الأزياء الفلكلورية العراقية هوية ثقافية بألوان زاهية

468

ضحى مجيد سعيد /

لا يختلف اثنان على أن الأزياء الشعبية أو الفلكلورية تمثل هوية وتراثاً لأي شعب في بقاع المعمورة. والعراق الذي يتميز بتعددية قومية ودينية، تمثل بمجموعها فسيفساء غاية في الجمال، تختلف فيه الأزياء التراثية وتتنوع على وفق القومية والديانة، ناهيك عن الجغرافية. وفي النقوش السومرية والتماثيل البابلية والآشورية ما يدل على تنوع الملابس التي كان يرتديها الإنسان العراقي، فكان له في كل مناسبة زيّ محدد يستعمله، فالأعياد لها زيّ والطقوس الدينية لها زيّ والعمل زيّه يختلف عن باقي الأزياء. وما تزال الأزياء التراثية حاضرة اليوم في المجتمع العراقي وفي شتى المناطق على الرغم من غزو الأزياء (المودرن) وآخر صيحات الموضة وانتشارها…
“مجلة الشبكة” ارتأت أن تصطحبكم في سياحة ثقافية في الأزياء التراثية العراقية:
الزي العربي.. جذوره سومرية
لا شك في أن الزي العربي للرجال والنساء يحتل الصدارة في مناطق جنوب العراق ووسطه وغربه وشرقه وأجزاء من شماله. يأتي ذلك لما للمكون العربي من ثقل في هذه المناطق. يتألف هذا الزيّ بالنسبة إلى الرجال من العباءة، التي عادة ما تكون مطرزة بخيوط ذهبية أو ألوان تختلف عن لون العباءة، والصاية والدشداشة، باللهجة العراقية الدارجة، فضلاً عن العقال والعرقجين والياشماغ أو الجراوية التي تختلف بألوانها في مناطق الجنوب عنها في مناطق الوسط والمناطق الغربية.
يقول المؤرخون إن كلمة ياشماغ لها جذور سومرية وتعني (شبكة الصيد)، ومن الملاحظ أن الياشماغ أو الجراوية في الجنوب منقوشة نقشاً مستمداً من شكل شبكة صيد السمك، ويكون لونها أسود على أرضية بيضاء. أما في الوسط فنشاهد الغترة أو الياشماغ بيضاء اللون، في حين يكون لون شبكة الصيد أحمر في الياشماغ أو الغترة في الأجزاء الغربية للبلاد.
أما الأزياء النسائية فتأتي متقاربة في الجنوب والوسط وغرب العراق، وأهم ما كان يميز المظهر الخارجي للمرأة العراقية هي العباءة السوداء التي تغطي ثوباً طويلاً ذا لون واحد غامق في أغلب الأحيان، فضلاً عن غطاء الرأس ويسمى (العصّابة) بالنسبة إلى كبار السن، أما الفساتين الزاهية فكانت من نصيب الشابات، وربما يكون الزيّ الهاشمي من أشهر الأنواع.
(سالم عباس)، يمتهن الخياطة أباً عن جَد، يقول إن الطلب ازداد على الزي العربي الرجالي في الآونة الاخيرة، فالطبيعة العشائرية في الكثير من المناطق ساهمت في الحفاظ على الزي العربي الرجالي وساعدت في بقاء الطلب عليه، أما عن أسعاره فيقول سالم إنها تتفاوت وفقا للقماش الخام ونوعه، وخياطة الزي الرجالي الفاخر غالية جداً قد تبلغ أكثر من مليون دينار، ولاسيما إذا كانت العباءة مصنوعة يدوياً، وتسمى أيضاً بـ(البشت)، وثمة أنواع أخرى تكون رخيصة الثمن وهي متداولة في الأسواق.
الأزياء الكردية.. هوية ثقافية
الأزياء الكردية لكلا الجنسين حاضرة في شمال العراق، وهي تمثل هوية عكستها طبيعة الجبال والتلال ولها سماتها الثقافية والاجتماعية.
