قلب شابة.. يجمع “علوم الحياة” وفنونها

662

آية منصور /

لم تدرك (نورسل نوري)، تلك الفتاة الشغوف بحب الحياة والاستكشاف، أنها ستغدو يوماً مُلمَّة بفنون كثيرة، متقنة صناعتها، حتى دراستها التي تحبها تختلف جذرياً عما تعيشه وتمارسه من إبداع بالألوان، فهي ترسم وتعرض لوحاتها هنا وهناك، وتصمم الأزياء.
طفولتها كانت مليئة بالمغامرات وحب الاطلاع ومعرفة كل شيء، الأمر الذي جعلها، كما تؤكد لنا، تشرع في تعلم الفن الذي صار يسري في دمها، تخبرنا:
– كنت مولعة بممارسة الأعمال اليدوية والأكسسوارات، تمكنت من صناعة قلائد وأساور عدة باستخدام الخرز والسيليكون، حتى أني في بعض المرات كنت أتهرب من واجباتي المدرسية والانشغال بهذه الصناعات اليدوية، ولم أكن أشتري الهدايا للآخرين، بل كنت أمنحهم عملاً مما صنعته بحب.
رسم الحياة
بدأت (مهسا)، كما تحب أن تُنادى، الرسم كذلك في عمر مبكر، ودأبت على المشاركة في المعارض التي تقام في المدارس الابتدائية، تؤكد لمجلة “الشبكة العراقية”: كنت أحصل على المركز الأول دائماً، ذلك أني أحاول في رسوماتي وضع حكايات وقصص وقضايا لما أرسم، لكنني حينما كبرت فضلت رسم البورتريه، الوجوه الشخصية، ونقل تجاعيدها وأوجاعها مسخّرة الألوان وطاقتها في التصوير.
تواصل نورسل الحديث عن شغفها بالأعمال اليدوية فتخبرنا كيف أنها صنعت أصيصاً للزهور من أسلاك الكهرباء فقط، تقول:
– كان لدينا مخزن أدوات كهربائية في المنزل، اتجهت إلى المخزن وفي بالي فكرة المعرض، وجدت خرطوماً لجهاز كهربائي عاطل، وبعد فحصي إياه وجدت شيئاً ملفوفاً لمّاعاً مثل السيلوفان، أخذته وبدأت اللف شيئاً فشيئاً حول يدي، ومع شيء من التعديل والثني صارت عندي مزهرية مبتكرة وغريبة، أحبها والدي، وتمكنت من المشاركة بها في معارض عدة.
للأزياء حصتها
تعمل مهسا بغير هوادة، تجرب هذا وذاك، تفشل فتعيد المحاولة، حتى أنها جربت عالم الأزياء والخياطة، وليست كل فتاة قادرة على أن تقنع قدميها بالضغط على دواسة آلة الخياطة، لكن مهسا وجدت في ذلك شغفاً كبيراً:
– والدتي خياطة، كنت كلما خاطت لي شيئاً أضفتُ إليه بعض اللمسات من أدواتي الخاصة، لكن فكرة التعلم منها كانت أعظم هدية قدمتها لي.
رسمت مهسا العيون، لاعتقادها الراسخ أن المرء مخبوء وراء عينيه، قد تشعر بما يشعر، أو بما يضمر لك من عينيه، وشاركت أيضاً في معارض عدة مكنتها من أن تحوز ثقة هائلة برسومها، لكن المفاجأة كانت حينما تخرجت في الإعدادية، تخبرنا بالقول:
– لقد كان حلمي دخول أكاديمية الفنون الجميلة، لكني اكتشفت أنها غير موجودة في مدينتي، حيث أعيش في قضاء طوزخرماتو، كانت خيبة أمل كبيرة، أين سأتمكن من صقل موهبتي وهوايتي؟
وقد اختارت نور دخول كلية التربية قسم علوم الحياة، تؤكد أن حبها لهذا القسم بدأ بعد دراسته، لكنها بقيت تعشق حبها الأول: عالم الألوان والرسومات.
– دراستي تختلف كلياً عما أحلم به، صرت أسترجع وأتذكر حتى تفاصيل رسومي لزميلاتي من الطالبات، وبتُّ أفكر: أيعجز الإنسان عن تحقيق حلمه بسبب المسافة؟ إذ إن فكرة دراستي في بغداد تكاد تكون مستحيلة، حاولت التأقلم مع علم الأحياء، ولم أترك شغفي بالرسم.
العودة إلى الرسم
