مؤسس الشرطة المجتمعية العراقية: تجربتنا رائدة ومُلهِمة لمحيطنا الاقليمي

199

آية منصور /

دخلت قوانين الشرطة المجتمعية أول مرة إلى العراق عام 2008 ببدايات بسيطة ومتواضعة، وذلك لعدم توفر مديرية متخصصة بها آنذاك، وقد عُين أكثر من 400 منتسب وزعوا بين مراكز الشرطة في محافظة بغداد، للعمل بإشراف فني من قبل مديرية العلاقات والإعلام. مدير الشرطة المجتمعية اللواء خالد المحنا، الذي أصبح اليوم الناطق باسم وزارة الداخلية يحدثنا عن عمل الشرطة المجتمعية التي أسسها بنفسه قبل اثني عشر عاماً.
التجربة العراقية
عملت الشرطة المجتمعية بصورة فعلية داخل العراق عام 2017، بعد أن صدر قرار بتشكيلها بصورة رسمية، وتم التواصل مع منظمات المجتمع المدني العالمية، كمنظمة الهجرة واليونامي، وتم التنسيق لتطوير هذه المؤسسة استناداً إلى الفكر العالمي بخصوص الشرطة المجتمعية. ويؤكد اللواء المحنا أنه مهما اتفقت أدبيات الشرطة المجتمعية العالمية، إلا أن لكل بلد خصائصه وتجاربه التي تتعلق بالطبيعة الاجتماعية والثقافية لكل بيئة وبلد، ويضيف قائلاً:- بنينا تجربتنا بشكل خاص، لذلك حصلت على أصداء وإشادات واسعة من مختلف دول العالم، كما أن تجاربنا بدأت بالانتقال إلى دول أخرى، كسوريا، عبر عملنا مع المنظمات الدولية ونقلها لتجاربنا وطرق تعاملنا مع المشاكل المجتمعية.
من داخل الأحياء والأزقّة
ومن نشاطات الشرطة المجتمعية، كما يخبرنا اللواء المحنا، هو المنتدى المجتمعي الذي يحوي ويشارك في داخله عشرات الأشخاص بدءاً من وجهاء المناطق والأحياء وشيوخها، مروراً بسكانها الذين يعملون مع الشرطة لحل المشكلات والحالات الإنسانية، إذ أن فكرة المنتدى الأساسية هي التواصل والعمل المشترك مع الجمهور، فلولا المواطن لما كانت الشرطة المجتمعية.
– ما زالت الشرطة المجتمعية تعاني من المشاكل، إذ أن كل فكرة جديدة تقابل بالاعتراض وعدم القبول في بادئ الأمر، وتعاني المديرية حتى اليوم من عدم معرفة الجميع بها، إضافة لعدم استيعاب بعض المديرين لهذه الفكرة ظناً منهم أنها قد تسحب صلاحياتهم.
مكافحة الموروثات
ويرى اللواء خالد: الحقيقة أن أهم أفكار الشرطة المجتمعية هي محو ومكافحة الثقافة الموروثة، مثل تعالي الشرطي على المجتمع وافتعال المشاكل مع المواطنين لأسباب غير مهمة مثل رفع نوافذ السيارة أو التحدث في الهاتف أثناء مرورهم قرب السيطرات.
– مهمتنا في البدء القضاء على هذه الأفكار، وجعل الشرطة والمجتمع متقاربين من بعضهما أكثر وخلق علاقات جيدة مع الجميع. ومن أهداف الشرطة المجتمعية محاولة تطوير خدمات السلك الشرطوي من خلال إدخال العاملين بمجالها في دورات مكثفة، إذ أن المعايير التي اعتُمدت للقبول في الشرطة المجتمعية تشتمل على شهادة جامعية (البكالوريوس) في أقل تقدير، فضلاً عن دورات التنمية والتطوير، ومن ضمنها مهارات الإقناع وحقوق الإنسان والمشكلات المجتمعية. ويرى اللواء خالد أن تعاون المنظمات دفع المديرية إلى تطوير صلاحياتها بسرعة فائقة.
– ساعدتنا المنظمات كثيراً، لا سيما في تأسيس البنى التحتية للمديرية، إذ تسلمنا 48 بناية للشرطة المجتمعية في مختلف المحافظات و70 عجلة وعشرات الأجهزة اللاسلكية، والدعم اللوجستي المستمر.
