هند كامل ” لـ (الشبكة): مثاليتي جعلتني اتنازل عن “عالم الست وهيبة” و”هستيريا”!

425

#خليك_بالبيت

أحمد سميسم /

فنانة استثنائية تمتلك أسرار الأداء، نجمة عراقية من الزمن الذهبي للدراما العربية، فهي سيدة الشاشة العراقية بلا منازع مكتنزة الذات بثقافة أكاديمية واحترافية عالية، تربّت وسط أسرة محبّة للفن والأدب؛ فوالدتها الفنانة القديرة فوزية الشندي ووالدها مصور فوتوغرافي محترف وزوجها المخرج العراقي الكبير فيصل الياسري وأيضاً أختها الفنانة المبدعة هديل كامل.
ابتدأت الفن كممثلة إذاعية وعمرها لا يتجاوز 16 سنة، استطاعت أن تكون نجمة مضيئة وعلامة فارقة في التلفزيون العراقي والعربي منذ انطلاقتها في ثمانينيات القرن الماضي، فعملت في الدراما الكويتية والخليجية ولعل أبرزها المسلسل الكويتي (زوجة بالكومبيوتر) مع حياة الفهد وغانم الصالح عام 1985، كما حازت على جائزة أفضل ممثلة في مهرجان تلفزيون الخليج عام 1982 عن دورها في التمثيلية التلفزيونية “رائحة القهوة”،عادت إلى العراق مؤخرا لتستقر فيه بعد رحلة مضنية بين مختلف الدول العربية والأوربية ليكون بانتظارها جمهورها المتشوق لرؤيتها و بعض الأعمال الفنية المقترحة لها.
الفنانة القديرة النجمة “هند كامل” حلّت ضيفة عزيزة على “مجلة الشبكة العراقية” استطلعنا شريط ذكرياتها وأعمالها الفنية الخالدة عبر هذا الحوار المهم:
* بداية كيف تصفين شعورك وأنت في بلدك العراق بعد غياب طويل وهل قرّرت الاستقرار في بغداد؟
– شعور جميل لا يوصف أن أكون وسط بلدي الحبيب رغم أني لست منقطعة عن بغداد، ما زال بيتي موجوداً وكل أشيائي هنا، الآن عدت إلى بغداد بعد أن أوصلت ابني الوحيد (ديار) إلى بر الأمان وأصبح يقود حياته بنفسه وأكمل دراسته، لذا أصبح وجودي خارج العراق ليست له ضرورة فعدت إلى حبيبتي بغداد لأرتّب وضعي من جديد وأعيد النظارة إلى بيتي الذي كان متروكاً.
* كانت لك إقامة في كثير من العواصم والدول لندن وفيينا والقاهرة والكويت وسوريا، هذا التجوال عبر السنين ماذا يعني لك وما اكتسبت منه؟
– هذا التجوال كما وصفته منحني المعرفة والمرونة وأنّ الإنسان مهما اتّسعت مداركه كلما اكتشف أنّه ما يزال لم يعرف شيئاً عن هذه الدنيا، كما أن هناك أشياء كانت كبيرة الحجم في ذهني أخذت حجمها الطبيعي عبر تجوالي في مختلف الدول والتعرف على الثقافات المختلفة، فضلا عن اكتسابي زيادة في التحضر والسلوك والتفكير وطريقة التعامل في احترام الآخر، كما منحني التجوال تعلُّم لغات العالم، فأجيد اللغة الإنكليزية كتابة وقراءة واللغة الألمانية أستطيع أن أقرأها لكن ليس بمستوى الإنكليزية.
* ماذا تكنز ذاكرتك لمنطقة الطفولة الأولى في حياتك في حي الجامعة ببغداد؟
– لا أعرف كيف سأقول لك! حي الجامعة طفولتي الأولى وذاكرتي البغدادية الحقيقية، كل شيء جميل هناك، الحياة رائقة والبيوتات كبيرة تحيطها الحدائق المترعة بالزهور المتنوعة والجيران الرائعين، والأبواب المفتوحة غير المقفلة والسير بالأمان والسلوك المهذّب والرحلات المدرسية، يا الله كم جميلة تلك الأيام التي ما زالت راسخة في ذاكرتي.
