الابتزاز الإلكتروني!

90

آمنة عبد النبي /

داخل صفحات البيج الفضائحي المخصص لاصطيادِ لحظات الضعف الجسدي المحذورة وجعلها مادة غرائزية دسمة للتشهير على مواقع التواصل الاجتماعي كافة، كان الخفّاش البشري يُدير أكبر عصابة ابتزاز وترهيب وتسقيط في العراق، إذ عُثر في موبايلاته الشخصية على أكثر من ألفي مقطع فيديو إباحي ومركَّب، ومئات الصور الإيحائية الخاصة بنجمات السوشيال ميديا ممن وقعن ضحايا جهل ونصب واحتيال في شباكه.
قُبض عليه متلبساً أمام بوابة إحدى شركات الصيرفة التي كان يقصدها لسحب حوالة بقيمة مئة ألف دولار (فدية) عن آخر عملية ابتزاز إلكتروني!
دعارة واحتيال
في مديرية استخبارات الكرادة في العاصمة بغداد اقتيد المتهم (ع.ع.خ) إلى مكتب ضابط التحقيق بعد أن قُدمت، سابقاً، ضده شكوى سرِّية من فتاة، ليروي تفاصيل شبكته الابتزازية، قائلاً: أعمل في الابتزاز والفضائح وأنا موكل بتسلّم الأموال ضمن شبكة عنكبوتية مكوّنة من أسماء نسوية معروفة في السوشيال ميديا ومحل إقامتها خارج العراق، والدور الذي أضطلع به يشبه حلقة الوصل ما بين الشبكة والضحايا بالتشهير بسيدات مجتمع معروفات، إذ ترد إلي الإشارة من الشبكة بفضح الشخصية الفلانية بعد أن تُرسل لي الفيديوهات والصور الخاصة بها، فتبدأ طريقتي المعتادة عبر البيج الذي أديره ويبلغ عدد متابعيه أكثر من ثلاثة ملايين متابع! أما علاقتي بتلك الشبكة الخفية وكيف انضممت إليها فقد حصل ذلك أيضاً عبر البيج الذي أبوابه السرِّية مفتوحة للتواصل مع أيِة فنانة أو مودل معينة، إذ تتبع أغلبهن طريقة الإخضاع العاطفي والجسدي الذي تصور من خلاله لأي شخص من أصحاب البيجات الكبيرة بأنها ترغب فيه وتتودد له في علاقة عاطفية مفتوحة. هذا الإغراء يستمر لفترة بطرق متعددة ومغرية، إلى أن يبدأ الخضوع لكلِ ما نطلبه، هنا يظهر الهدف الحقيقي لطبيعة العلاقة التي ستتطابق مع فكرة تمويل البيج من خلال التشهير فنعمل سوية ضمن كروب سري فضائحي للابتزاز.
كراهية وغباء
“أن يبتز رجلٌ امرأة فذلك أمر طبيعي ربما، لكن أن يكون المبتز الخفي للضحية هو امرأة قريبة لها، فتلك منتهى الكراهية والانسحاق!” كان ذلك أحد أنواع الابتزاز الغريبة التي تعرضت لها السيدة العراقية المعروفة إعلامياً (أ.ع) الساكنة في العاصمة ستوكهولم، إذ سُرق هاتفها وجرى السطو على صورها الشخصية بكل وقاحة، كما تقول: قبل خمس سنوات جئت لاجئة إلى السويد وحصلت فيها على حق الإقامة الإنسانية. أثناء سنوات اللجوء تزوجت أحد الرجال المقيمين هناك، كانت لديه زوجة عراقية لم تستمر الحياة بينهما لأسباب قديمة فانفصلا. جرت الأمور في البدء على ما يرام دون أن تتدخل إحدانا في حياة الأخرى، لي حياتي الخاصة ولها حياتها. لكن مع مرور الأيام اكتشفت أن المرأة تضمر لي قدراً كبيراً من الكراهية، كما كنت أتوقع، وقد حدث ما كنت أخشاه لكن بطريقة بشعة ولئيمة، ففي أحد لقاءاتها بطليقها (الذي هو زوجي) سرقت هاتفه وسطت على كل صورنا الشخصية. هنا على الفور ذهبت إلى مركز الشرطة وقدمت كل الدلائل التي أرسلتها لي بكل غباء بعد أن زلَّ لسانها، الشرطة على الفور كلفت ضابطة بمتابعة التحقيق وخصصت لي محامية أيضاً، وأرسل استدعاء إلى المبتزة لإتمام التحقيق، كما أني أرسلتُ أيضاً إبلاغاً إلى الأمن الوطني العراقي ودونت الأدلة. بعد مدة من الزمن توسط أفراد أسرتها وتعهدوا بإنهاء رعونتها وأرسلوا جميع المسروقات لكي أنهي تكليف الجهات المعنية في العراق وخارجه.
تجارة وضياع
