أعياد الربيع بين الرغبة في الاحتفال والحذر من الوباء

160

ضحى مجيد سعيد /

في الحادي والعشرين من آذار في كل عام، تشهد المحافظات الشمالية للعراق مناسبة احتفالية بعنوان عيد النوروز، أو النيروز، كما يحلو للبعض تسميته. وبغض النظر عن أبعاد هذه المناسبة والدول التي تحتفل فيها، فإن طقوس الاحتفال تكاد تتشابه وتهيمن على الاحتفالات التي تستمر أسبوعين وتتضمن زيارات الأقارب والتنزه والسفر وتناول الأطعمة التقليدية.
ولطالما كان هذا العيد مغموراً بالأساطير والحكايات الخيالية القديمة، وبغض النظر عن اختلافها وتشابهها، فإن الثابت اليوم هو أن عيد النوروز يمثل فترة قدوم الربيع، أو بدايته على وجه التحديد.
لا يُعرف بالضبط إلى أي زمن يعود الاحتفال بالنوروز، لكن التقديرات الحالية تُشير إلى أن عمره لا يقل عن 3 آلاف سنة، ومع ذلك لم تذكر كتب التاريخ بشكل دقيق نشأته وتفاصيله.
على مر القرون تطورت هذه الطقوس البدائية القديمة بمناسبة نوروز وتوسعت، وتراكمت الاحتفالات تدريجياً لتصبح ذات تأثيرات اجتماعية وثقافية أكبر. في إقليم كردستان العراق ربما يقتصر الاحتفال بهذه المناسبة على الأكراد في الغالب، وكانت ولا تزال إحدى المناسبات المهمة لدى أكراد العراق ، فمع يوم عيد النوروز تنطلق أغلب الأسر إلى سفوح الجبال والحدائق في رحلات جماعية على الأغلب للاحتفال بهذا اليوم .
لكن منذ جائحة كورونا وحتى اليوم تبدل الحال تماماً في ظل الإجراءات الوقائية لمواجهة الفيروس، الإجراءات الأولى فرضت حظراً شاملاً قبل عام. أما اليوم، وفي ظل إجراءات الحظر الجزئي أحياناً وقيود ارتداء الكمامة والحفاظ على مسافة التباعد الاجتماعي، فلا يمكن العودة إلى الرحلات الجماعية التي ربما تقتصر على رحلات للعائلات بشكل منفرد، وربما خروج العائلات في الهواء الطلق على سفوح الجبال والمناطق الخضراء وما في ذلك من مجازفة الاختلاط مع الآخرين إلا أنه أقل خطراً من التجمعات.
(أبو أكد) مواطن يبلغ من العمر ستين عاماً يقول إن مناسبة عيد النوروز كانت، وما تزال، تمثل فرحة كبيرة للاحتفال بقدوم الربيع. ولا يقتصر الأمر على الربيع، بل إن تجمع العائلات والأقارب في هذه المناسبة على مدار ساعات النهار كان يسهم في تعزيز الأواصر بين الأُسر، ناهيك عن تأثيراته في الترويح عن النفس. وفي سؤال عن إمكانية الاحتفال به اليوم في ظل الفيروس، أجاب أبو أكد قائلاً: اشعر بالتفاؤل في ما يتعلق بمواجهة كورونا، في العام الماضي كان الخوف يسيطر علينا ولم نخرج للاحتفال بهذه المناسبة ولا غيرها، لكن الأخبار الآن مطمئنة بشأن إحصائيات الإصابات، ولذلك ربما أذهب وأسرتي فقط إلى مكان على سفح أحد الجبال للاحتفال بالمناسبة مع الالتزام بقيود الإجراءات الوقائية. لكنه استدرك قائلاً: نحن نخرج الآن يومياً إلى ممارسة أعمالنا مع الحفاظ على ارتداء الكمامة، وأعتقد أن الخروج في الحدائق والمتنزهات في الهواء الطلق أقل خطرا حتى من التجمع خلال ممارسة أعمالنا أو تجوالنا في الأسواق للتبضع .
الترقب الشعبي لهذا العيد يبدو أنه طغى على عبء جائحة كورونا. توجهنا بالسؤال إلى (أم يارا.. ربة بيت، 30 عاما) عن رغبة الأسرة من عدمها في المشاركة بهذا العيد. أجابتنا أم يارا، بعد حسرة خيمت على محياها، فقالت: متى ينتهي هذا الوباء اللعين، لدي الرغبة بالخروج وأسرتي، لكن خوفي على أطفالي يجعلني أفضل البقاء داخل البيت خوفاً من عدوى الفيروس، ولاسيما في ظل تفشي السلالة الجديدة لكورونا، التي يقال إنها تصيب الأطفال أكثر من غيرهم، وأنا لا أستطيع المجازفة بحياة أطفالي. سألناها عن كيفية استقبال هذه المناسبة داخل المنزل، تقول أم يارا إنه لا يمكن تعويض الاحتفال تماماً، لكن أنا وأسرتي اتفقنا على أن يكون ذلك اليوم استثنائياً داخل المنزل، وسنلجأ إلى حديقة المنزل تحديداً ونزينها ونجلس معاً، والأهم في هذه الظروف أن نكون حريصين على صحة من حولنا .
ومن أجل تسليط الضوء أكثر على المناسبة في ظل جائحة كورونا، واحتمالات خروج الأسر للاحتفال بهذه المناسبة، حاورنا الدكتور (أكرم القاضي طبيب باطنية) وسألناه عن خطورة الاحتفالات خلال هذه الفترة. أجاب القاضي: أن هناك ضرورة للمزيد من التوعية للمجتمع لتعريفهم بشكل أكبر بمخاطر الوباء لأخذ المزيد من الحيطة والحذر، فقد بدأنا نلحظ عدم التزام البعض بارتداء الكمامة. صحيح أن الاحتفال بعيد النوروز يكون في الهواء الطلق وفي الحدائق، إلا أن أية تجمعات من شأنها أن تتسبب بكارثة. وفي سؤال عن الحلول، يضيف القاضي: أن الحلول تكمن في الالتزام الكامل بقيود إجراءات السلامة المفروضة، ونعلم قسوتها، لكن لا بد منها، عسى أن ينتهي هذا الوباء خلال الأمد القريب .
احتفالات النوروز تأتي في ظل أمنيات بأن يعم الأمن والسلام ربوع البلاد وأن ينتهي هذا الوباء اللعين.