أناملُهنّ لم تتوقف منذ سومر نساءٌ ينسجن حياتهنّ في “إزار السماوة”

108

حسن جوان /

“إزار السماوة”، يُعرف بهذا الاسم، وهو غير المَدّة والبساط المعروفين، فهو يمتاز بنقوش فطرية تدعو للتأمّل، ويحفل بألوان زاهية وتوازنات تشكيلية ظلّت مدعاة للدهشة والتساؤل.
تخصصت بصناعته ثلَّة من النسوة الجنوبيات، وهذه ميزة أخرى تدفع باتجاه فضول البحث عما وراء هذا التخصص وفرصة للبحث في معاني هذه الرموز لقراءة قصص هذه النسوة بخيوط هي أشبه بالحبر السري يكتبن به توقهن وأحزانهن العميقة.
ورغم عدم وجود دلائل تاريخية حتى الآن، إلّا أن بعض الناس يميلون الى نسبة هذا الفن الضارب في القدم الى حضارات عراقية قديمة مثل الحضارتين السومرية والبابلية، لكنه يتمركز الآن على عتبات أور التاريخية عند تخوم أحد الأقضية التابعة لمدينة السماوة التي أخذ منها اسمه المعروف. تابعنا منابع هذا الإزار وسوقه واسترشدنا ببعض المتخصصين لنرد بهذا التحقيق:
خطوة على كتف دجلة
على عتبات سوق الصفارين في بغداد، المطل على النهر، يقع محل أحد أقدم الباعة المتخصصين بإزار السماوة، السيد (عصام الجوهري)، صاحب هذا المتجر، بادلنا الحديث عن هذه الصناعة بقوله:
نحن لا نتحدث اليوم عن سلعة، بل عن تاريخ، لأن هذا النوع بالذات من الإزار، أو الشفّ المطرّز كما نسميه، كان في الأصل يستخدم بطريقة عملية وليست تزيينية كما هو الآن، إذ كانت له وظيفة في البيت العراقي القديم. وهو لا يتضمن شكلاً واحداً لأنه كان متعدد الاستخدامات مثل الفَرشات والأغطية والبسُط وغير ذلك من الاستعمالات التي نجدها في الحقائب وسُرُج الخيل ومحامل الجمال والهوادج أيضاً. في الوقت الحاضر انسحبت وظيفته العملية السابقة وصار الناس الذين يعشقون التراث يقتنون هذه القطع على أنها لون من التراث والفولكلور العراقي القديم النادر.
لكن التحول الكبير حدث بعد المكننة ودخول المستورد البلاستيكي أو الصوف الصناعي، تأثرت هذه الصناعة العريقة كثيراً، ولاسيما أنها صناعة خاصة تحتاج الى جهد وصبر كبيرين في تحضيراتها، ناهيك عن ندرة السيدات اللواتي يتقنّ صناعتها بعد أن عزفت بنات الأجيال اللاحقة عن تعلّم مهنة تحتاج كثيراً من الجهد والوقت ولا تجلب إلا القليل من المكسب لدى منتجيها. كانت هذه المهنة تنتشر سابقاً في مناطق عدة في جنوب العراق مثل الحمزة الشرقي والكفل والسماوة والديوانية لكنها تضاءلت حد الندرة في أيامنا.
(عينكار) من خيوط ملونة
على أن هذه الرموز – يضيف الجوهري- الموجودة على امتداد هذا الإزار هي موزعة في وحدات لها معانيها، ورغم شيوع فكرة التوزيع الفطري لهذه الرموز، لكن المرأة غالباً ما تحتفظ في وسط التصميم بصورة (العينكار) الذي هو رمز سومري قديم يطرد العين والحسد ويجلب البركة للدار، أمّا ما حوله من وحدات فتتنوع بحسب المرأة النسّاجة التي تعبِّر عن أفكارها أحياناً أو مخاوفها فتضع رموزاً متنوعة، فضلاً عن جودة صناعتها أو حبكة خيوطها، لذا لا توجد قطعة تشبه الأخرى غالباً، لأن نسجها تعبير مستمر عن لحظات وظروف غير متشابهة. لكن تبقى نساءٌ مجهولات الأسماء هن من يصنعن هذه المنسوجات، أما نحن الباعة المحترفين فقد ورثنا هذه التجارة منذ زمن بعيد عن آبائنا فنعرف أن هناك نوعيات لا أسماء مثل (نقشة بني سعد) من منطقة الحمزة، و(اللاميّة) التي اشتهر بها بنو لام بالإضافة الى صناعة المدّات المعروفة وغيرهم.
