اغرس شجرة مقابل تسجيلك في المدرسة هل تعمم التربية مبادرة كركوك في مدارسها ؟

79

علي غني/

مبادرة بسيطة، لكنها مهمة، أطلقها محافظ كركوك راكان الجبوري، تشترط غرس شجرة مقابل قبول التلاميذ والطلبة في المدارس الابتدائية والثانوية، كذلك استبدال بحوث التخرج المطلوبة من طلبة الجامعات بغرس شجرة أيضاً. مبادرة مهمة يتساءل كثيرون لماذا لا تعمم هذه المبادرة التي تغرس في عقول الطلبة الوعي بأهمية زراعة الأشجار، وتلك ثقافة جديرة بالتعميم.
في سبعينيات القرن الفائت، فرضت الحكومة العراقية آنذاك على كل عائلة عراقية تبلغ مساحة بيتها (١٠٠ م2) غرس شجرة زيتون ونخلة في دارها، على أن تتكفل برعايتها وديمومتها، وإذا كانت الدار مستأجرة فإن تكاليف شراء وزراعة هذه الأشجار تستقطع من إيجار الدار.
ترى ماذا لو أعيد العمل بهذا القانون؟ فإننا بالتأكيد سنرى خلال فترة قصير حدوث طفرة نوعية في المناخ، إذ كلما زاد عديد الأشجار كلما انخفضت حرارة الجو. كما أن هناك فكرة، قدمها وزير الموارد المائية الأسبق الدكتور حسن الجنابي قبل عشر سنوات، لإنشاء الحزام الأخضر في العراق، وحذر وقتها من مخاطر التصحر، وشخص احتياجات البلد لهذا المشروع الذي لم تتجاوز كلفته آنذاك ملياري دولار، لكننا اليوم وصلنا الى مرحلة أننا إذا ما أردنا أن ننفذ هذا المشروع فإن علينا أن نضاعف حجمه أضعافاً مضاعفة كما أننا سوف نحتاج الى 10 مليارات دولار.
وكانت وزارة الزراعة قد أعلنت أن العراق بحاجة الى 14 مليار شجرة لإحداث التوازن البيئي في البلاد.
أسماء وشتلات
يؤيد مثنى عدنان أحمد، مدير مدرسة ابن الأرقم الابتدائية، فكرة تشجيع الطلبة على غرس الشتلات، ويصفها بالمبادرة الواعدة، مؤكداً أن “الحديقة المدرسية هي عنوان المدرسة، والمنظر الجميل الذي يدخل البهجة الى نفوس طلبتها، متوقعاً أن يتعاون أولياء الأمور مع إدارات المدارس، وأنه كلما ازدادت الخضرة في المدرسة كلما زاد تعلق الطلبة بها ما يشجعهم على الانتظام بالدوام، لأن الخضرة بيئة جاذبة”.
فيما يقول مدير الإشراف التربوي في الكرخ الثانية، فاضل خلف عزيز، إن الدكتور قيس الكلابي، المدير العام لتربية الكرخ الثانية، كان “دائماً يوجه بالاهتمام بالبيئة المدرسية، لذلك وجهنا جميع المشرفين التربويين في مدارس تربية الكرخ الثانية بمتابعة كل الأفكار التي تخدم البيئة وتحد من العواصف الترابية، لأن ذلك يعزز الاجواء التربوية بين التلاميذ والطلبة، إذ تعطي البيئة النظيفة جمالية للمدرسة، وسيتفاعل الطلبة إيجابياً في الاعتناء بالشتلات أو الأشجار التي سيجلبونها الى المدرسة، ولاسيما إذا سجلت إدارة المدرسة أسماء الطلبة على النباتات التي يجلبونها، إذ سيشجعهم ذلك على حب الزراعة، وهذا الأمر سينتقل الى بيوتهم، وبذلك نكون قد قللنا من آثار العواصف الترابية، التي جلّ ما نخشاه أن تصبح مزمنة، وربما تؤدي الى انتشار الأمراض التي تصيب الجهاز التنفسي، ولاسيما التلاميذ الصغار”.
مسابقة سنوية
“هذه الفكرة ليست بجديدة، فنحن في وزارة التربية كنا نقيم كل عام مسابقة سنوية لأجمل حديقة مدرسية في كل مديرية عامة للتربية في عموم العراق، كذلك نطلب من التلاميذ والطلبة جلب شتلات او نباتات عندما يقترب عيد الشجرة ومناسبات الربيع.” والكلام للدكتور فراس طلعت معاون مدير قسم النشاط المدرسي والرياضي في تربية بغداد الكرخ الثانية، مؤكداً أن مديريته فازت بالمركز الأول عام 2019.
وتابع: “كنا سابقاً نتلقى دعماً مادياً مقداره (500) ألف دينار لأحسن حديقة مدرسية، بحسب اللجان المختصة التي تزور المدارس من قبل وزارة التربية، أما بقية المدارس فيجرى تقييمها بوساطة استمارة خاصة يتابعها المهندسون الزراعيون في كل مديرية عامة للتربية، سواء في بغداد أو في المحافظات.”
