الانتحار بين مطرقة الإباحة وسندان القانون

129

#خليك_بالبيت

د. خنساء محمد الشمري /

ربما كانت (ملاك) ملاذاً في تلافيف الظلام تستنطق القلم وتهجو الحروف أن أسجل وأسطِّر سيناريو خوف أنثوي، البطلة فيه تملك جاهزية الرحيل إلى المجهول دون عودة بقارب مثقوب أهداها إياه مخرج لاهث. حضرني قول مأثور للفيلسوف
Albert Camus: ”
في النهاية يحتاج المرء إلى شجاعة أكبر تبقيه على قيد الحياة بدل أن يقتل نفسه.”
وتعبر Janette Wills عن المعنى ذاته بعبارة شهيرة “يعتقد المنتحر أن انتحاره يوقف الألم، ولكن كل ما يفعله هو تمرير الألم لمن تركهم خلفه”، ولن أدين المنتحر حتماً وأنعته بجبان أو قاس وقد دفع فاتورة باهظة الثمن وعقد مع الحياة هدنة أبدية.
ولأن القانون صنعتي وحرفتي سأتحدث بلغته نيابة عن صرخات نون النسوة وكثير منها أسكتها الموت وما زال كثير منها ينادي: واقانوناه.
لقد توصل Thomas Joiner أستاذ علم النفس في جامعة فلوريدا إلى نموذج واقعي في تفسير ظاهرة الانتحار منطلقاً من نقطة جوهرية هي الرغبة في الانتحار وتقوم على معيارين أساسيين هما (الانتماء المحبط والقصور العبئي)، ويمثلان اللبنة الأساسية في الاستعداد النفسي لتنفيذ خطة الوداع بين مطرقة انعزال نفسي متأزم وسندان الهروب من المواقف السيئة، وفي صراع خفي مع غريزة حب الحياة وتطويع للنفس على استلذاذ ألم الرحيل. وبذلك يتجاوز المقدم على الانتحار حاجز الخوف من الأداة التي يسخِّرها للوصول إلى ذلك. فالانتحار إذاً هو النتيجة النهائية لحالة مرضية عقلية، وهو سلوك إنساني يصدر عن أفراد المجتمع. ولما كان القانون هو مجموعة القواعد التي من شأنها أن تحافظ على حياة المجتمع وتضمن تطوره، فإن إطاراً قانونياً لتجريم هذا السلوك قد وضع له، والمصلحة المعتبرة من التجريم هي حماية الحق في الحياة، الذي تمس جريمة الانتحار حرمته وتهدده.
إن المتأمل لنص المادة 408 من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 سيجد أن المشرع العراقي في هذا القانون لم يعاقب على الانتحار أو الشروع فيه، بمعنى أنه لا عقاب في حالة إتمام الجريمة لأن الجاني والمجني عليه يكون شخصاً واحداً، بينما نظمت بعض التشريعات المقارنة عقوبات على الشروع في الانتحار مثل القانون الهندي والسويسري والإنكليزي والجزائري، إلا أن المشرع العراقي عاقب على المساهمة في جريمة الانتحار بصورتيها؛ التحريض والمساعدة، وبذلك تعد هذه الجريمة ذات ذاتية خاصة إذ يعاقب المحرض أو المساعد ولا نصّ على معاقبة المُقدم على الانتحار أو المنتحر، وفي ذلك خروج عن القواعد العامة في المساهمة الجنائية وتنص المادة 408 بأن:
1. يعاقب بالسجن مدة لا تزيد على سبع سنوات من حرّض شخصاً أو ساعده بأية وسيلة على الانتحار إذا تم الانتحار بناء على ذلك، وتكون العقوبة الحبس إذا لم يتم الانتحار ولكن شُرع فيه.
2. إذا كان المنتحر لم يتم الثامنة عشرة من عمره أو كان ناقص الإدراك أو الإرادة عدَّ ذلك ظرفاً مشدداً ويعاقب الجاني بعقوبة القتل عمداً أو الشروع فيه بحسب الأحوال إذا كان المنتحر فاقد الإدراك أو الإرادة.
3. لا عقاب على من شرع في الانتحار.
ويشترط لتحقق الجريمة أن يصدر من الجاني سلوك أو نشاط يمثل مساهمة في الجريمة بصورتي التحريض أو المساعدة وان يتمخض هذا السلوك عن نتيجة وأن تكون هناك علاقة سببية بين النتيجة والسلوك الإجرامي. هذا بالنسبة للركن المادي، ويتحقق نشاط الجاني بالتحريض على جميع الأفعال التي من شانها إذكاء فكرة الانتحار عند المُقدم على الانتحار وتقوي عزمه على إزهاق روحه، وهكذا يستند التحريض إلى عنصر نفسي دون أن يشتمل على وسائل مادية. أما المساعدة فإنها تنطوي على كل سلوك يساعد أو يسهل تحقيق مهمة المقدم على الانتحار، وتتضمن بالضرورة وسائل مادية ومعنوية، ومثال الأولى أن يعطي الجاني المادة السامة وكيفية استخدام المسدس، أما النتيجة بمعنى أن المنتحر أقدم على الانتحار بناء على تحريض الجاني أو مساعدته، ولولا هذا الأخير لما أقدم على الانتحار. وعليه فان المحرض أو المساعد لا يعاقب إذا فشلت جهوده في حمل الشخص على الانتحار، كما لو أعطى الجاني للمجني عليه مسدساً ثم سحبه من الراغب بالانتحار. ولابد من الإشارة إلى أن الانتحار إذا وقع نتيجة فعل مبني على خطأ أو إهمال فلا تتحقق المسؤولية إزاء الغير لانتفاء القصد الجرمي، كما لو ترك شخص مسدسه سهواً ونسياناً لدى شخص آخر وأقدم الأخير على الانتحار به، ذلك أن جريمة المساهمة بالمساعدة أو التحريض على الانتحار تعد من الجرائم العمدية التي يجب أن يتوافر فيها القصد الجرمي، وهو اتجاه نية الفاعل إلى إحداث النتيجة بسلوكه ونشاطه، أي العلم والإرادة، وهذا هو الركن المعنوي في الجريمة.
وبعد أن بينّا الإطار القانوني لجريمة التحريض على الانتحار يبدو التساؤل اليوم ملحّاً أكثر من ذي قبل، وضحايا الانتحار في معركة الحياة يزدادون عدداً، هل يعاقب المشرع العراقي على التسبب في الانتحار؟ إذ يتوارى خلف الستار جناة جلادون واثقون من قدرتهم على اختصار مسافات ضحاياهم مع الحياة بأقوال وأفعال، إنهم المتسببون في الانتحار، ولا مراء في أن ما تشهده مجتمعاتنا هو تعاظم ظاهرة دفع الآخر على الانتحار أو التسبب بالانتحار، وتمثل صورة من صور العنف في المجتمع، وضحاياها أطفال وشباب ونساء على وجه الخصوص، فكم منا مَن شهد حالات تنمُّر تعرض لها زميله أو زميلته في المدرسة لضعف في بنيته أو مظهره والسخرية منه بأسلوب غير إنساني، وذلك قد يشجعه في الإقدام على الانتحار في نهاية المطاف، أو زوجة تتعرض للضرب والتجريح والتقريع وفي نهاية المآل تختار الموت خلاصاً.

النسخة الألكترونية من العدد 361

“أون لآين -4-”