أزمة بلازما دم المتعافين من كورونا.. بين ضرورتها الطبية وأبعادها الأخلاقية

286

#خليك_بالبيت

رجاء الشجيري /

المِحَن في زمن الأوبئة تفرز الجانب الإنساني الإيجابي أو العكس، فهي تجربة إنسانية بحتة، والتفكير بحماية حياتك ومنح ما تستطيع لتنقذ حياة غيرك أسمى درجاتها. ونحن مجتمع عانى الويلات قبل جائحة كورونا وآثاره.
انقسم رد فعل الناس المصابين بكورونا وتعافوا إلى ثلاثة أقسام: فمنهم من أسهم بكل نبل وشهامة بالتبرع ببلازما دمه بعد تعافيه دون أي تردد لإنقاذ حياة مصابين آخرين، وقسم آخر أخذه الجهل الشديد بالتخوف من التبرّع، لاعتقاده بأنه سيضر بصحته ويؤذيه، أما القسم الأخير، وهو الأسوأ، فقد اختار المتاجرة ببلازما دمه بعد أن عافاه الله لتصل المبالغ التي يطلبها إلى ألفي دولار وأكثر..”مجلة الشبكة” فتحت هذا الملف وطرقت الأبواب واطّلعت على بعض التفاصيل وقصص الناس في التحقيق الآتي:
فائدة وشروط
من تجارب طبية مفعَّلة جاءت عملية الإنقاذ عن طريق التبرع بأخذ كمية من بلازما دم المتعافي من فيروس كورونا ليتم حقنها في شرايين شخص آخر مصاب بنفس الفيروس، لأن الشخص المتعافي قد تعرَّف جهازه المناعي على الفيروس ونقاط ضعفه ما يساعد في زيادة فرص النجاة للشخص المصاب، وبتعبير أدق أن بلازما دم الشخص المتعافي تحتوي على أجسام مضادة للفيروس، ولكن بشروط يذكرها الدكتور إيهاب سراج الدين بقوله: إن تبرع المتعافين من فيروس كورونا بالدم يكون بعد مرور أربعة عشر يوماً من إتمام الشفاء، مشيراً إلى أن من شروط التبرع أن تكون سنّ المتبرع بين 18 و 60 عاماً، وألا يقل وزنه عن 50 كيلو جراماً، وشروط التبرع ببلازما المتعافين هي شروط التبرع بالدم نفسها.
وقد بدأت المستشفيات الأمريكية بعلاج المرضى المصابين بكوفيد-19 بـالبلازما التي تحتوي على مضادات حيوية تقوي مناعة المريض لأجل هزم فيروس كورونا في جسم الإنسان.
وجاء ذلك بعد أن أعطت الوكالة الأمريكية للأدوية والعقاقير الضوء الأخضر باستخدام هذا العلاج، والأمر نفسه حصل في فرنسا، التي بدأت العمل به، في حين يُجهل حتى الآن مدى فعاليته في التصدي للوباء كحل رئيس.
ويأمل الخبراء أن يؤدي نقل بلازما الدم من الأشخاص المتعافين إلى المرضى المصابين إلى تقوية أنظمتهم المناعية الضعيفة.
وتحتوي البلازما، وهي الجزء السائل من الدم، على أجسام مضادة لفيروسات كورونا، والأجسام المضادة هي بروتينات يصنعها الجهاز المناعي يمكنها استهداف الفيروس وتحييده.
وتستغرق عملية بناء الأجسام المضادة في البلازما نحو شهر من تاريخ الإصابة بالفيروس، وكشف ممثل منظمة الصحة العالمية في العراق أدهم إسماعيل في تصريحات صحفية أن نتائج تجارب وزارة الصحة العراقية بأخذ عينات من البلازما لمصابين بالفيروس تماثلوا للشفاء ونقلها إلى مصابين آخرين كانت مبشِّرة، وتظهر علامات التعافي على المريض خلال 72 ساعة.
نقص البلازما قتل الكابتن علي هادي
الكابتن الخلوق المحب للخير والناس ومساعدة كل محتاج علي هادي، كشفت الدكتورة سهام فيوري، أستاذة التربية الرياضية، عن كواليس وفاته وآخر المراسلات لها معه حين كان في مستشفى ابن الخطيب، وكيف أنها اتصلت بمدير المستشفى الذي طلب منها أن تحضر له البلازما، وقد ظلت تبحث مع أخيه عن متبرع بالبلازما B+ أو AB، وبعد معاناة وبحث وصراع مع الوقت عُثر على متبرع، ولكن بعد فوات الأوان.. اذ ظل الكابتن يعاني وينتظر، ولكن لو كانت في مستشفى ابن الخطيب أجهزة تستخرج البلازما أو مختبر مصغر لمصرف الدم لما تأخرنا عليه.. أو لو كان هناك مصرف دم في كل مستشفى للعزل.. وتضيف بمرارة: كان يرجوني بشدة أن أحصل له على البلازما ويؤكد أنه يريدها قبل السابعة صباحاً.. اطمأن قلبي أن البلازما وصلت، نمت من التعب والتفكير ..ورن الهاتف واتصل بي المستشار بنيان وهو يصرخ: مات علي ..