من جانبه، يقول معاون مدير النشاط المدرسي والرياضي في تربية الكرخ الثانية، وهي الجهة المسؤولة عن تنشيط البيئة أيضاً، إن “بعض الحدائق منتجة، إذ تزرع فيها أشجار البرتقال أو النارنج، أو الخضراوات، كما يمكن استغلال المدرسة أيضاً لممارسة النشاطات العلمية في حصص العلوم والأحياء، وكذلك من أجل الترفيه “.
وناشد الدكتور طلعت الجهات المختصة بزيادة التخصيصات المادية لدعم النشاطين البيئي والزراعي، ولاسيما بعد أن فرضت العواصف الترابية نفسها على الأجواء العراقية، وهنا سنشهد تزايد الاختناقات في صفوف التلاميذ الصغار، ولاسيما المصابين بأمراض الجهاز التنفسي، لذلك علينا أن نستعد لمواجهة تلك المخاطر.
تهديد للشعوب
إلى ذلك، أيدت الدكتورة نهلة حمدي حسين، رئيسة وحدة أبحاث النخيل والتمور في كلية علوم الهندسة الزراعية بجامعة بغداد، ما قاله الدكتور فراس بأن علينا أن نستعد، إذ تراجعت نسبة الأراضي الزراعية بشكل كبير نتيجة للتغير المناخي، الذي ستكون له تبعات كبيرة على الاقتصاد العراقي وكذلك الوضع الصحي والاجتماعي والدراسي، بسبب العواصف الترابية وانتشار التصحر. وعلى الرغم من أن العواصف الترابية ليست بالمشهد الجديد على البيئة العراقية، إلا أن انتشارها بالمستويات القياسية الحالية أصبح ينذر بخطر كبير، فقد أعلنت وزارة الصحة والبيئة أن البلاد ستشهد استمراراً في العواصف الترابية لمدة 243 يوماً خلال العام الحالي.
قليلة الكلفة
إن فكرة تشجيع الزراعة في المدارس والجامعات رائعة، ويمكن تطبيقها من قبل المواطنين، فإذا غرس كل مواطن شجرة كل عام فسيكون نصيب العراق 40 مليون شجرة.
كما دعت الدكتورة نهلة الى “تحويل مبادرة محافظ كركوك راكان الجبوري، المميزة والوطنية، الى واقع عملي، وأن نأخذ بمبادرته بأن يكون غرس نبتة او شجرة أحد شروط قبول الطلاب في المدارس، وأيضاً من شروط ومستلزمات التخرج في الجامعات، اذ يمكن زراعة بذور أشجار كل من: (فرشة بطل، نخيل كناري، كاسيا جالوكا، مورنكا، اكاسيا فرنسيانا، لوسينا، واشنطونيا، باركنسونيا) في سنادين صغيرة وبأقل كلفة لتكون سلاحاً حقيقياً في مواجهة التصحر، إذ تعد من أكثر الأشجار تكيفًاً مع الظروف المناخية القاسية، كما أنها تتطلب الحد الأدنى من الاحتياجات المائية”.
ترحيب بالفكرة
رحبت غالبية المدارس التي تجولت فيها “مجلة الشبكة العراقية” بفكرة زراعة الشتلات فيها، على أن يكون هناك تعاون حقيقي بين البلديات والمديريات العامة للتربية في بغداد والمحافظات، مع توفير الدعم المادي من قبل الوزارة والميسورين وأولياء أمور التلاميذ والطلبة، وتخصيص مكافآت مجزية للمدارس التي تتميز بالحدائق المدرسية الجميلة.
دعم وإشراف
وأبدت كلية علوم الهندسة الزراعية في الجامعة الأم (بغداد) تأييدها ومشاركتها الفاعلة في تنفيذ جميع الأفكار التي يمكنها معالجة العواصف الترابية، ومنها فكرة محافظ كركوك، أو غيرها من الافكار التي تسهم في الحد من ظاهرة العواصف الترابية، وعدتها (واجباً وطنياً) يهم الشعب العراقي بأجمعه.
فقد أكد معاون عميد كلية الزراعة لشؤون الطلبة الأستاذ الدكتور محمد محمود الخشالي أن “جامعة بغداد، ابتداءً من رئيس جامعتها الدكتور منير السعدي، الى عميد كلية الزراعة الدكتور كاظم ديلي وأساتذتها، مستعدة لتقديم الاستشارات الى الجهات التربوية ومديريات البلديات بشأن الشتلات والأشجار التي يمكنها معالجة التصحر، التي تتحمل العطش، وبإمكانها أن تصبح مصدات للغبار، وكذلك التوقيت الناجح لزراعتها، والمتطلبات التي تحتاجها على مدار السنة، لوجود علماء كبار في الجامعة ممن لديهم إنجازات بحثية على مستوى العالم.”