الأكلات الشعبية في أربيل تراثٌ أصيل زاحمته الوصفات الجاهزة

320

 ضحى مجيد سعيد /

تشتهر معظم بلدان بقاع المعمورة بإعداد أطباق ووجبات طعام تتميز وتختلف عن بعضها، إذ تتفاخر الشعوب بإرثها الحضاري وبموروثها الشعبي من فن وأدب وتاريخ، فضلاً عن ثقافة الطعام الماثلة في الأكلات الشعبية ذات الطابع التراثي.
في المحافظات الشمالية للعراق هنالك وجبات طعام شعبية شهيرة، لا شك في أنها جزء من الأكلات الشعبية التي تشتهر بها معظم محافظات العراق، من أبرز الأكلات الشعبية (كباب أربيل) الذي لا يرد ذكره إلا مقترناً بـ(لبن أربيل)، فضلاً عن أكلات أخرى مثل: (الترخينة، ونسيك برنج، وشير كيشكه ي وكولاي كولندي)، فضلاً عن الدولمة وكبة الحامض. والحق أن المطاعم في كردستان العراق كثيرة، لكنْ قليل منها مايزال محافظاً على أصول صناعة الطعام التقليدي، المتمثل في الأكلات الشعبية التي كانت تُعد في مطابخ البيوت.
“مجلة الشبكة” ستصحبكم في رحلة قصيرة لمعرفة تفاصيل أكثر عن تلك الأكلات ومحبيها وصانعيها.
(هفال محمد) -٦٠ عاماً، صاحب مطعم في أربيل متخصص في تقديم الكباب- يقول إنه توارث هذه المهنة عن والده، وفي الأعوام المنصرمة تمكن من تطوير ديكورات المطعم بناءً على أفكار أولاده مع الحفاظ على طبق الكباب ذاته. وعند سؤالنا عما يميز الكباب الشمالي عن الكباب في سائر المحافظات الأخرى أجاب هفال محمد قائلاً: نحن لا نضيف أية نكهات إلى الكباب، بل نعتمد في إعداد هذا الطبق على اللحم الخالص ونمزج معه ما تسمى باللهجة العراقية (الليّة)، ثم تتم عملية الشيّ، مع رش السماق كخيار يضاف إلى الكباب وفقاً لرغبة الزبون، وفضلاً عن ذلك نقدم خبزاً ساخناً ومقبلات متنوعة.
للحديث والتعرف أكثر على سائر الأكلات الشعبية في المحافظات الشمالية للعراق التقينا السيدة (ريتا بشدار) -٣٥ عاماً، طاهية محترفة في منزلها، ولديها صفحة في مواقع التواصل الاجتماعي تبيع عبرها وجبات الطعام الفولكلورية والشعبية- تقول بشدار : إن أغلب الطلبات تأتي على أكلتي الدولمة وكبة الحامض، وعادة ما يزداد الطلب عليها في نهاية الأسبوع. سألناها: لماذا يزداد الطلب على هذه الأكلات على الرغم من وجود مطاعم كثيرة؟ فأجابت: إن هذه الوجبات يُقدَّم بعضُها في المطاعم، لكن لا يمكن لأي طاهٍ أن يُعدّها كما السيدات أو ربات البيوت، فهن تعلمن إعداد هذه الوجبات من أمهاتهن وتوارثنها جيلاً عن جيل، ولا يمكن لأي رجل أن يعد هذه الوجبات كما النساء، بل إن طهو هذه الأكلات يختلف من سيدة الى أخرى، لذا يزداد الطلب على الأكلات التي تعدها ربات البيوت. تضيف ريتا بشدار: روّجت عبر مواقع التواصل الاجتماعي لهذه الأكلات، وفعلاً كان هناك إقبال جيد وأغلب الطلبات اليوم لا تأتيني من المطاعم فقط، بل حتى من الأسر، ولاسيما أن أغلب الفتيات اليوم -مع زمن العولمة- لا يتقنَّ طبخ هذه الأكلات على نحوٍ جيد.
ومن بحثنا في هذا الموضوع وجدنا أن أكلة (توجمة) هي إحدى الأكلات الكردية الشعبية، وقد تحدثنا بصددها مع السيدة (تارا إحسان) -ربة بيت، 30 عاماً- وسألناها عن تفاصيل هذه الأكلة، تقول تارا: إن أكلة “توجمة” هي إحدى الأكلات الكردية المعروفة البسيطة وقليلة التكلفة، وبالإمكان أن تُعدّ في المطاعم والبيوت على حد سواء. استطردت تارا قائلة: إن أكلة الدوشمة عبارة عن خليط من القرع (الشجر) والطماطم واللحم، يتم حشو القرع باللحم المفروم والرز المسمى الرز الكردي ويطبخ بصلصة خاصة مكونة من معجون الطماطم وقليل من الفلفل الأسود والليمون دوزي. وتؤكد السيدة تارا أن الأكلات الشعبية الفولكلورية الموروثة تحتاج إلى جهد ووقت طويلين لإعدادها. سألناها عن أسباب اندثار كثير من الأكلات الشعبية في الوقت الراهن، فأجابت: إن أغلب الشباب اليوم يتجهون إلى الوجبات السريعة نظراً لضيق الوقت ربما أو لسهولة إعداد الوجبات السريعة.
الأمر المؤكد أن الأكلات الشعبية موروث ثقافي، ولكل منطقة أو مدينة ثقافتها الخاصة في الطهو. اتجهنا في بحثنا الى (جلال خورشيد ابو كاروان) -٤٥ عاماً، صاحب مطعم متخصص بالأكلات الشعبية الكردية والعربية والغربية- وسألناه عن أسباب شهرة مطعمه بالأكلات الفولكلورية عن غيرها على الرغم من وجود أكلات أخرى في قائمة أطباق المطعم، فأجاب: المحافظات الشمالية يقصدها السائحون، وهم يحبون عادةً تذوق الأكلات الكردية الشعبية، فضلاً عن أن كبار السن من سكان المحافظات الشمالية يفضلونها على غيرها من الأكلات لأن مكوناتها يمتزج فيها العنصران النباتي والحيواني الخالصان، كما يُعتمد في طهو بعضها على الدهن الحر. أما عن أسعار هذه الأطباق الشعبية، فيقول: إن أغلب هذه الوجبات يحتاج إعدادها إلى جهد ووقت، لذلك تكون أسعارها مرتفعة قياساً بالأكلات السريعة.
فضلاً عما ذكر من وجبات وأطباق طعام كثيرة لا يمكن إغفال لبن أربيل الشهير الذي يعرف بنكهته (المدخنة) وقد ذاع صيته في العراق. وتبقى الأكلات الشعبية -وفق رأي كثيرين- أفضل من وجبات الطعام السريعة من حيث الصحة، كما أنها تمثل موروثاً وهوية لبعض محافظات العراق وسط مطالب بالحفاظ عليها في ظل شيوع الوجبات السريعة، فضلاً عن دخول وصفات الطعام الغربية والعربية إلى المطعم الكردستاني ما يهدد باندثار وجبات طعام تشتهر بها محافظات كردستان العراق.