بين مصابٍ ومتشافٍ
من بين حالات التعافي من الوباء كان صفاء الطريحي (مونتير في إحدى القنوات الفضائية) الذي أعرب لنا – وهو في محجره الصحي- عن عزمه على التبرع ببلازما دمه بعد الشفاء، داعياً الجميع للتكاتف والتراحم فيما بينهم، كذلك المصاب الشاعر حسام محمد علي الذي تحدثنا معه من مكان حَجره بعد الاطمئنان على صحته إذ نقل تأكيده هو وعائلته المصابة أيضاً بأنه سيتبرع ببلازما دمه بعد الشفاء إن شاء الله.
وتحدث عباس الشريف، الذي كان أحد المتعافين من الفايروس والمتبرعين ببلازما الدم، قائلاً: كل المجتمعات تشتمل على سلبيات وكوارث، لكن المجتمع بوعيه يعمد إلى إظهار إيجابياته، حملة التضامن مع الفقراء والسلّات الغذائية كانت وجهاً مضيئا من أوجه المجتمع، لكن من يشارك الأخبار السيئة عددهم أضعاف من يشاركون الأخبار الطيبة وأفعال الخيرين.
في ترند الفيسبوك انتشر خبر مطالبة بعض دنيئي النفوس من المتشافين من كورونا بأموال جزاء التبرع ببلازما دمهم، ولكن من أظهر الفعل الإيجابي للعشرات ممن تبرعوا؟.. ولاحقاً أصبح من يتبرع ربما يكون متهماً بقبض أموال حتى ولو من باب المزاح المستبطِن لإشارة خبيثة.. كلنا نعرف أن هناك بعض السماسرة في باب مصرف الدم ومنذ سنين طوال، ولكن هل يمنع هذا من إظهار عشرات حملات التبرع بالدم المستمرة والمتواصلة؟ وما مقدار من يبيعون الدم مقابل من يتبرعون؟ حتى في الأثر، أمر الله تعالى بعدم إشاعة الفاحشة لكي لا تتزعزع ثقة الناس بالمجتمع ويضمحل فعل الخير، وربما معظم من نشر انتقاد المطالبين بأموال لمنح بلازما الدم كانوا حسَني النية، لكن انتقادهم جعله “ترند” لا يردع السماسرة بل يزيد في تردد من يريد أن يتبرع ويجعله يحجم عن ذلك فأضر من حيث أراد أن ينفع بحسن نيته.
ويردف: أنا أتبرع ببلازما الدم بوقت متأخر، وقد عرفت بالصدفة أنها ذهبت إلى طبيب يعاني من ويلات فايروس كورونا وعائلته، كُتب الشفاء لكم والسلامة للجميع وشجِّعوا على فعل الخير وكفانا جلداً لمجتمعنا الذي يحتضن خيراً كثيراً.
مناشدة وتوصيات
د. رغد السهيل (متخصصة مناعة وفيروسات كلية العلوم/ جامعة بغداد) ناشدت وزارة الصحة بضرورة تقديم بلازما دم المتعافين من فايروس كورونا إلى الكوادر الطبية لأنهم سواء أكانوا أطباء وممرضين أم عاملين في المختبرات، فإنهم جميعاً في تماسٍّ مباشر مع المصابين، وهم الأكثر عرضة لخطر الإصابة، لذلك فبلازما الدم تعد لقاحاً مؤقتاً لهم وهي طريقة قديمة في حالات التعرض للأوبئة لكنها ناجعة نوعاً ما.
وتؤكد السهيل على أن التبرع عملية صحية جداً للمتبرِّع، ففضلاً عن إنقاذ حياة أشخاص آخرين بها فهي تقوّي مناعته، إذ أن مناعة الجسم أشبه بحاسوب وفيه ملف تعريف محفوظ في داخل الجسم، لذلك فإن المناعة تشجِّع نخاع العظم أن يولّد المزيد من الخلايا الدفاعية ويعطي قوة للجسم.
سألنا الدكتورة رغد: أغلب الناس يسألون عن كمية البلازما الواجب التبرع بها؟ فأجابت: الأمور والأهمية ليست بالكمية أبداً فهي كمية تبرع دم عادية، لكن الأهمية تكمن في النوعية وتركيز المضادات داخل البلازما بشكل عال وهو المهم.
محمد الشمري يعمل في مختبرات مصرف الدم الفرعي يقول: يمكن للشخص المتبرع ببلازما الدم أن يتبرع أكثر من مرة، فقط إن لم يكن يعاني من أمراض مزمنة، والبلازما تُفصل في المختبر whod blood إلى دم مركّز كريات الدم الحمراء فقط” Rbc ” الذي يستخدم أكثر الأحيان للأطفال، وإلى بلازما الدم. لذلك الكيس الواحد من المتبرع يستخرج منه كيسا دم أحدهما دم مركّز (Rbc) والآخر بلازما دم.