الأمن الشامل
توسعت فكرة الشرطة المجتمعية بصورة شاملة في أغلب محافظات العراق ومدنه، وبدأت العمل وفق مبدأ الأمن الشامل، الذي يعني الأمن الصحي، والأمن التربوي، والأمن المجتمعي الذي يعد ركيزتها الأساسية، إذ اضطلعت الشرطة المجتمعية بكشف الأمراض المنتشرة والأوبئة في مختلف المحافظات التي لم تتمكن وزارة الصحة من كشفها بسبب اعتمادها على إحصائيات المرضى والوافدين إلى المستشفيات. يخبرنا اللواء خالد بالقول:
من ضمن الأمراض التي تم اكتشافها بكثرة في البلاد مرض التدرن الرئوي الذي لا تتوفر لدى وزارة الصحة إحصائيات عنه بسبب عدم كشف حاملي هذا المرض للمستشفيات، إضافة إلى مرض الجرب الذي كان منتشراً بصورة واسعة شرقي العاصمة.
الحملات التي لا تنتهي
وفي حديثه عن الحملات التي تقوم بها الشرطة المجتمعية، يؤكد اللواء خالد أن الحملات تبدأ بطرق توعوية ودورات للوقاية من الأمراض، ثم تبدأ مرحلة توفير العلاج وتقديم المساعدة للمرضى، فضلاً عن توفير الملابس النظيفة والصحية، وحتى الان عالجنا أكثر من 4000 مريض من الجرب، وأنجزنا ثلاث حملات متتابعة لتقديم التوعية والعلاج، فضلاً عن توزيع الملابس الجديدة بمساعدة المنظمات والتجار والميسورين.
البيئة حاضرة
وبشأن الأمن البيئي يؤكد اللواء خالد المحنا لـ “مجلة الشبكة” استمرار انتشار الدوريات في المناطق وبحثها عمن يخالف الشروط والقوانين لتقليل حالات الخرق المستمر وإزعاج المواطنين بالمشاكل البيئية:
– يستقبل منتسبو الشرطة شكاوى المواطنين، إذ يعتمد البعض، استخدام المولدات الكهربائية داخل الأحياء السكنية وبين المنازل، فتقوم الشرطة المجتمعية بتوجيه إنذاراتها إلى أصحاب المولدات ثم منعها أو نقلها إلى أماكن أخرى.
المرأة على رأس القائمة
وتطرح منتديات الشرطة المجتمعية في المناطق الكثير من الشكاوى والقضايا، بمساعدة سكان الأحياء والمناطق، كما تعتمد أيضاً الجولات التفقدية لاستكشاف الحالات الاجتماعية، ويرى اللواء خالد أن الكثير من الظواهر الاجتماعية تناقش وتُبحثُ لها الحلول له بمساعدة من المواطنين أنفسهم: أغلب القضايا الاجتماعية التي نعالجها تأتينا على شكل شكاوى سرّية من الجيران، فعلى سبيل المثال، تلقينا شكوى من جار يستمع لأصوات تعنيف بحق جارته، ومرة حاولت سيدة الاستنجاد بنا لإنقاذ زوجها من محاولات انتحاره المتكررة، وغيرها الكثير.
الفكرة المنقذة
كما يؤكد اللواء اهتمامهم المفرط بالقضايا المصيرية، ويخبرنا عن سعادته بإنقاذ ثلاث نساء دون سرد التفاصيل، إذ يضيف:
– حينما نتعرض لقضية مصيرية تتعلق بسيدة فإننا لا نجازف بالضحية، بل ندرس الفكرة والأمور المتعلقة بها، وكيفية إكمال الخطة دون إلحاق ضرر، مثل قصص التعنيف، والهروب، أو حتى الاغتصاب، وبعد إيجاد الحلول لهؤلاء النسوة تتابع الضابطات، وبشكل دوري ومستمر، الحالات النسائية كل 14 يوماً لمتابعة تطورات تلك الحالات لحماية النسوة وضمان استقرار حياتهن.
ويرى المحنا أن المجتمع بدأ، في الآونة الأخيرة، يتقبّل فكرة الشرطة المجتمعية واللجوء إليها.