براء ظافر.. الشاب الذي صنع تطبيق “بكلوريا” الإلكتروني

50

آية منصور /

لم يستسلم (براء ظافر) للمعوقات التي اعترضت تحقيق حلمه في دراسة الحاسوب، حين فشلت محاولاته دخول كلية التكنلوجيا في الجامعات الحكومية العراقية بسبب المعدل التنافسي، الأمر الذي جعله يبحث عن أية كلية قريبة إلى شغفه بدراسة الحاسوب، فوجد ضالته في كلية أهلية مستحدثة، لكنه وجدها فرصة لتحقيق حلمه في دراسة تقنيات الحاسوب.
موهبة هذا الشاب وإصراره لا حدود لهما، وقد نجح أخيراً، بعد سنوات من المكابدة والعناء والاجتهاد، في الحصول على منحة دراسية للمتفوقين في جامعة ليفربول البريطانية ليتغير مسار حياته من هناك ويعود لبلاده حاملاً شهادة الماجستير وأحلاماً كبيرة لمشاريع مؤجلة.
مِنصَّة تعليمية
وجوده في بريطانيا دفعه إلى التفكير بإنشاء تطبيق على غرار التطبيقات البريطانية، فكان نجاحه في صنع تطبيق (بكالوريا أونلاين) كأول منصة تعليمية رائدة في العراق بمواصفات عالمية، إذ توفر المنصة دروساً خصوصية مجانية بجودة عالية للطلبة.
يقول براء إنه، ومنذ طفولته، كان يحاول اختراع شيء ما، دون أن يعرف ما هو؟ لكن الغاية هي الاختراع، ومساعدة الاخرين، على الرغم من أن فترة دراسته لم تكن جيدة، نتيجة للظروف الأمنية التي كانت تلقي تبعاتها على حياة الناس في مدينته –الرمادي- التي عانت كثيراً من التنظيمات الإرهابية وشهدت معارك تحرير ضارية أدت إلى دمار المدينة.
يتابع براء: “في السادس الإعدادي اضطررت لتغيير مدرستي لثلاث مرات فقط بسبب أحداث العراق وقتها، فلم أتمكن من الحصول على معدل جيد يمكنني من دخول كلية الهندسة، لكني لم أستسلم حتى وجدت جامعة أهلية كانت قد استحدَثَت قبل عام واحد القسم الذي أود دخوله.”
مشاريع الجامعة
بدأت مغامرات النجاح تتوالى يدفعها بقوة شغفه وطموحه الكبيران. وبعد أربع سنوات كان من المتفوقين في كليته، التي حوّل دراسته فيها إلى قصص نجاح، ففي السنة الثانية عمل مع زملائه في صنع جهاز إلكتروني بمعدات بسيطة لقياس مستوى الماء في خزان المياه في البيوت (التانكي) يمكن التحكم به عن طريق جهاز صغير أشبه بجهاز حماية الأجهزة الكهربائية المستخدمة في دور السكن، إذ يمكن معرفة مستوى المياه في خزان المياه من خلال ضغطة زر بسيطة، بعدها عمل في صنع برنامج يقوم بعمليات حسابية أشبه بلعبة للأطفال.
نافورة راقصة!
يصف براء، ذو التسعة والعشرين ربيعاً، إنجازاته المتحققة في مجال تقنية الحاسوب بقوله: “إنها أمور تثير الاعتزاز، لكنها تدفعني دائماً لتحقيق الجديد الأهم والأفضل، وقد دخلت قبل بضع سنين في تحدٍّ كبير مع نفسي لإنشاء مشروع مميز يمكنني الفخر به، بتحويل فكرة استنبطتها من مدينة دبي، وهي إنشاء نافورة راقصة في مدينة الرمادي، وفعلاً بدأت التخطيط من خلال تحديد الكلف والمواد والمعدات اللازمة لإنجاز المشروع.
باشر براء ظافر العمل بالمشروع وقام بتصميمه باستخدام برنامج (ثري ماكس)، وهو برنامج تصميم ثلاثي الأبعاد لتسهيل العمل وتقليل الكلف لحين الوصول إلى الشكل النهائي للعمل، وبعده البدء بتصميمه في الواقع، إذ تم تصميم مجسم ثماني الأضلاع مغلف بالزجاج المعتم واختيار أحد الأضلاع ليكون عليه اسم المشاركين وشعار الكلية، يكمل ظافر:
“حصل مشروعي على كتاب شكر وتقدير من عميد الكلية، وبات مشروعاً جاهزاً يمكن تصميمه في المدينة.”
الماجستير بطعم الغربة!
في الفترة ذاتها تحقق واحد من أحلام براء، وهو إكمال دراسته العليا ونيل شهاد الماجستير، فقام بالتقديم إلى جامعة بغداد ونجح في اختبار الكفاءة، لكن، مرة أخرى، الوضع الأمني في بغداد لم يكن يسمح.