* هل كانت لك زيارة إلى منطقتك حي الجامعة مؤخرا؟
– لم أزرها حتى الان ولم أغادر بيتي الا إذا كان لدي لقاء تلفزيوني لذا لم أشاهد من بغداد شيئاً، الا من خلال نافذة السيارة فقط، وأيضا لم يزرني أحد او قمت بزيارة الفنانين الأصدقاء بسبب ورشة العمل في البيت، الوحيد من زارني في بيتي هو حضرتك لغرض إجراء هذا الحوار لمجلة الشبكة العزيزة.
* كانت آخر أعمالك السينمائية في الفيلم الوثائقي (بغداد حلم وردي) عام 2013 من إخراج الفنان فيصل الياسري، وللكاتبة الروائية العراقية ميسلون هادي، يقال إن الفيلم جوبه برفض عرضه في بغداد منذ البداية لماذا؟
– غير صحيح، الفيلم لم يواجه برفض عرضه في بغداد، ما حصل كان من المفترض أن يعرض في احتفالية ذكرى تأسيس السينما والمسرح وفعلا تم عرضه في المسرح الوطني بحضور جمهور كبير ووسائل إعلامية مختلفة غطت العرض، لكن في اللحظات الأخيرة كان هناك اعتراض على الفيلم كونه يتحدّث عن صدام حسين بلقطة واحدة تتضمن معلومة تأريخية لا تتجاوز ثانيتين فقط! لذا قطعنا هذه اللقطة من الفيلم نهائيا وعرض بمحافل ثقافية أخرى.
* لو افترضنا أن والدتك الفنانة القديرة فوزية الشندي لم تكن في حياتك، هل سنرى الفنانة هند كامل في مجال آخر غير الفن؟
– لولا والدتي الفنانة فوزية الشندي لما كنت فنانة، لأنّ الفن لم يكن قراري الذي اتخذته في حياتي بل أصبح تحصيل حاصل كوني كنت أرافق والدتي منذ طفولتي عندما كانت طالبة في معهد الفنون الجميلة، وأشاهد العروض المسرحية والبروفات التي تجري على خشبة المسرح، لذا نشأت في هذه الأجواء الفنية، ومن ثم في عمر 12 سنة بدأت التمثيل في مجال الإذاعة وبعدها انتقلت إلى التلفزيون كان بتشجيع ودعم والداتي، وربما لو لم اسلك طريق الفن لكنت رسامة.
* من يتتبع مسيرتك الفنية يجد أنّك بعيدة عن عالم المسرح لماذا؟
– هذا صحيح مسيرتي الفنية بعيدة عن المسرح كون عملي التلفزيوني والسينمائي سرقني من عالم المسرح، على الرغم من أنّي عملت في المسرح ضمن الحيز الأكاديمي عندما كنت طالبة في الفنون المسرحية وكنت حينها نجمة تلفزيونية ومسرحية، وبصراحة أنا أعشق العمل مع الكاميرا أكثر من المسرح.
* هل أنت متعطشة للعودة بعمل درامي عراقي جديد؟
– لا أخفيك سراً لدي شوق للعمل الدرامي ولكن ليس بأي ثمن! بمعنى لو عرض عليّ عمل تلفزيوني لا يقدّم لي نفس المعادلة التي أستطيع أن أرى بها نفسي كممثلة تستطيع أن تقدّم وقادرة على التغيير فأنا مع هذا العمل، لكن لو كان العمل بعيداً عن تصوراتي او بعيداً عن تأدية خدمة مجتمعية فلا يغريني هذا الموضوع مطلقا، الان لديَّ عروض فنية تلفزيونية لكن لم أقرأها حتى هذه اللحظة.
* لديّ معلومة بأنّ لديك عادة يومية بحرق البخور في المنزل، هل هذا صحيح؟
– هذا صحيح، وتكمل بابتسامة… أزاول هذه العادة لكن ليس بشكل يومي، لأنّي أحبّ العطور جدّاً وتوّاقة للنظافة، سواء كانت في البيت او في العمل اليومي.
