هل تستحق قطر استضافة كأس العالم؟

210

مجلة الشبكة /

بعد فوز قطر باستضافة مونديال 2022 ظهرت أكبر حملة تشويه ممنهجة من قبل الإعلام على استضافة قطر، وبدأت حرب السلطة الرابعة ضدها، مع قليل جداً ممن ساندها بفوزها.
لكن، هل تستحق قطر استضافة كأس العالم؟
أعلن الفيفا بقيادة بلاتر عام 2010 عن فوز قطر باستضافة مونديال 2022، حينها ظهرت الآراء التالية:
الجو حار، قطر لا تمتلك بنية رياضية، النظام السياسي في قطر، منتخب قطر رياضياً سيئ، قطر قامت “برشوة” الفيفا. ولكن.. هل كانت قطر تستحق كل تلك الانتقادات؟
بكل تأكيد فإن في كل دولة بالعالم هناك سلبيات، ولا يمكن إخفاء تلك السلبيات. كمثال استضافت إيطاليا مونديال 1934 رغم وجود نظام موسوليني الفاشي، بينما شاركت ألمانيا النازية في مونديال 1938. كما لا يمكن نسيان أن إنكلترا حين استضافت كأس العالم 1966 كانت في ذات الوقت تحتل أجزاء كبيرة من الخليج العربي، ومنها قطر التي استمرت لسنوات طوال وهي تكافح لنيل حريتها، بينما استضافت الأرجنتين مونديال 1978 رغم التقارير التي تشير إلى قمع الآراء السياسية في البلاد. وكما تحدث (ماوريسيو بوريرو)، وهو المختص في التاريخ الرياضي، بأنه كان هناك سجن لتعذيب المعتقلين السياسيين قريب من ملعب المباراة النهائية في الأرجنتين بمشهد لا يمكن نسيانه. كما لا يمكن نسيان ماذا حدث قبل مونديال أميركا 1994، ففي عام
شاهدنا ماذا حصل في قضية (رودني كينغ) وأعمال الشغب التي اندلعت بسبب تبرئة ضباط الشرطة الذي استخدموا العنف الزائد ضد رودني، لتندلع حرب وصل عديد الضحايا فيها إلى 55 شخصاً وأكثر من 2300 جريح، وقد كانت حرب شوارع عرقية ضد الأفارقة واللاتينيين في أميركا.
بينما استضافت فرنسا مونديال 1998 رغم تاريخها الإستعماري الضخم، وكمثال، لا يتذكر الكثير أن فرنسا هي ذاتها من حاربت منتخب FLN الجزائري، وهو منتخب تأسس عام 1958 ليكون منصة رياضية للثورة الجزائرية ضد استعمار فرنسا للجزائر، وانتقد المنتخب كثيراً من قبل وسائل إعلامية، والنهاية هي عقوبات الفيفا على أي منتخب كان سيلعب ضد منتخب FLN الجزائري.
كذلك في مونديال 2014 حين جرى هدم منازل الأحياء العشوائية وتشريد الكثير في البرازيل بسبب المونديال.
واستضافت روسيا مونديال 2018 رغم إعلانها بشكل صريح وواضح بأنها ضد المثليين في حالة مشابهة جداً لقطر، لكن الفرق هو معاملة الإعلام ما بين قطر وروسيا في ذلك الوقت.
الفكرة هي أن الإعلام لم يفكر أبداً بانتقاد تلك الدول، أو من الممكن القول بشكل أصح إن كم الانتقادات لتلك الدول في ذلك الوقت لا يقارن أبداً بالانتقادات لقطر.
حين اختار الفيفا قطر، كان الاختيار مشابهاً جداً لما حدث في مونديال 1994 حين اختار الفيفا أميركا على حساب المغرب، تحدث وزير الرياضة المغربي في ذلك الوقت (عبد اللطيف السملالي) الى مسؤولي الفيفا بأن المغرب بحاجة الى كأس العالم لفهم الثقافة الإسلامية أكثر، وبأن أميركا ليست في حاجة الى كأس العالم لأن العالم يدرك تماماً الثقافة الأميركية لكن في النهاية فازت أميركا.
تكررت ذات الرواية حين تواجهت أميركا وقطر، لكن الفيفا هذه المرة كان واضحاً، قطر هي من ستفوز باستضافة المونديال، الوطن العربي الذي يضم أكثر من 430 مليون نسمة في حاجة الى دولة تمثله لاستضافة المونديال، العالم في حاجة للانفتاح على الثقافتين الإسلامية والعربية، في حاجة الى نظرة مختلفة عنا جميعاً، ولا يمكن أن يكون هناك ممثل عن العرب أفضل من قطر حالياً.