للاطلاع أكثر على هذا الموضوع التقينا (أبو عمر)، صاحب متجر لبيع الأزياء الكردية الرجالية، فأوضح أن الزي الكردي الرجالي يتألف من قطعتين بلون واحد: الجاكيت والسروال، ويكونان فضفاضَين، ويستعمل معهما قماش يُلف على الوسط يطلق عليه (شوتك)، وغطاء للرأس يسمى (جمداني)، ويستعمل في صنع هذه الأزياء صوف الخراف والماعز حصراً. إن صعوبة صناعة قماشه وخياطته تحول دون إنتاجه في المصانع، لذلك استمر إنتاجه يدوياً في محال خياطة الأزياء.
هناك نوع آخر منتشر بين الكرد يطلق عليه (كورتك وشروال)، وهو أيضاً يتكون من قطعتين: جاكيت وسروال وحزام للوسط مع غطاء للرأس، وتستخدم في خياطته شتى أنواع الأقمشة المستعملة في صناعة الملابس الغربية. أما بالنسبة إلى الأزياء الكردية النسائية فتتميز ببريقها ولمعانها وألوانها الصارخة التي تسرُّ الناظر وتستقطب الانتباه حتى من مسافات بعيدة.
(تارا إحسان)، مصممة أزياء كردية نسائية حدثتنا قائلة: إن أزياء المرأة الكردية تتألف في هيئتها الاعتيادية من دشداشة طويلة تغطي في الغالب أخمص القدمين، ذات كُمَّين طويلين يرتبطان بذيلين مخروطيين طويلين أيضاً يسميان في اللغة الكردية (فقيانة)، وعلى الأغلب تخاط هذه الدشداشة من قماش شفاف جداً ذي خيوط حريرية ناعمة الملمس ومطرزة بأنواع مختلفة من المنمنمات والحراشف المعدنية البراقة الشبيهة بحراشف السمك. وترتدي المرأة الكردية تحتها قميصاً داخلياً رقيقاً وحريرياً، لكنه ذو لون داكن وغير شفاف ليصبح بمثابة خلفية عاكسة للدشداشة الشفافة. تستطرد تارا قائلة: إن الأزياء الكردية لم تطرأ عليها تغييرات كبيرة في التصميمات الجديدة إنما هناك أمور طفيفة تبدلت في الأزياء النسائية الكردية، وأكدت أن الأزياء الفولكلورية النسوية ما تزال في شمال العراق حاضرة بقوة، ولاسيما في المناسبات، لكنها ليست ملائمة ربما للعمل في وظائف الدولة، لذا تكاد تكون معدومة في الحياة اليومية الاعتيادية.
الأزياء المسيحية.. من بابل وآشور
في شمال العراق مكونات أخرى غير الكرد، لهم أزياؤهم التراثية أيضاً. فالطائفة المسيحية تنتشر من الموصل إلى أربيل وصولاً إلى شقلاوة ودهوك ومحافظات أخرى، لهم من الأزياء التراثية ما يعكس عمق تاريخهم في بلاد ما بين النهرين أيضاً. ومن أشهر الأزياء المسيحية الزي الفلكلوري السرياني والآشوري المشهور باسم (الخومالا)، أو زيّ الزينة، الذي يتميز بألوانه الزاهية.
المهتمة بالأزياء الفلكلورية السريانية (جان دارك هوزايا)، المقيمة في أستراليا ومؤلفة كتاب (أزياؤنا التراثية – بابلية آشورية)، تقول: تراثنا وتاريخنا يتواصلان مع الحضارة البابلية الآشورية المتجسدة في الألواح والأختام والنقوش والرسم على الجدران والسقوف، التي رفدت الأزياء بجمالية ساحرة امتازت بالبساطة في التصميم وبألوان عميقة وقوية ومطعمة بأشكال هندسية أو أزهار أو نجوم، وفيها دلالات تاريخية، وأحياناً رموز تظهر منقوشة على بعض قطع الزيّ، تضيف هوزايا: إن قطع الأكسسوارات التي ترتديها النساء كثيرة الشبه بتلك التي اكتشفت مع مقتنيات الملكات في بلاد ما بين النهرين التي تمتد إلى الأعماق السحيقة للتاريخ.
