“أم محمد”.. صورة كفاح مطرزة بنقوش الأمل

350

اية منصور /

لم تجد أم محمد، السيدة التربوية التي كرست حياتها لتعليم النساء الأميات، نفسها، بغير مساعدتهن بطرقها المتنوعة. أم محمد، المعلمة التي قضت حياتها متنقلة بين مدارس محو الأمية في قضاء الخضر/ السماوة.
ابتدعت فكرة أخرى لمعاونة النساء اللواتي يصادفنها أثناء عملها اليومي، من خلال إعادة صناعة التراث ومحاكاته بما يحافظ على أصالته وإدامة التواصل مع الخزين الموروثي.
العودة إلى التراث
السيدة “التفات” أو ” أم محمد”، كما تود أن يطلق عليها، عملت على إعادة ترميم صناعة الأُزر(أغطية بنقوش تراثية)، والبُسط والتراثيات بطريقة يدوية محلية دون العودة أو الرجوع إلى البضاعة المستوردة التي قضت على ماتبقى من صناعاتنا المحلية، بينت لنا:
– إن جميع هذه الأعمال اليدوية، ومن ضمنها الإزار، تدعى بمد الركم، وهي صناعات يدوية تراثية تمثل الطابع الاجتماعي الجنوبي لدى العراقيين، ورمز للحضارة السومرية، لكن هذه المهنة بدأت بالانقراض، ولم يفكر أحد بإعادتها.

