يقربه ولا يدّعيه إلا من طهرت يداه من دم العراقيين ومالهم!