بعد تخرجها وحصولها على وقت تستطيع استثماره، استطاعت مهسا تطوير ذاتها أكثر في مجال الرسم وعالم الخياطة، إذ بدأت كذلك في تصميم مختلف الثياب النسائية وخياطتها، وحتى بيعها، فضلاً عن انخراطها في دورات لتعليم نفسها الرسم بالألوان الزيتية:
– لكوني رسامة فطرية، لم أتمكن في البدء من ضبط الدرجات اللونية للألوان الزيتية، جربت مراراً وتكراراً ولم أوفق، ثم ساعدني أحد رسامي طوزخرماتو، لقد كنت سعيدة بعودتي إلى عالم الرسم الذي لم أتعلمه يوماً لكنني أحببته كما أحب حياتي.
أول رسمة لمهسا بالألوان الزيتية كانت قد شاركت بها في معرض لفناني طوزخرماتو، وقد أعجبت المشاركين والفنانين جميعاً.
– رسمت فتاة، كنت أشعر أنها تشبه روحي وقلبي، فتاة وحسب، لم أخطط لشيء آخر، حتى أني لم أفكر إذا ما كانت ستعجب المشاهدين أم لا لأني أرسم ما يمليه علي قلبي، لكنهم لم يصدقوا في بادئ الأمر أن من رسم اللوحة امرأة وليس رجلاً.
أول رسامة في طوزخرماتو
منذ ذلك الحين بدأت دعوات المشاركات ترد دون هوادة إلى مهسا التي كانت أول امرأة تمارس الرسم وتشارك في معارض طوزخرماتو، تقول:
– لقد حظيت بدعم كبير من عائلتي، رغم أني أعيش في مكان شبه محافظ ومنغلق ولا يتقبل أن تخرج الفتاة للرسم مع الرجال، إلا أن الناس أنفسهم حمّلوني أمانة رسمهم واحداً إثر الآخر، لقد أحبوا أعمالي وبدأت تردني طلبات رسم غير مجانية، تصلني من كل زقاق في مدينتي، لا أعلم، ربما لأني الفتاة الوحيدة التي ترسم في هذا المكان الصغير.
تعليم الفن والألوان
وعلى الرغم من نشاطها وحيويتها المتقدة، إلا أن مهسا لم تترك شهادتها في مهب الريح، بل أحبت هذا العالم، كما تؤكد، وقد حاولت أن تعمل في إحدى الصيدليات في تخصصها نفسه لكن الهدية التي جاءت إليها كانت كما تقول:
-لم أحصل على تعيين حكومي ولن أنتظره في ظل هذه الظروف، لكنني تلقيت دعوة من مدير النشاط الفني في طوزخرماتو الذي عرض عليَّ العمل بإعطاء دورس الفنية بعد معرفته قابليتي في الرسم، لذا عملت في مدرسة للمتميزين، وهناك درّست وعلّمت طلابي خطوات الرسم والأعمال اليدوية وفي الوقت نفسه كنت أدرس تخصصي الأكاديمي في علوم الحياة.
استجابة ذوي الطلبة وسعادتهم بما تعلمه أبناؤهم وبناتهم من مهسا حفزتها على المزيد، فبدأت تحاضر في دورات تعليمية وفنية متخصصة بالرسم للطلبة، وتشارك أيضاً في الندوات الفنية مع رسامين آخرين.
أحلام لا تنتهي
تطمح مهسا نوري إلى إقامة معرض شخصي تسعى لإنجازه وعرضه في معارض طوزخرماتو وقاعاتها لتكون أول امرأة تُقدم على هذه الخطوة في القضاء، تؤكد:
– أعمل الآن على رسم أفكاري عما يعيشه المجتمع من معاناة، ولاسيما معاناة المرأة وإبراز أهمية دورها وأناقتها وإحساسها في الحياة.
وتمارس مهسا جميع أنواع الرسم وبشتى الألوان، لكنها تميل لرسم البورتريه، ولاسيما وجوه النساء، لأنها -كما تؤكد- تتحسس العواطف والمشاعر في وجوههن.
أما عالم الأزياء فهو عالم الجمال والأناقة لمهسا، تماماً مثل اللوحة، ترسمها وتلونها ثم تضعها على جسد حي فيحييها، يمتزج جمال اللوحة وألوانها مع الروح فيزداد هذا الفن جمالاً، تقول:
– صممت قطعاً كثيرة لنفسي ولوالدتي ولأقربائي، وشاركت أيضاً في دورة للخياطة، وحتى عندما أشتري ملابس جاهزة من السوق فإنني أضيف لمساتي، لأني أحب الابتكار، لكني أعمل على تصميم قطع للأزياء التركمانية، سأفعل هذا بعد أن أكمل معرضي الشخصي الأول.