* من يلفت انتباهك من الفنانات العراقيات؟
– هناك وجوه جديدة من الفنانات العراقيات لديهن إمكانيات رائعة لكن لا تحضرني أسماؤهن.
* حزت على جائزة أفضل ممثلة في مهرجان تلفزيون الخليج في الكويت عام 1982 عن دورك في بطولة التمثيلية التلفزيونية “رائحة القهوة”، ماذا تستذكرين من تلك الجائزة؟ يقال إن العراقيين كانوا يتسمّرون أمام شاشة التلفاز من أجل رؤيتك بشغف؟
– عندما منحوني هذه الجائزة كنت غير موجودة من ضمن الوفد الفني العراقي لأسباب لا اتذكرها الآن، الجائزة تعني لي بقيمتها المؤثرة وكأنّها تقول: أنت كنت جيدة شكرا لك، هكذا أفسّرها أنا، لكن تبقى جائزتي الحقيقية والأكبر هي محبّة الناس لي وتأثيري فيهم، فضلا عن أنّي حصلت على جائزة الدولة كأفضل ممثلة عام 1997.
* لعبت أدواراً مهمة في الدراما الخليجية في نهاية الثمانينيات، لو قُدّم لكِ عرضٌ الآن للعمل في مسلسل خليجي؛ هل ستوافقين أم هناك شروط معينة؟
– أنا لا أضع الشروط، لكن شرطي الوحيد هو جودة العمل، نعم قُدِّم لي عرضان خليجيان مؤخرا ولم اشترك بهما بسبب توقّف الإنتاج في تلك الأعمال.
* أرى أنّ دورك في مسلسل (الباب الشرقي) من إنتاج قناة الشرقية بشخصية (سمر) لم يكن بمستوى إمكانيات هند كامل هل تؤيدين ذلك؟
– نعم اتفق معك بهذا الطرح، مسلسل الباب الشرقي عمل مهم وجميل، لكنّ الظروف التي رافقته فيها كثير من العراقيل من الناحية الفنية، وأيضا كانت القيادة الفنية للمسلسل قيادة ضعيفة فبالنتيجة أثّر ذلك على دوري في المسلسل.
* لو أردنا أن نقارن بين الدراما العراقية في حقبتي الثمانينيات والتسعينيات وبين ما يُقدّم الآن من أعمال درامية متنوعة، برأيك ماذا ستكون المعطيات؟
– برغم وجود فسحة من الحرية دون قيود في الأعمال الفنية اليوم وامتلاك بيئة العراق قصصاً كثيرة يمكن أن تصلح للأعمال التلفزيونية الا أنّنا نجد استسهالاً وعدم احترام للجمهور والتّمسّك بقوالب خارج سياقات الزمن في الاعمال الفنية؛ أدى إلى انعدام الرؤية، ما جعل الدراما العراقية متّهمة بالسطحية والجاهزية، وإلا ما الداعي إلى ظهور شخصيات في الأعمال الفنية بعيدة عن الواقع لا نراها الا في التلفزيون فقط هذا غير معقول!!
* كيف رأيت الدراما العراقية في رمضان 2020؟
– لم أشاهد أي عمل عراقي أو عربي بسبب انشغالي في ترميم البيت.
* ماذا اكتسبت من فيصل الياسري وما الذي اكتسبه منك؟
– سؤال صعب، بعد هذه السنوات الطويلة التي عشتها مع فيصل الياسري اختلطت أوراقي بأوراقه، لكن ممكن أن أقول ما اكتسبه مني هو هدوء طباعي وتأملي في الأشياء، وهناك تشابه بيننا في كثير من الأمور وبالمقابل أيضا نختلف في قضايا أخرى.