“المبتز كائن متوحش مهمته الضغط نفسياً بأقصى خيارات الابتزاز لدرجة أنه لا يترك للضحية أي خيار، ولاسيما إذا كانت فتاة، سوى الانتحار أو الهروب خارج العراق.” هكذا بدأ المختص الأمني (المقدم عزيز ناصر) حديثه المتعمق بقضايا الشبكات الابتزازية وأساليبها ودوافعها العصابية قائلاً: الشبكات الظلامية تختار ضحاياها على الأغلب من النساء، لأن قضية الشرف في مجتمعاتنا مرتبطة بسمعة العائلة، ولاسيما المرأة المثقفة، وقطعاً الرجال هنا ليسوا بمعزل لأن أخطر ما في الابتزاز الإلكتروني أنه يستهدف الشريحة المثقفة التي إذا سقطت سقط المجتمع. هنالك رجل يعاني فراغاً عاطفياً او كبتاً جنسياً قد يقوده إلى منافذ خفية تصطاده بسهولة من نقاط الضعف الغريزي والجهل الإلكتروني سواء أكانت الشبكة تعود لامرأة أم لرجل، أو مثلاً هنالك من يدفعه الفضول والاغترار الإلكتروني بفردِ عضلاته أمام العالم، كما فعل مراهق عراقي (قرصَنَ) موقع صحيفة عالمية. المشكلة لدينا حينما يتمكن شخص جاهل من ابتزاز آخر يحمل شهادة دكتوراه فإن السبب ليس في انحطاط المبتز وإنما في الضحية الذي أخطأ بعدم التبليغ وطلب السرِّية الكاملة. لذلك نجد أن المبتز تمكن منه بسهولة وتحكم في كل شيء. ولدينا أيضاً طالبة في كلية الصيدلية ارتبطت بشخص بسيط، وأثناء العلاقة أرسلت له صوراً عادية فقام بتهديدها بأنه سينشرها ويسيء لأسرتها المعروفة إذا لم ترسل له مقطع فيديو، وبطبيعة الحال هنا الضحية ستفقد توازنها النفسي ولا يمكنها إخبار ذويها أو الوثوق بصديق أو قريب فتستجيب له بكل بساطة، ولكن بعد أن أُغلقت أمامها جميع الأبواب اتصلت بنا عبر الهاتف السري لوزارة الداخلية ونحن بدورنا طمأنّاها تماماً وتعهدنا لها بسرِّية كل شيء وفعلاً أتممنا المهمة بنجاح.
جهل واستغلال
“هنالك فرق محاربة ابتزاز كثيرة ومنتشرة في مواقع التواصل الاجتماعي ظاهرها حماية الضحايا وباطنها فخاخ لابتزازهم مرة اخرى.” (علي عبد النبي)، خبير أمن مواقع التواصل الاجتماعي، تحدث عن أساليب المتاجرة الرخيصة بكرامة الإنسان وخصوصيته قائلاً: كل مستخدم يظهر بصورته واسمه عليه الحذر من الجهل الإلكتروني أولاً وتحصين نفسه ثانياً، هنالك شبكات مغربية وتركية وعربية مهمتها اصطياد ما في الجيوب لأن غالبية حالات الابتزاز التي أشرفتُ على كشفها وتحديد هوية المبتز المتخفي، إضافة إلى إرجاع الحسابات (المهكّرة)، كان سببها يعود إلى جهل الفرد العراقي بآلية استخدام مواقع التواصل الاجتماعي، لأن الثقافة الإلكترونية الشائعة هي بالأساس مفاهيم جديدة. لذلك أنا أكرر دعوتي المنهجية التي عرضتها على وزارة التربية عن فكرة الثقافة الإلكترونية آملاً تنفيذها مستقبلاً، وتتلخص في تثبيت منهج تربوي خاص بالمدارس ضمن مراحلها طالما أن العالم يتجه نحو التحكم بنا وبحياتنا ضمن شاشة ذكية. وعليه يجب إدراج المنهج كمادة دراسية، وبذلك فإن الضحية هنا ستكون لديه خبرة لحماية نفسه وحسابه. وأود الإشارة أيضاً إلى ما تفتقر إليه دوائرنا الأمنية المختصة، فكل مراكز الشرطة تقريباً خالية من متخصصي الابتزاز ومحاربيه، وهذه الموضوعات تحتاج سرعة ودقة وخصوصية لا يجيدها إلاّ المتخصص.
قوانين وثقافة
الناشطة البلجيكية في منظمة “هيومن” الأوروبية، والباحثة الأمنية في مجال السايكولوجيا (لارا هامس) تحدثت عن مجال الحريات الشخصية في أوروبا وتطرقت إلى الخصوصيات الإنسانية المحاطة بسلطة التشريعات القانونية قائلة: فكرة الاختراق والابتزاز بكل أنواعها مرفوضة مجتمعياً في أوروبا قبل أن تكون مقيدة قانونياً لدرجة أن لا أحد يتجرأ على إشاعتها، وإذا ما حدثت فلا أحد يتردد في إبلاغ الجهات المختصة على الفور، لأن اختراق خصوصيات الآخرين والرغبة في إيذاء ذواتهم وأجسادهم لا يفعله سوى مجموعة أشخاص مكبوتين ومهزوزين يعانون من نقص ما أو من بعض الاضطرابات النفسية الخطيرة، لكنهم لا يجدون تعويضاً لذلك النقص وذلك الشعور السيئ سوى في اختراق حياة الناس والتلاعب بها، القضية تحتاج إلى تشخيص الثغرات السايكولوجية علاجياً فضلاً عن تنشيط الجانب المجتمعي والأمني الذي يخلق ثقافة احترام الحريات الشخصية.