الجارة هي المعلمة الأولى
أم محمد فكرت بهذا الأمر، خشية عليه من الاندثار أو الاختفاء بعد سنين عدة، فما كان لها إلا أن ترمِّم روحها المتعلقة بالماضي، وتعود لحياكة البسط مسترجعة ذكرياتها لنا مع تأريخ البسط التراثية:
– تعلمت حياكة البسط والأُزر عن طريق جاراتنا، اللواتي كن يجتمعن معاً عند منزل إحداهن في كل يوم، ويعملن بصبغ وغزل الخيوط وحياكتها، وشيئاً فشيئاً عن طريق النظر إليهن، تمكنت من تعلم المهنة وإجادتها بمهارة.
وزَّعت أم محمد، في بادئ الأمر، مهاراتها وخبراتها على جاراتها من خلال مساعدتهن مجاناً لإتقان المهنة، ثم استمرت بها لنفسها ومنزلها فقط، ةلاسيما بعد انحسار الاقتصاد العراقي بعد عام 1991 وتدهور هذه الصناعة اليدوية كلياً، تستكمل حديثها بالقول:
– لم يتبق من هذه المهنة سوى متجر أومتجرين لا أكثر في كل مدينة، وهذا الأمر يعد كارثياً، واستوقفني كثيراً فحاولت بإصرار أن نعيد لهذه الصناعة مكانتها التي يجب أن تكون عليه، واستطعت ذلك من خلال مشاهداتي للنساء اللواتي أقوم بتدريسهن في محو الأمية، اكتشفت حاجة الكثير منهن للمال. فبدأت المهمة الحقيقية من مبرر العوز عند الكثيرات!
من الإمية نحو الإزار
“أم محمد” تعمل كرئيسة لجمعية (خولة بنت الأزور) النسوية، وهذا ما يجعلها دائماً على احتكاك مباشر بالنساء، فما كان لها إلا أن تحاول مع جمع النسوة المتعففات، الأرامل والمطلقات، والمعيلات لأطفالهن، وإدخالهن في العديد من الدورات لتعلم الخياطة والحياكة وصناعة البسط اليدوية.
وبينت “أم محمد”: في قريتنا العديد من النساء الشجاعات القادرات على التعلم، لكنهن يفتقدن للمهارة والحافز المعنوي، لذا جمعت في بادئ الأمر ما يقارب العشرين سيدة، وبدأنا بنقاشاتنا عن إعادة إحياء التراث، وباشرنا بتوزيع المهام عليهن.
خلية نحل
سيدة تغزل الصوف، وأخرى تصبغ، وواحدة تحوك، ورابعة تباشر بالعمل الجماعي، هكذا مثل خلية نحل دؤوبة، باشرت النساء مع أم محمد في منزلها بجد وحافز كبيرين، وترى أم محمد أن روح العمل الجماعية مكنتهن من إتقان أدوارهن بسرعة فائقة والنجاح فيها.
مضيفة : العمل اليدوي مثل دورة الحياة، كل سيدة منا عرفت موقعها وعملت فيه بحرص كبير، في البدء نشتري الصوف، وتقوم بعض النسوة بتنظيفه، بعدها مرحلة غسله وغزله بالمغزل الخشبي، ثم صنع كرات منه لصنع الخيوط “الوشيعة” لصبغه وتحديد الألوان لكل كرة.
(كلا) كبيرة للاستيراد
هكذا يكون كل شيء من خيرات البلد، منذ الصفر حتى آخر لحظة في عمل الإزار، بمواد عراقية محلية دون استيراد. هكذا تعمل أم محمد في منزلها مع النسوة.
ولم تبقَ أم محمد وحيدة في هذا الماراثون اليدوي، هذه السيدة والأم لسبعة أبناء جميعهم يعملون في السلك التربوي، لاقت تشجيعاً ودعماً كبيرين من زوجها وأبنائها في هذه القصة، تؤكد لنا:
-في بادئ الأمر اعترض زوجي على العمل الشديد والمنهك، بسبب صحتي، لكنه اليوم يحضر معي لشراء الصوف والألوان ويقترح معنا اختيار النقشات.
حضور الإرث السومري
ومن أهم النقشات المستخدمة عند أم محمد والعاملات معها، النقشات السومرية، والتراثية، التي تتم إعادتها من قبلهن، وأكثرها استخداماً ” نقش الركمة”، “جف صبيحة”، “البامية”، “العكافي”، و “الحيوانات”، فضلاً عن الرموز السومرية القديمة.
موضحة أنه: يجري نقاش بشكل يومي ومستمر بيننا، حول اختيار النقشات والألوان المقررة، ولكل عاملة ذوقها الخاص.
70 قصة للقوة
يبلغ عدد النساء العاملات اليوم مع أم محمد أكثر من سبعين سيدة من المتعففات، تمكنَّ ولو بشكل بسيط من إعانة عوائلهن عن طريق أيديهن المتخمة بالقوة. تصف لنا أم محمد الروح الجبارة التي يتسِمن بها بالقول:
– لم أجد أي تخاذل أو تهاون منهن، يعملن لساعات طوال ويضحكن سوية ويتناقلن أخبارهن وأوجاعهن بحب. أنا سعيدة بهن.
عمل مباشر
حصلت أم محمد على العديد من الفرص الجيدة، والمؤازرة لمشروعها، وذلك من خلال المشاركة المستمرة في أغلب المعارض التي تقام في محافظات العراق، والسفارات والمعارض المقامة فيها، حتى تمكنت من إنشاء جمعية “المستقبل” الفلاحية، والتي تعنى بتوسيع وتطوير عمل الأُزر في العراق مؤكدة: -لا أزور المحافظات لوحدي، في كل مرة يأتي معي عدد من العاملات، وبعضهن يقمن بالحياكة والخياطة بصورة مباشرة أمام الناس، ليتمكنوا من معرفة جهودنا بصورة حقيقية.
الحب والطموح
كما تمكنت أم محمد من الضغط على العديد من المنظمات والجهات الحكومية لتوفير سكن ملائم لهن، حتى تمكنت من الحصول على دعم من البنك المركزي العراقي لبناء مركز كبير يؤوي العاملات وأدوات العمل الخاصة بهن مبينة : -أصبح المكان متوفراً اليوم ، والنسوة يقمن بعمل دؤوب إذ نتمكن من إنجاز عشرات القطع في اليوم الواحد، ونملك اليوم أكثر من ألف قطعة جاهزة للبيع بأيدٍ عراقية خالصة، نبيعها أحيانا للسيّاح، أو المنظمات غير الحكومية التي تعج بالزائرين الأجانب.
ما زالت أم محمد تستذكر القطعة الأولى التي أتمّتها مع النساء وقامت ببيعها، تذكر ذلك بسعادة وتخبرنا:-قبل سنوات عدة ، قمنا ببيع أول قطعة من عملنا الجماعي وكانت تحوي رموزاً ونقشات عن الأهوار، وحين تقاسمنا ثمنها شاهدت السعادة على وجوه العاملات، وهذا ما جعلني استمر لتوفير فرص عمل كريمة لهن.
” أم محمد”.. صورة مشرقة للمرأة العراقية المكافحة والساندة لشقيقاتها اللواتي يرهقهن شظف العيش، ويعملن المستحيل من أجل تحقيق غاياتهن النبيلة.