“أكيتــــــــــو”.. أول الأعياد التي عرفتها البشرية

39

ريا عاصي/

يعد احتفال رأس السنة البابلية، 6774، أول أعياد البشرية، التي نظمها البابليون في القرن الثاني قبل الميلاد، احتفالاً منهم بيوم الاعتدال الربيعي، الذي اعتبره الأولون عتبة الخصب وباب الخلق، لذلك ارتبطت الأعياد التي جاءت من بعده، لدى مختلف الأقوام في آسيا والشرق، بالخلق.

يصادف هذا العيد موسم الاعتدال الربيعي (آذار- نيسان) ويستمر اثني عشر يوماً يجري خلالها الاحتفال بالإلهين (مردوخ) (ونابو) وبمدينة بابل.
عيد أكيتو في الأصل هو احتفال زراعي كان يقام في فصلي الربيع والخريف، ثم اتخذ بعداً جديداً من خلال ارتباطه بالعام الجديد. جاءت المعلومات عنه من خلال كتابات الألف الأول للفترة الآشورية الحديثة والبابلية الجديدة. العيد في بابل يشتمل على الطقوس والتضحيات والمواكب التي تنطوي على الحكام وتماثيل الآلهة، وتلاوة أسطورة ملحمة الخلق واستقراء الوحي للسنة المقبلة، ولاسيما تثبيت عرش ملك بابل.
ومع أن كهنة معبد مردوخ، ومن بينهم كاهنهم الأعلى، كان لهم مكان بارز في الاحتفالات، فإن لهذا العيد أيضاً أهمية سياسية عميقة، فمع تجدد السنة تتجدد شرعية الملك. لذلك فإن عيد أكيتو هو أحد أسس شرعية الملك وآلهته الرئيسة وكذلك بابل عاصمته الدينية والسياسية.
عيد مقدس
مازال الآشوريون والسريان من الطائفة المسيحية في العراق يعدونه عيداً مقدساً يحتفلون به ويرتدون أزياءهم الفولكلورية ويعدون الحلويات والمأكولات ابتهاجاً بقدوم الربيع وشكراً للرب الذي منحهم عطايا الأرض.
كانت الأقوام القديمة تحتفل بالأرض وبالمواسم، وتقدم الأضاحي والقرابين لجميع الظواهر الطبيعة، إيمانا منها بقوة الطبيعة، لذلك ارتبطت تلك الأعياد بالبذار والتزهير وجني الثمار والمحاصيل.
تذكر الباحثة الأكاديمية الدكتورة (راجحة خضر) في بحثها الموسوم (الأعياد في حضارة بلاد وادي الرافدين) إن “العلامة المسمارية للكلمة (أكيتوم – أكيتو- أكيتي)، لها دلالات متعلقة بالخصب، إذ كان الاحتفال إبان العصور السومرية يقام في العراء خارج أسوار المدن وبالقرب من الأنهار حيث حقول الآلهة. تطورت الفكرة لاحقاً في العصور البابلية والآشورية وبني لها بيت خاص يدعى (بيت الأكيتو) أو (بيت الصلاة)، وهو المبنى الذي تجرى فيه احتفالات الزواج المقدس وتقديم النذور والقرابين. وقد وجدت أدله عليه في أرجاء حواضر العراق القديم، مثل أوروك – أور- نيبور- أوما – بابل – آشور- أربيئيلو ونينوى.”
حصد الزرع وجز الخراف
يعد وادي الرافدين من أول البقاع التي استقر أهلها حول النهر وكوّنوا أول الأقوام المستقرة، تاركين حياة الصيد والترحال ومهتمين بالأرض والإنبات والزراعة. لذلك تطورت الزراعة وتنوعت المحاصيل في وادي النهرين، وتشكلت أعياد وادي الرافدين متأثرة بمواسم الزرع والحصاد، لذا نجد أن أكيتو يمثل عيدين: الأول عند عتبة الربيع في الأول من نيسان عند ظهور القمر، ويستمر 12 يوماً، وهو يتزامن مع بدء ذوبان الثلوج في أعالي جبال وادي الرافدين وامتلاء دجلة والفرات وروافدهما بالمياه العذبة ومصدر هذه المياه هو الإله (أنكي)، فيتهيأ الزراع لحصاد الشعير وجز صوف الأغنام وتلقيح النخيل. وحين تمتلئ المروج بالألوان الزاهية تعلن الأرض عن عودة الإله ديموزي (تموز) من العالم السفلي، الذي يبقى فيه طوال فترة الشتاء، ومن ثم إشهار زواجه من الآلهة عشتار وإقامة الاحتفالات لمدة أحد عشر يوماً وتقديم النذور الى الإله مردوخ لمباركة الزواج والأرض، ومن يومها استمر العيد شعبياً دينياً مقدساً. أما أكيتو الثاني، فيجري عند الخريف في نهاية أيلول، ويمتد حتى منتصف تشرين الأول عند موسم بذار الشعير والحنطة.
يذكر الباحث (سلام طه) في بحثه الموسوم (عيد الخليقة) أن “تجدد دورة الحياة السنوية كان شريعة ثابتة في الفكر العراقي القديم، يتغلب فيها النظام الممثل بالإله مردوخ (مهندس البناء الكوني) على الفوضى الممثلة بـ (تيامات – الإلهة البدائية)، التي يتجدد تهديدها لدورة الحياة في كل سنة، ليستمر الصراع مع مردوخ الذي ينتصر في النهاية ويشطر جسدها الى أرض وسماء، ويقوم بفصلهما من سرّة الأرض في بابل. ومن جوهر هذه الفكرة استقت العقائد اللاحقة فكرة انبعاث الخلق الكوني من (هيولي العمياء).”
دهوك وأكيتو
تجمع محافظة دهوك العديد من الطوائف الآشورية والسريانية والأكادية من الديانة المسيحية، وهم يحتفلون سنوياً بهذا العيد الذي تحول الى عيد جامع لكل الطوائف وموحد لها، كما أنه يعد رمزاً من رموز تقديس الإنسانية والحفاظ على الموروث الشعبي العريق. لذلك تعتبر أيام نيسان الأولى من كل عام كرنفالات فرح وعطاء في محافظة دهوك، حيث يجتمع الناس في أرجاء المحافظة قادمين من كل أصقاع الارض محتفلين بالحياة والعطاء وروح العائلة الكبيرة.
كان الراحل الآثاري الدكتور (عبد الأمير الحمداني) قد دعا الى الحفاظ على الإرث الثقافي وجعل يوم الأول من نيسان (أكيتو) عيداً وطنياً يضم طوائف العراقيين أجمع.