يذكر براء :”طموحي كان يزداد كلما تعرضت لتحدٍّ جديد، لذلك قمت بالتقديم على المنح الدراسية التي كان يوفرها مكتب رئيس الوزراء، أو ما يعرف بالمبادرة التعليمية، من قبل اللجنة العليا لتطوير التعليم في العراق، ونجحت باجتياز الاختبار وقُبلت لدراسة الماجستير في جامعة ليفربول البريطانية في منتصف عام 2014.”
التفوق في ليفربول
هنا بدأ مشوار مختلف تماماً عما سبق، كانت أول تجربة سفر بالنسبة لبراء، إلا أنه تمكن من النجاح، إذ استطاع نيل لقب (سفير الطلاب) في السكن الطلابي كما قدم على العمل بصفة متطوع في أحد المشاريع الإلكترونية، وهو تشجيع الطلبة على تقليل استهلاك الطاقة الكهربائية في السكن الطلابي، وكيفية حساب كمية الطاقة المتوفرة وتحويلها إلى أموال تمنح إلى الطالب.
يضيف براء في حديثه لـ “مجلة الشبكة”:
“من خلال عملي في هذا المشروع حصلت على لقب أفضل ممثل عن المشروع في المملكة المتحدة بمشاركة (40) طالباً من 10 دول، وبعد شهرين من العمل تمت ترقيتي إلى (رئيس فريق)، وبعد شهرين آخرين جرى الإعلان عن منحة عمل مقدمة من إحدى الشركات البريطانية، فقدمت عليها وحصلت على المركز الأول بمشاركة أكثر من 150 متسابقاً في بريطانيا، وعُرض علي عمل دائمي في المملكة المتحدة.
بكالوريا أونلاين
بعد أن أنهى براء دراسة الماجستير بتفوق، كانت فكرته هي نقل تجارب متميزة في اختصاصه، وبالفعل تم البدء بالدراسة والتخطيط لمشاريع عدة تتعلق بالخدمات المقدمة والاستهلاكية، أو تسهيل الأمور الحياتية، أو تتعلق بالتعليم، وغيرها، تضمنت توفير خدمات سيارة الأجرة وتوصيل الطعام ونقل البريد، لكن بطريقة حديثة شرط أن تكون مؤتمتة، لكن كان من أبرز هذه الأفكار ما يتعلق بالتعليم حيث كان الهدف توفير تجربة تعليمية احترافية لكل الطلبة، بغض النظر عن مستواهم المعيشي والمادي، من خلال توظيف التكنولوجيا في هذا المجال. يؤكد براء أن التخطيط الفعلي لمشروع منصة إلكترونية متطورة بمواصفات عالمية، تضاهي ما موجود في بريطانيا والدول المتقدمة، بدأت في نهاية عام 2018 حين كانت الفكرة دراسة ما هو موجود من منصات إلكترونية من ضمنها ما استخدمها هو شخصياً في جامعة ليفربول أثناء دراسة الماجستير، لكن الاختلاف هنا هو الفئة المستهدفة بشكل رئيس، وهم طلبة البكالوريا لما يشغلون من أهمية كبيرة في مجتمعنا.
نجاح التطبيق
يوضح براء أنه ناقش فكرة المنصة مع مختصين من شركتي مايكروسوفت وأنتل، وكانت النتائج تصميم منصة إلكترونية متطورة تعرف بـ (بكالوريا أونلاين) كأول منصة تعليمية رائدة في العراق بمواصفات عالمية، إذ جرى استخدام أحدث التكنولوجيا وأحدث لغات برمجية مع شركة مايكروسوفت على إنجاح هذا العمل، إذ توفر المنصة دروساً خصوصية باستخدام سبورة إلكترونية بدل السبورة الاعتيادية، مع إمكانية المراسلة بين الطالب والأستاذ وإمكانية المناقشة بين الطلاب، إضافة إلى الامتحانات الإلكترونية وجدول خاص لتنظيم وقت الطالب ونسبة إنجازه في كل مادة أو محاضرة.
ويعرب براء عن سعادته بعد الإطلاق التجريبي في عام 2020 مع بداية جائحة كورونا مجاناً دعماً للطلبة، كذلك للاستفادة من ردود الأفعال وآراء الطلبة في التجربة كونها التجربة الأولى من هذا النوع في العراق.
وبعد فترة وضعت أجور اشتراك رمزية لتغطية مصاريف المنصة الأساسية التي وجدت إقبالاً ممتازاً من طلبة السادس الإعدادي، وردود أفعال إيجابية، لأنها تعتبر تجربة فريدة من نوعها ومتميزة في سهولة الاستخدام، وتلائم جميع المستويات، وجارٍ العمل على تطويرها وتطوير تطبيق هاتف متطور يعمل بأقل استهلاك للإنترنت.
ومازال هناك الكثير من الأفكار التي يعمل عليها براء، من بينها ما يخص المرضى من كبار السن وكيفية استخدام إنترنت الأشياء في تسهيل أمورهم الحياتية بتوجيه وتوظيف التكنولوجيا.