امتداد تاريخي غائر
(باسم عبد الحميد حمودي)، الباحث في الفولكور والتراث، ذكر لنا في حديث مقتضب عن أصل هذه الصناعة العريقة ومدى صلتها التاريخية بالحضارات العراقية القديمة بقوله: إن هذه الصناعة كان قد أشار اليها الآثاري (العلّامة طه باقر) وقال إنها موغلة في القدم، وعن نفسي أقول إنه على الرغم من عدم وجود دلائل تاريخية ووثائق بحسب علمي على مرجعيتها السومرية، إلا أنها تعدّ تشكيلاً شعبياً قديماً يرتبط بالتاريخ الشعبي دون تفسير من المرأة العاملة.. إنه موروث شعبي غارق في القدم التاريخي.
ولادة إزار
في أقصى الجنوب، حيث أحد أهم مصادر هذا المنتوج، يقع مشروع السيدة (التفات خضير)، التي تحتضن عدداً من النساء العاملات في هذه الصناعة، تواصلنا معها لتحدثنا عن مشروعها ودورة حياة الخيط والإزار، تقول السيدة التفات:
مركز مشروعنا في قضاء الخضر القريب من مدينة السماوة حيث يبدأ العمل منذ أولى مراحله بتنظيف الصوف الطبيعي من العوالق والشوائب، ثم تلوينه بطرق تقليدية، بعد ذلك تتولى مجموعة نساء فرز الخيوط والبدء بصبغ الوشيعة بألوان (الكندم والذهبي والكواطع والأسود والأدعم والدقاقي والأخضر والأزرق)، وتحويلها الى كرات جاهزة للغزل. الأشكال التي تختارها النساء لدينا هي على الفطرة، كل ما يخطر ببال المرأة تضعه في الإزار وقتها، (العكّافي والمنارة والطيور والمرأة والجمال والعويرجان واللعّابة والأصابع الثلاث) التي تشير الى عناصر الطبيعة الماء والهواء والتربة، وكل هذه الرموز هي سومرية متوارثة منذ أقدم الأزمان. وقد حاولنا تطوير المنتوج وتنويعه عبر صناعة عباءة و(بشت) وحقائب مع الحفاظ على نفس المنسوج والرموز القديمة فيه، لكننا نصطدم دائماً بمشكلة التسويق، لأن الطلب ضعيف في السنوات الأخيرة ولا قدرة لنا على تشغيل عدد أكبر من النساء اللاتي يُجدن هذا العمل في منطقتنا.
أغنيات الحائكات
الغناء هو تسلية أولئك النسوة الجنوبيات في أثناء العمل الطويل، وربما اخترن مقطعاً أو أبياتاً تعبّر عن شكواهن أو أحلامهنّ بالوالي الذي يعينهنّ على هذه الحياة الشاقة، ولعل الترنيمة التي ذكرتها السيدة عفاف مديرة المشروع تناسب حالهن وهن ينشدن: أتزوّج القصناع وأردنّه والي والرجل مثل البين يالماله تالي.
هؤلاء النسوة يعانين ظروفاً حياتية قاسية، تختم السيدة التفات: مشروعنا يهدف الى تمكين المرأة في قضاء الخضر من تحسين ظرفها، وهي دعوة أتمنى أن تصل الى المسؤولين، لا للمساعدة العينية، بل لتشجيع هذه الصناعة والالتفات الى هذه الفئة من النساء الأصيلات الكادحات باعتماد هذا المنتوج في الهدايا التي تُقدم في المؤتمرات والمعارض الدولية بدل المستورد والمصنوع من مواد بلاستيكية مثل الحقائب ومصغرات القطع التراثية والأثرية المصنّعة خارج العراق.