ومن أجل الوقوف أكثر على تفاصيل الأزياء الفلكلورية الآشورية والسريانية، التقينا الخياط (ستيف يوحنا)، الذي ورث مهنة الخياطة عن والده، ليطلعنا على تفاصيل هذا الزيّ والإقبال عليه، يقول ستيف إن الزي يختلف من منطقة إلى أخرى، وكان يلبس في مناسبات الأفراح ‏والزواج فقط، لكنه في العقود الأخيرة أصبح أكثر انتشاراً، ويتم ارتداؤه والتزين به في المناسبات ‏الوطنية والأعياد القومية إلى جانب مناسبات الأفراح والزواج، فالزيّ الفلكلوري النسوي في عنكاوة، التي تقطنها غالبية مسيحية، يتألف من الفستان أو ما يسمى (الشوقتا) من أنواع مختلفة من الأقمشة وفوقها (القبايا) ثم (البصلما)، وهناك نوع ‏من الشال يغطي الرأس يسمى (كرموكا)، فيه طاسة مصنوعة من الفضة أو الذهب، وتزين الرقبة بحلي تسمى (كردانة).
أما الزيّ الرجالي فيتميز بغطاء الرأس الذي يسمى (كوسيثا)، مصنوع من صوف خاص أسود يُزيّن ‏بريش طويل ملون، ‏فضلاً عن القميص المفتوح من الصدر والسروال والشال الذي يطرز باليد من خيوط البريسم وحزام صوفي يسمى (خرخاصا).
سألنا الدكتور (روبين بيت شموئيل)، مدير عام الثقافة السريانية في أربيل عن الأزياء التراثية السريانية ومقدار الطلب عليها فأجابنا: الطلب على الأزياء التراثية محدود وقليل عموماً، وهذا ما نراه في أزيائنا أيضاً، ونحن نرتدي هذه الأزياء في المناسبات القومية والدينية والاجتماعية مثل الاحتفالات والمهرجانات ورأس السنة الآشورية البابلية التي تسمى بلغتنا الأكدية الأم (أكيتو)، وفي زيارات القديسين وتذكارات رجل الكنيسة وفي الأعياد المسيحية وفي مناسبات الزواج والعماد وغيرها.
أزياء التركمان.. فخامة مبهجة
التركمان في كركوك والموصل وبغداد وبعض المحافظات الأخرى لهم زيّهم التراثي أيضاً كباقي مكونات العراق العريقة، فالزيّ الرجالي كان وما يزال يسمى بالبغدادي، ويتألف من قميص أبيض بدون أكمام فضلاً عن سروال متسع مع رداء واسع أشبه بالصاية، إضافة إلى الجاكيت والحزام وطاقية الرأس التي تسمى بـ(العرقجين). تعود أسباب تسمية الزيّ التراثي التركماني العراقي الرجالي بالزي البغدادي إلى كثرة انتشاره في بغداد في حِقب غابرة، ونظراً لاختلافه عن الزيّ العربي وانتشاره في بغداد، كما يقول المؤرخون، أطلق عليه أيضاً اسم الزي البغدادي، أما الزيّ التراثي النسائي للتركمان فيسمى أيضاً بالأناضولي أو العثماني. يقول (سيف أركان)، صاحب متجر لبيع الأزياء الفلكلورية: إن هذا الزي النسائي يصنع من الأقمشة المزخرفة ويتألف من (اليلك)، وهو رداء طويل حتى الذيل يلبس فوق القميص ويكون مفتوحاً من الأمام، ويلف حول الخصر حزام من الحرير أو الكشمير أو المعدن. وكانت النساء التركمانيات يلبسن البرقع أيضاً بالإضافة إلى القبعة الخاصة، فضلاً عن سروال فضفاض.