اما عن فائدة الـ Rbc فهو للأطفال الذين لا يتحملون الدم العادي عكس البالغين، أما البلازما فهي للجميع، وفي الوقت الحالي نستخدمها لمرضى فايروس كورونا. وعند سؤاله عن أعداد المتبرعين هناك أجاب: الأعداد قليلة للأسف، وهناك تخوّف وجهل كبيران، إذ يوجد من يعتقد أن التبرع سيضرّه، في حين أنه على العكس تماماً يقوي مناعته وجسمه، أحد المتعافين حين طلبت منه التبرع ببلازما دمه كان مرعوباً وسأل أسئلة غريبة جداً وغير منطقية، وكان يتوقع أن التبرع ببلازما الدم هو عملية جراحية وأنها ستؤثر على حياته!
حملة أطباء بمجانية العلاج
انطلقت بشكل لافت حملات عدة من أطباء في شتى التخصصات يتبرعون بالعلاج المجاني والعمليات الجراحية في عياداتهم الخاصة، والأدوية من أصحاب الصيدليات أيضاً للمتبرعين ببلازما دمهم بعد التشافي من الفايروس، نذكر منهم الدكتور غيث رعد شبع، طبيب جراح عيون، إذ سبق له التبرع بجهاز إنعاش رئوي CPAP و٦٠ قناعاً و٤٠٠ شريط وجهاز لفحص المصابين في النجف، وقد أعلن قائلاً: أي شخص مصاب وتعافى من مرض كورونا ويذهب إلى مصرف الدم للتبرع بالبلازما لإنقاذ شخص آخر، سأُجري له أية عملية للعين هو بحاجة لها، هو أو أي من أفراد عائلته كعمليات الليزك بأحدث الطرق وأدقها، وعمليات الماء الأبيض مع أجود أنواع العدسات الأميركية الصنع والثلاثية الأبعاد، وكذلك عمليات الحَوَل.. وكل ذلك على نفقتي الشخصية.
في حين أطلق الدكتور علي حسين الزيدي، طبيب تخصص باطنية و قلبية – تخصص دقيق أمراض الجهاز التنفسي-، حملة تبرع مراجعة مجانية مدى الحياة في عيادته المعروفة في الديوانية والنجف للمتبرع ببلازما الدم، وكذلك الدكتور الصيدلاني ماجد العطار في محافظة النجف الأشرف تكفل بصرف علاج مجاني للمتبرعين ببلازما الدم في صيدليته، والطبيب بسام إبراهيم تخصص طب الأطفال وحديثي الولادة في محافظة بابل أيضاً، إن ما فعله هؤلاء الأطباء هو أنهم شجعوا المتعافين على مساعدة إخوانهم المصابين في التعافي، وقدموا دعماً إنسانياً ودافعاً للجميع في الإسهام كلٌّ بدوره وموقعه لتخطّي الأزمة.
ولم تقتصر هذه المساعي العظيمة على الأطباء فقط، فقد انضمّ إليهم الكادر التدريسي أيضاً، فهذا التدريسي علي خليل من بغداد، مدرِّس رياضيات للصف السادس الإعدادي أعلن عن تطوعه لتدريس المادة مجاناً مدة سنة كاملة لذوي كل من يتبرع ببلازما الدم لمريض مصاب بفيروس كورونا.
حملات الشرطة المجتمعية
حثَّت الشرطة المجتمعية المواطنين، من الذين تشافوا من فايروس كورونا ومضى على شفائهم أسبوعان أو أكثر، على التبرع ببلازما الدم عبر الخط الساخن ٤٩٧، كما أشاد مدير الشرطة المجتمعية العميد غالب العطية بهذه المبادرة التي تعد الأولى من نوعها وتأتي من أجل إشاعة روح التعاون والإيثار بين أبناء المجتمع، وعِرفاناً لهذه الشريحة التي آثرت على نفسها من أجل إنقاذ حياة الآخرين، لتعكس الصورة المشرقة لطبيعة المجتمع العراقي.
وقد نشرت الشرطة المجتمعية بوسترات توعية للمواطنين عن أهمية التبرع ببلازما الدم، كما نظَّمت دائرة العلاقات والإعلام في وزارة الداخلية، بالتعاون مع صاحب مبادرة “طريق إلى الحياة” وبرعاية وزير الداخلية عثمان الغانمي حفل تكريم للمتبرعين ببلازما الدم بحضور كوكبة من المواطنين الذين تعافوا من فيروس كورونا باستخدام بلازما الدم، تثميناً لمواقفهم الإنسانية النبيلة، ودعوة لغيرهم من المتشافين لأن يحذوا حذوهم.

النسخة الألكترونية من العدد 361

“أون لآين -4-”