إطلاق النار العشوائي.. فرحٌ لك ومأساةٌ لسواك

38

ريا عاصي /

أم محمد، أرملة في العقد الرابع من عمرها، لديها ولد واحد هو محمد وأربع بنات، تسكن في حي شعبي، تزوج ابنها وسكن مع زوجته في أحد أحياء بغداد، كان سيُتم عامه العشرين لولا تلك الرصاصة الطائشة.
عند باب المحل الذي يعمل فيه بأجر يومي، اخترقت جمجمته طلقة نارية استقرت في رأسه، وكانت قد مرت في الحي زفة عرس وأطلق المحتفلون عيارات نارية فرحاً بالعريس، لكنهم اطفأوا شمعة بيت أم محمد.
حدث هذا المصاب يوم الأحد الموافق 28 حزيران 2021، في أحد أزقة محلة الرحمانية في بغداد.. وتوفي محمد باسم محمد.
رمي عشوائي
زهراء هاشم، قريبة المتوفى، تقول: “حاولت عائلته نقله إلى أقرب مشفى، لكنهم لم يستقبلوه وحولوه إلى مستشفى الجملة العصبية، وهناك لم يتوفر له سرير في الطوارئ! ثم نُقل إلى مستشفى اليرموك فتوفي بعد أقل من 48 ساعة في ردهة العناية المركزة، إذ لم يتمكن الأطباء من إخراج الإطلاقة من رأسه بسبب عدم استقرار حالته.”
تضيف زهراء: “أم محمد حالتها صعبة جداً، فهي مازالت تعاني من فقدان زوجها الذي أرقده السرطان فترة طويلة في الفراش ما اضطر ابنه محمد لترك مقاعد الدراسة والعمل من أجل العيش وتوفير العلاجات لوالده.”
تستفهم زهراء: “هل فكر رامي الاطلاقات في العرس لحظة في مخاطر ما يفعله؟ أنا واثقة لو أنه فكر في خطورة سقوط الإطلاقات وضجيج صوت الرمي المتواصل والمرعب للناس، لو فكر لحظة قبل أن يضغط على الزناد، لما حلت الكارثة، وتيتمت أخوات محمد مرتين، مرة بفقد والدهن وأخرى بوفاة أخيهن الوحيد بطلق عشوائي.”
لا للرمي العشوائي
سجاد علي (ناشط مدني،23 عاماً) تحدث لـ”الشبكة” قائلاً: “منذ عام 2018 شاركت مع مجموعة من الناشطين والأصدقاء في تفعيل حملة (لا للرمي العشوائي)، وكان هدفنا توعية الشباب بمخاطر الرمي وبيان عدد ضحايا الرمي العشوائي، كذلك من أجل الضغط على مجلس النواب لإدراج جريمة الرمي العشوائي ضمن قانون مكافحة الإرهاب، لتخليص العراق من هذه الظاهرة التي باتت تحصد كثيراً من الأرواح.”
يضيف سجاد: “إحصاءات ضحايا الرمي العشوائي كارثية، وزارة الصحة لا تعلن الرقم الرسمي، لكنها أعلنت في عام 2018 حصيلة عدد ضحايا الرمي العشوائي وكانت 6000 ضحية!! جميعهم فارقوا الحياة.”
تفعيل القانون
“الشبكة” التقت القاضي جاسم كاظم، قاضي محكمة تحقيق الرصافة، الذي قال في هذا الصدد: “يجب أن يوضع حد لبعض التقاليد الموروثة التي أصبحت عبئاً ثقيلاً على مجريات الحياة، فالعراق يخسر سنوياً كثيراً من ضحايا الإطلاقات العشوائية التي يطلقها الناس في الحزن والفرح، وأحياناً لإظهار القوة لدى جهة أو عشيرة ضد اخرى أو لأخذ الثأر.”
ويضيف: “النص القانوني المعتمد في حالات كهذه هو قرار مجلس قيادة الثورة المنحل رقم 570 لسنة 1982 الذي يعاقب مطلق العيارات النارية بالحبس مدة لا تقل عن سنة ولا تزيد على ثلاث سنوات، ولم يعد هذا النص يعيق أو يقلل خطر الرمي العشوائي، فهذه الجريمة لا تؤذي الضحية فقط بل إن المتضرر هو الشارع والحي وساكنوه، وهي جريمة حق عام، ويمكن لأي متضرر أو شاهد أن يرفع دعوى ويفعِّل قضية محاسبة مطلقي العيارات النارية.”
