روان سالم.. صديقة الأطفال والمدافعة عن حقوق النازحين

176

آية منصور /

كان لطفولتها التي بدأت تتشكل في سنوات القلق واضطراب الوضع الأمني في العراق أثر بالغ في تكوين شخصية حديدية، لا تخاف شيئاً، لسان قوي، وقدرة على صنع الأمل في البلاد، مبرهنة أنَّ الجيل الجديد قادر على صياغة جديدة لأحلام البلاد وأهلها، روان سالم، قصة كبيرة لفتاة بعمر الزهر، أرادت أن تكون خير ممثل لجيل ولد ونشأ في ظروف الاحتلال والعنف الناجم عنه.
الحرب التي تصنع الحياة
تروي روان حكايتها مع الأيام العصيبة، وكيف أنَّها كانت حبيسة المنزل بسبب الحرب، الأمر الذي اضطرها الى أن تبدأ بدايات جديدة، تقول: بالرغم من أن محافظة بابل كانت هادئة نسبياً آنذاك الا أن مخاوف عائلتي لم تنته بسهولة، أجبرني أخوتي على البقاء في المنزل، وهذه العزلة جعلتني أتجه إلى قراءة القصص وحفظ قصائد الأطفال، ومشاهدة فيديوهات أطفال الدول المتطورة على اليوتيوب وهم يلعبون ويمارسون حقوقهم اليومية، ومن دون مضايقات في محاولة لملء وقتي، وصرت أسأل نفسي: لِمَ كل الأطفال – عدانا – يعيشون كما يجب أن يعيشوا.
التمثيل هو الحل
تمردتْ على الواقع لأول مرة بعد انتهاء الحرب فانخرطت مع دار ثقافة الأطفال فرع بابل الذي كان يديره والدها، وشاركت في أغلب ورشاتها التعليمية للتمثيل والشعر والعزف، حتى أنَّها صارت جزءاً من فرقتها المسرحية والموسيقية أيضاً بعد أن تعلمت العزف على البيانو.. تواصل حديثها:
– شاركت في ما يقارب ١٤ مسرحية وأخذت أدوار البطولة في معظمها وحصلت على جائزة أفضل ممثلة مسرح طفل على مستوى العراق في عام ٢٠١٤ ضمن مسابقة أنشأتها وزارة الثقافة بين دور ثقافة الأطفال في مختلف المحافظات.
الضغوط المتواصلة
عزفت النشيد الوطني والمقطوعات الموسيقية المختلفة في محافل عدة حتى أنَّها وبالرغم من صغر سنها صارت عريفة حفل مختلفة عدة، وبالرغم من نظرة المجتمع وانتقادات الأقارب اللاذعة لها لأنَّها “ممثلة صغيرة السن” إلا أنَّها استمرت في التمثيل قرابة سبعة أعوام حتى بلغت الثانية عشرة.. توضح قائلة:
– كان انخراطي في التمثيل يثير أسئلة الجيران لأمي (بنتج كبرت شوكت تستر على روحها) وابتعاد أطفال الحي عني كوني ممثلة، لا أدري لم كانوا يرون التمثيل سُبة أو تهمة توجّه للمرأة دون الرجل ولفتاة صغيرة ليس الا.
حملات ومبادرات
في عام ٢٠١٣ تمكّنت روان من أن تنضم إلى منظمي مهرجان “أنا عراقي أنا اقرأ” للأطفال الذي استمر خمس دورات متتالية في محافظة بابل، تقول: كنت اعتمد على السوشيال ميديا في حث الناس على إحضار أبنائهم من أجل القراءة، كما استطعت جمع عدد غير قليل من الكتب المخصصة للأطفال.
عالم الأطفال الذي لم ترغب روان في مغادرته، عادت وصادفته في العام ٢٠١٤ مع موجات النزوح التي حدثت في العراق، إذ صارت ترى أن الأطفال النازحين مسؤولية كل كبير وصغير في المجتمع، لذا ناقشت والدها بفكرة الذهاب الى أماكنهم وسرد الحكايات لهم، لأنها – كما تقول – لا تملك السلطة ولا القوة التي تمكنها من حمايتهم وتوفير الحياة الرغيدة لهم ونقلهم لواقع أفضل، تتابع حديثها:
– والدي كان يأخذني يومياً لأروي لهم قصة جديدة ومع مرور الوقت شعرت لأول مرة في حياتي أن العطاء يهبك الراحة، لذا قررت أن أطور الفكرة فأسست مشروع “كن معنا ولا تهملنا للأطفال النازحين”.
امنح الحب لطفل نازح