* برأيك ما الذي ينقص الممثل العراقي ليكون بمكانة وتأثير الفنان العربي؟
– الفنان العراقي ينقصه التواضع والخبرة الكثيرة والعمل على النفس والعقل والذائقة والجسد وأن يكون ضمن المنظومة العربية الفنية، وهذا كلّه ليس من واجب الفنان فحسب بل المؤسسات والمنتجون والمنظومة التي تحيط بالممثل، لأنّ الممثل لا يستطيع أن يقدّم كل هذه النقاط التي ذكرتها لوحده ومطلوب منه أن يكون رقم واحد في ذات الوقت ضمن الساحة الفنية، هذا غير ممكن، وهناك موضوع يجب أن نستوعبه، إنّه سيتم الاستغناء عن الممثل في القرن المقبل!! هذه نبوءة ستتحقّق لاحقا، وأنا مسؤولة عن كلامي في ظل التطور التكنولوجي والاختراعات وسيكون هناك بدائل الكترونية تذهل العالم بنتاجاتها المتطورة.
* هل أنت راضية عما حققتِ أم إن هناك مشاريع لم تتحقّق بعد؟
– كان من الممكن أن أحقّق أكثر مما حققته ووصلت اليه الآن لكن ظروف حياتي الزمتني بواجبات ومسؤوليات كانت أهم من متابعة طموحي وتحقيق أحلامي الشخصية، لذا آثرت أن أكون أمّاً أولى على أن أكون الأولى في تحقيق أحلامي.
* من تريد أن تسلك طريق التمثيل اليوم، ماذا ستقولين لها؟
– أقول لها يجب أن يكون لديها جرعة الشعور بالمسؤولية بما تقدّمه، وأن تنظر للصورة البعيدة، وأن تدرك أن الفن أعلى صيغ الحياة من حيث النقاء والتأثير، الفن قضية مؤثرة في المجتمع ويقود إلى التغيير، فعلى الفنانة أن تتسلّح بالمعرفة والثقافة والتدريب ولا أذكر الموهبة لأنّ من البديهي أن يكون الفنان لديه موهبة، وأيضا أقول للفنانات لا يشغلهن هوس النجومية، لأنّ الوصول إلى النجومية والشهرة أصبح سهلا في زمن وجود وسائل التواصل الاجتماعي المتاحة، فالمعايير ضاعت للأسف، بحيث أصبح يقاس نجاح الفنان أو أي شخص بعدد متابعيه في مواقع التواصل الاجتماعي!!! هذه معايير ساذجة وغير واقعية.
* ما الشيء الذي يؤرّقك؟
– بصراحة مستقبل العراق يؤرقني كثيرا، ومستقبلنا نحن جميعا مع العراق تأريخنا وحاضرنا.
* هل ندمت على شيء ما؟
– سأتحدّث عن معلومة لأول مرّة أقولها، ندمت على “مثاليتي” الزائدة التي اتبعتها سابقا في عملي الفني، فمثلاً مثاليتي جعلتني اتنازل عن عملين ساطعين هما مسلسل (عالم ست وهيبة) ومسلسل (هستيريا)، كان من المفترض أن ألعب دور البطولة فيهما فرشحت الفنانة القديرة فوزية عارف بدور (ست وهيبة) بدلاً عني، كذلك تم اختيار الفنانة تمارة محمود من قبل المخرج في مسلسل هستيريا بدور (غسق) أيضا بدلاً مني، لو أنّي قمت بتأدية هاتين الشخصيتين لحصدت النجاح، رغم أنّي سعيدة بالنجاح الذي تحقق من قبل الفنانتين العزيزتين.
* متى سينجز كتاب مذكراتك الذي أسميته (مسافر زاده الخيال)؟
– كتاب مذكراتي الآن في مرحلة التنقيح اللغوي الأخيرة ومن ثم سيطبع إن شاء الله، الكتاب تناول سيرتي المهنية وحياتي الشخصية واستغرقت في إعداده ثلاث سنوات وسيرى النور قريبا.
* أخيرا كيف رأيت الحوار؟
– سعدت كثيرا بهذا الحوار الذي كشف عن جوانب كثيرة لم اتطرق لها من قبل، شكرا لمجلة الشبكة لتشريفها لي في بيتي لإجراء هذا الحوار غير التقليدي.