يقول سيف إن الأزياء الفلكلورية ليس لها موسم معين وعادة ما يكون الطلب عليها في المناسبات، ولاسيما من النساء. يستطرد قائلاً إن الأزياء الفلكلورية يتم ارتداؤها في المهرجانات وحفلات المهر وعقد القِران، أما الأسعار فهي متباينة وترتبط بقيمة القطعة والتصميم، فعندما تكون صناعة يدوية يرتفع ثمنها كثيراً، فالأزياء العراقية التراثية تمتاز بالفخامة وتستهلك وقتاً ومجهوداً ومواد أكثر، لذا فإن ثمن القطعة الواحدة من الزيّ الفلكلوري يتراوح بين 1000 إلى 2000 وأحياناً 5000 على وفق الجهد والعمل والأقمشة والزخارف الموضوعة في هذا الزيّ.
الأزياء الإيزيدية.. احذروا اندثارها
الملابس التراثية الفلكلورية الإيزيدية، للرجال والنساء، لا تختلف عن الزي الكردي كثيراً، لكن لها مواصفات تميزها، فضلاً عن وجود ألوان مرغوبة دون غيرها كالأبيض والأخضر والأصفر والأحمر ومشتقاتها. تشير المعلومات إلى وجود تباين مناطقي بين أزياء الإيزيديين النسائية والرجالية، فأزياء أهالي سنجار (124كلم غرب الموصل) تختلف عن أزياء أهالي شيخان أو بعشيقة (شمال الموصل) وغيرها.
ومن أجل الاطلاع أكثر على تفاصيل هذا الزيّ، التقينا الخياط (بركات خدر)، وهو من الطائفة الإيزيدية، يقول خدر إنه منذ طفولته يعشق هذه الأزياء حتى أصبح خياطاً متخصصاً فيها، ويوضح أن الشغل اليدوي في هذا النوع من الأزياء لا يستطيع أي خياط آخر عمله، فهو بحاجة إلى مهارة، هناك أيضاً قطع من هذا الزي تخاط بالماكنة، مشيراً إلى أن الأجور مختلفة وفقاً لنوع القماش وتعدد القطع. ويشير خدر إلى وجود انحسار في الاهتمام بالزيّ الإيزيدي التراثي، يستدرك بالقول: هذه ليست مشكلة الإيزيديين فقط، بل هي ظاهرة عامة في عموم الشرق الأوسط والعالم، إذ تزحف الموضة الغربية لتزيح تلك الأزياء وتدفعها نحو نفق النسيان والاندثار، على حد تعبيره.
أزياء الشبك.. الاندماج في الطبيعة
المكوِّن الشبكي يمتلك زيّاً تراثياً أيضاً، لكنه على وفق ما يرى كثير من المتخصصين في عالم الأزياء الفلكلورية يختلف عن بقية الأزياء كونه يتطبع بجغرافيا المكان إذ يكون مشابهاً للزي العربي والمكونات الأخرى وذلك نتيجة التعايش والاختلاط الاجتماعي والطبيعة.
أزياء الصابئة.. بياض النقاء
في جنوب العراق أيضاً توجد طائفة الصابئة، ومن أجل الاطلاع على الأزياء التراثية للصابئة حاورنا السيدة (صفا مغامس)، أستاذة جامعية من طائفة الصابئة المندائيين، تقول صفا إن الزيّ المندائي يتميز باللون الأبيض الذي يرمز إلى النقاء والطهارة ويحاكي النور والبهاء، وأوضحت أن أجزاء الزيّ تتكون ابتداءً من (المانا)، وهي العمامة التي تعبر عن المعرفة في العقل، و(الهيانة)، أي الحزام، و(الكسوة) وهي القميص، و(النصيفة) وتعني السراويل.