استمر مشروع روان سالم ثلاثة أعوام وكان يركز على الصحة النفسية للأطفال ومحاولة محو مناظر العنف التي تشكلت في مخيلاتهم أثناء النزوح، المشروع كان يتضمن (عزفاً، وغناءً، ومرسماً حراً، وعرض أفلام سينمائية للأطفال، ومسابقات شعرية وأدبية، ومهرجانات، ومسرحيات عدة، وألعاباً شعبية، وتوزيع هدايا وقصص) وبجهود أشبه بالفردية بذلتها روان ووالدها نجح المشروع واستطاعا اكتشاف مواهب الأطفال، محاولين تطويرها قدر المستطاع.
– انتهى المشروع مع عودة النازحين إلى مناطقهم المحررة وعلى إثر هذا المشروع حصلت على جائزة Tulip Human Rights الدولية في عام ٢٠١٨ التي تمنحها الخارجية الهولندية للشخصيات المؤثرة والناشطة في مجتمعاتها.. غمرتني السعادة وشعور الفخر حينها وألقيتُ خطاباً أثناء تسلمي الجائزة عن التحديات التي واجهتني أثناء المشروع وعمّا سأفعله مستقبلاً.
مشروع آخر وطاقة لا تنتهي
وفي العام نفسه أدركت روان أن جميع الأطفال بحاجة إلى برامج ثقافية يعبرون بها عن طاقاتهم وآرائهم لتكون فسحة لالتقاط الأنفاس، لذا أنشأت مشروع (بالسلام نرتقي للأطفال) الذي مولته منظمة (بسمة القريب) السويدية، إذ علمت الأطفال في ورشات متخصصة الرسم والعزف على أيدي أساتذة متخصصين.
شغف روان بالحياة لم يتوقف، هذه الجميلة التي تشع طاقة وتشجيعاً للآخرين، استطاعت كذلك أن تصدر ديوانها الشعري الأول بعنوان “تواقيع” الذي ضم نصوصاً اجتماعية، وسياسية، تناولت فيها الواقع العراقي، كما تراه فتاة في التاسعة عشرة.
عالم الكاميرا
كما بدأت روان في تحويل أفكارها إلى الإعلام الذي كانت تراه انعكاساً للواقع والأحداث اليومية في الشارع العراقي، ومساحة للتعبير بحيادية، لذا بدأت بإعداد وتقديم فيديوهات قصيرة نشرتها على صفحتها ولاقت إعجاباً واسعاً آنذاك لتقدم برنامج (سيرك بالعراقي) في العام نفسه، وهو من إعدادها وتقديمها، فضلاً عن برنامج قصير على مواقع التواصل الاجتماعي وهو (ختيلان مع روان) من إخراج الفنان باسم الطيب، تضيف بالقول: ركزت في جميع حلقاتي على القضايا التي تهم الجيل الجديد ورؤيتهم للواقع السياسي والاجتماعي والثقافي ولكل ما يحصل لنا ولا نستطيع البوح به، لقد كان تحدياً كبيراً لكنه فتح لي أبواباً للعمل مع مؤسسة المدى في برنامج (كلام عراقي) الذي كان امتداداً لما قدمته سابقا.
الجامعة الامريكية والنجاح
حتى الآن تحاول أن تدخل بحرفية أكبر في كل مرة للمجال الصحفي وأن يكون رأيها ذا تأثير، لذا قررت أن يكون تخصصها الجامعي هو الصحافة بعد قبولها بمنحة دراسية في الجامعة الأمريكية في السليمانية تُعطى سنويا للشباب الناشطين.. تكمل حديثها وهي تبتسم:
– لم ينته حبي للصحافة والنشاط المدني عند هذا الحد بل يزداد يوما بعد يوم حتى أني أنشأت مشروع (قصة حياتي) مع مركز الدراسات الجندرية الخاص بالجامعة الامريكية التي أدرس فيها، ويركز على نشر قصص النساء المؤثرات اللاتي تحدين ظروفهن وحققن أهدافهن الخاصة والعامة، اتولى في هذا المشروع مسؤولية اختيار النساء وتحرير قصصهن قبل النشر.
لدى روان كثير من الخطوات المقبلة وحتى هذه اللحظة هي فخورة بما قدمته وسعيدة أكثر بأن كل المشاريع التي قدمتها رافقتها تحديات كثيرة اجتماعية ومادية ومعنوية الا أنَّها تغلبت على معظمها، تختم قائلة: الفضل كل الفضل لله ثم لأبي الذي ساندني في كل خطواتي وكان وما زال الجدار الذي أتكئ عليه حين أشعر بأنني على وشك السقوط.