وحتى قطر، كدولة رياضياً، فهي من أفضل الدول في العالم بموضوع التطور الرياضي، كمثال لا يمكن أبداً إنكار تطور الكرة هناك منذ نهاية الثمانينيات، إذ استضافت قطر بطولة كأس آسيا لكرة القدم لأول مرة عام 1988، وفي أولمبياد 1992وصلت قطر الى ربع النهائي بقيادة (ماسيدو) وخسرت في (الكامب نو) ضد بولندا، بينما فازت بكأس الخليج في ذات السنة، ثم استضافت كأس العالم تحت 20 سنة عام 1995، حين لعبت البرازيل والأرجنتين في النهائي ببطولة شهدت نجوماً كثراً مثل راؤول وسالغادو وسورين ونونو غوميز وناكاتا. ولا يمكن نسيان تطور الدوري القطري وسياسة استقطاب نجوم العالم في نهاية مسيرتهم ومحاولة الاستفادة منهم قدر الإمكان، وأيضاً أكاديمية (آسباير) التي افتتحت عام 2004 وكان لها تأثيرها في لقب نسخة 2014 من بطولة كأس أمم آسيا لكرة القدم تحت 19 عاماً، إذ شارك عدة لاعبين من منتخب قطر الذي حضروا في تلك الأكاديمية، وفوز المنتخب بكأس آسيا عام 2019 حين تصدر مجموعته على حساب السعودية، ثم فاز بدور الستة عشر على العراق، ثم الفوز على كوريا الجنوبية والفوز برباعية على حساب الإمارات، وفي النهاية الفوز على عملاق آسيا اليابان بثلاثية، بطولة استحقتها قطر منذ بدايتها، فقد فازت في كل المباريات واستقبلت هدفاً واحداً فقط من اليابان في النهائي، وكانت تمتلك أقوى خط هجوم في البطولة.
وحتى في المجال الرياضي المرئي، فقد تطورت قطر كثيراً وأصبحت من بين الأفضل في العالم بشبكة Bein التي تقوم بتغطية كأس العالم بطريقة لم يسبق لها مثيل.
أيضاً أظهر العرب أنهم أذكياء إدارياً، كمثال، لا يمكن أبداً إنكار قوة مانشستر سيتي حين قامت الإمارات بشراء النادي، بينما استطاع نيوكاسل التحول الى واحد من أصعب المنافسين في إنكلترا بعد شراء السعودية له، وتحول باريس سان جيرمان الى واحد من كبار أوروبا بعد شراء قطر للنادي، ولتزداد المنافسة حول العالم والفكرة بأنه دائماً كان يُشار الى الأندية المملوكة من العرب، ولم يكن الحديث على أن اليونايتد مثلاً مدعوم من إدارة أميركية، أو تشيلسي حين كان مدعوماً بأموال من روسيا، ثم بأموال من أميركا، وحتى أصبحنا نرى لاعبين عرب على مستوى عال جداً مثل محمد صلاح، الذي مازال من أكثر الرياضين قيمة تسويقية في العالم، ورياض محرز مع السيتي، وأسماء عربية كثيرة، وبدون نسيان شخصيات عربية بارزة أسهمت في تطور كرة القدم مثل محمد بن همام.
كذلك نظام الكفيل الذي جرى انتقاده إعلامياً لمهاجمة قطر، لو قررت تلك التقارير دراسة الفكرة أكثر لاكتشفت أن ذلك النظام توارثته دول الخليج من بريطانيا التي أسست هذا النظام.
حتى أنه كانت هناك انتقادات لقطر بسبب عدم السماح بشرب الكحول في الملاعب، ومحاولة ربط تلك الفكرة مع فكرة طبيعة البلاد الإسلامية، رغم أن قطر كانت واضحة في أن حظر المشاريب فقط في الملاعب ومحيطها، وهناك أماكن مخصصة للشرب، والفكرة بأن دول مثل البرتغال وإسبانيا قد منعت المشاريب الكحولية في الملاعب ومحيطها لمنع حالات الشغب والعنصرية، حتى إنفانتينو علق على الموضوع قائلًا إن هناك دولاً كثيرة مثل قطر لم يتم انتقادها.
قطر كانت واضحة، هناك أماكن معينة للشرب، وأنها تريد حماية الأشخاص الذي لا يشربون الكحول خوفاً من حالات الشغب، كما حدث في الكثير من البطولات الأخيرة.
في النهاية، كما قلت سابقاً، فإن الوطن العربي يستحق استضافة المونديال، وقطر تستحق أن تكون واجهة الوطن العربي، قطر التي قامت ببناء ملاعب تعد من الأفضل في العالم، ووعدت بالتبرع للدول النامية لتطوير كرة القدم عبر العالم، قطر قامت بعملية تحديث شاملة للبلاد من أجل هذه الكأس، ووضعت خطة شاملة لإراحة المشجعين، لكي يكون مونديال قطر هو الأفضل في التاريخ، ولتعلن قطر نفسها وجهاً للثقافة العربية، وأن بطولة كأس العالم يجب أن تكون فعلاً لكل العالم وليست لدول معينة أو لمعايير دول معينة.
الشرق الأوسط يستحق تلك الفرصة، ليقول للعالم بأننا هنا.