يردف كاظم: “لا ينبغي التواني عن الحق العام، بل يجب أن يجابه هذا الفعل بحملات توعية إعلامية وشعبية عبر منصات التواصل الاجتماعي ومنابر الدين والعشائر، ويجب على المواطن أن يعرف أن من حقه العيش بأمان ومحاسبة من يصادر هذا الأمان حتى لو كان من دوي الإطلاق فقط.”
السيد علي محمد، عم الشاب الضحية محمد باسم محمد، قال لـ”الشبكة”: خسر العراق كثيراً من شبابه في حروبه ضد الإرهاب، وثقب الرصاص منازلنا وبقيت آثار الإطلاقات شواهد على ما خسرناه من أحلام وشباب وأطفال، لذا فإن قضية محمد ليست قضيتي وحدي، بل هي قضية كل بيت عراقي يرفض أن يخسر أبناءه بسبب طيش أحدهم.”
يضيف علي: “رفعنا دعوى على أصحاب العرس، فهم يبعدون 300 متر فقط عن منزل أخي المرحوم وابنه، سبع شبان يحملون الكلاشنكوف ويطلقون النار داخل حي شعبي مكتظ بالسكان، حتماً ستحل كارثة، ولدينا تسجيل فديوي يظهر عشوائية الرمي وطيش الشباب في الزفّة واستهتارهم، خسرت ابن أخي وخسر كثير من الآباء والأبناء والصبية في فوز منتخب أو عرس أو تشييع متوفى، لن نلجأ إلا إلى القانون ونرفض أي حل عشائري، فالقانون هو سيد الجميع، وما دمتُ أبحث عن حق عام فلن أقف مخذولاً، بل سأتذكر كل الأرامل والمفجوعات ودموعهن وسأمضي في قضيتي.”
وناشد علي محمد الاهالي بتوعية أبنائهم من مخاطر السلاح، كما ناشد القوات الأمنية بعدم التغاضي عن مطلقي العيارات النارية، فالقانون واضح وصريح ويعاقب مطلق النار، اذن لماذا نقف مكتوفي الأيدي؟”
وجدير بالذكر أن المرجعية العليا في النجف الأشرف أصدرت في آب من عام ٢٠١٥ فتوى ترفض رفضاً قاطعاً إطلاق النار العشوائي، ونشر موقع مكتب سماحة المرجع الديني الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني نص الفتوى الذي جاء فيه: (لا يجوز إطلاق العيارات النارية بلا مبرّر إذا كان سبباً لإرعاب الناس وأذاهم، ويتحمّل المسؤولية الشرعية كل من يتسبّب في موت او قتل او جرح على تفصيل مذكور في محلّه، وعلى العموم فهذه الظاهرة بسبب ما تستتبعه من السلبيات منافية للعرف والأخلاق وننصح كافة الأخوة المؤمنين بالتجنّب عنها، وفّق الله الجميع لما فيه الخير والصلاح).
وبعد تزايد حالات الوفيات في احتفالات رأس السنة الميلادية عام ٢٠١٥ وبداية ٢٠١٦ وجّه الوقف السني خطباء الجوامع لتنبيه الأفراد والمصلين من مخاطر الرمي العشوائي، والإخلال بأمن المواطن والدولة.
وتحدث في العراق سنوياً بين 5000 إلى 6000 حالة إصابة بمقذوف ناري عشوائي يموت كثير منهم ويجرح آخرون، وينص القانون على محاسبة الجاني وحبسه، إلا أن أغلب الناس لا يعون حقيقة الموت غير المقصود الذي يسببونه بإطلاقهم النار في الهواء، ولا يدركون أن ابتهاجهم العنيف وفرحهم “الناري” سيكون له ثمن باهظ هو حزن وفقدٌ ودموع في مكان آخر.