الانفرادية.. بين التطور التكنولوجي وإيجاد العلاج

381

صفا هشام  /

رغم التطور الكبير والمتزايد في التكنولوجيا، وازدياد فرص العلاج لأغلب الأمراض الذهنية والنفسية، وكمجتمع متحضر ومواكب للتطور، نجد أنفسنا أمام تحدٍّ آخر هو الانفرادية، الداء الذي يطرح أمامنا تساؤلات عدة ، فما هو هذا الداء وكيف الوقاية منه؟ وكيف نستطيع التعامل مع مرضى هذا الداء اجتماعياً وطبياً، وقد انتشرت بشكل كبير في الآونة الأخيرة، “مجلة الشبكة” استطاعت أن تعطي لنفسها مكاناً بين حيثيات هذا الموضوع بتحقيق خاص.
لامبالاة
بعد طرح موضوعي على أم محمد(٣٥ عاماً) ، المعلمة في إحدى مدارس العاصمة، أجابت بحسرة قائلة: “طفلي (محمد) منذ أن كان في السنة الثانية من عمره، كان يقضي يومه كاملاً على جهاز “الآيباد”، لأني كنت طوال يومي منشغلة بعملي وبأمور المنزل الكثيرة، لذلك قد أجبرت أن أتركه بشكل يومي منفرداً مع جهاز “الآيباد”، ولمشاهدة الفديوهات التي كانت تدهشه ويندمج معها، لكن بعد أن أصبح في السادسة من عمره وتأهل للبدء في عالم الدراسة انقلب رأساً على عقب، وكان يصرخ يومياً ويبكي ويرفض الاختلاط مع الأطفال في المدرسة ويفضل أن يكون منفرداً مع ذاته، رافضاً الذهاب إلى المدرسة، ومنذ ذلك الوقت أصبح الحزن يعمّ البيت، لم يقتصر على المدرسة فقط بل عندما يأتي أولاد عمه أو أولاد خالته أيضاً يرفض التحدث معهم، ويأخذ جهازه “الآيباد” ويبقى جالساً بمفرده”، علماً إنه منذ أن كان يعيش هذا الانفراد والعالم الخاص به، إذ نبهني (عمه) إلى ذلك لكنني صرخت ورفضت ولم إبالِ بماقاله العم، ولأنني آخر من يخطر على باله أن ولده سيكون بانتظار مرض يجعله يعيش في جحيم مستمر”.
لم تقتصر مخاطر الانفرادية على الأطفال فقط، بل الكبار أيضاً قد نالوا حصتهم منها، لكنهم قد يواجهون مرضاً مشابهاً له، تكون أعراضه الكآبة والعصبية والميول الى الانتحار لبضعة أيام، ثم يعودون بعد ذلك كما كانوا بعد فترة زمنية وجيزة.
“توحُّد!”
تحدثت مجلة “الشبكة العراقية” مع أحد المراكز الخاصة بالأطفال المصابين “بالتوحد”. مروة صادق، إحدى الموظفات التي تعمل في المركز الخاص بالأطفال المصابين، تحدثت للشبكة عن تجربتها أثناء عملها وقالت: “هناك الكثير من الأطفال ذكوراً كانوا أم إناثاً داخل مركزنا، ولكل واحد منهم حالته الخاصة، ولكل واحد مشكلته، منها عدم النطق أو التحدث كما تتحدث الشخصيات في أفلام الكارتون بلغة فصيحة، وطفل آخر ينطق بصيغة السؤال فقط ولا يفهم مايقال له، فعندما يقوم المدرب الخاص بطرح سؤال على الطفل يجيبه بنفس السؤال”.
وحيداً لخمس ساعات
أكدت مروة أيضاً أن هناك حالات عديدة كان سببها هو عزل الطفل، فهناك كثير من الأمهات تعمل كموظفة تقوم بحبس الطفل أثناء ذهابها إلى العمل أمام جهاز “التلفاز” أو “الآيباد”، فيترك على هذه الحالة من ٥ إلى ٦ ساعات يومياً، ومنهن من ليس لها معين، فتقوم بربط طفلها وتركه في الغرفة وإلهائه بالأجهزة الذكية التي تحتوي الألعاب والفديوهات حتى تقضي وقتها وعملها بدون إزعاج منه لها او لباقي أفراد الأسرة، هذا الانفراد يولد مشاكل كثيرة وكبيرة، والتوحد واحد منها، لأن الطفل في هذا العمر يحتاج إلى الاختلاط مع أفراد الأسرة والتعرف عليهم، كذلك سماع لغتهم ولهجتهم وفهم الكلام الذي يدور بينهم لتلافي كل هذه المشاكل والاضطرابات التي تنمو وتزداد مع مرور الوقت”. مضيفة ” هناك أطفال يعانون من هذا المرض وهم في الشهر الأول من الولادة، لكن بمرور الوقت وبالانفراد والانعزال الذي يعيشه يزداد بشكل كبير ويؤثر سلبياً على حياته الاجتماعية وبالتالي ينعدم التواصل بينه وبين أي إنسان آخر”.
” عراقي أم ياباني ؟”
تردف الأستاذة مروة :”إن دورنا كمركز خاص بهذه الحالات، أن يحتوي هذا المكان على مدربين لتعليم وتدريب الأطفال لإخراجهم من هذه الحالة التي يعيشون فيها، فهناك من هو مختص بتعليمهم كيفية الرد عند طرح السؤال والإجابة عليه بصورة صحيحة، وآخرون يقومون بتعليمهم أشكال وتصنيفات الألوان، لأنهم لا يعرفون ما اللون الأحمر أو الأخضر أو التفرقة بينهما وبين الألوان الأخرى، وإنما يقولونه ككلمة فقط آخذينها من المقاطع التي يشاهدونها في التلفاز، وأيضاً مختصون يعلمونهم اللغة العربية، إذ أن هناك حالة تتكلم اللغة (اليابانية) وذلك لتأثرهم بمقاطع الفيديو التي يشاهدونها في الأجهزة الذكية، وبالرغم من أنهم لايعرفون معناها إلا أنها تطبع في ذاكرتهم بشكل مستمر”.
هاتفي النقال
صار الاندماج كبيراً، اليوم، بين الإنسان والآلات الذكية، وذكر المفكر أوزويل ذلك في كتاب له،”هناك احتمال كبير وفي فترة زمنية مقبلة، ‘٢٠٤٥’ لن يكون هناك تمييز بين الآلات والبشر وكل جانب في حياتك سيتأثر بهذه الآلات”. فالانفرادية مثلها مثل أي مرض يصاب به الكبار والصغار, الأغنياء والفقراء, الذكور والإناث, في الشمال والجنوب، ولا يقتصر على فئة معينة بل الجميع معرض إليه”، هذا ماقالته مها سلام (٢٣ عاماً) إحدى طالبات المحاسبة في جامعة بغداد، وأضافت: “الانطواء على النفس، ورفض الاختلاط والتعامل مع الآخرين سواء من الأهل أو غيرهم هو فعل خارج عن السيطرة، فالانفرادية هي اضطراب نفسي يحتاج إلى الابتعاد الكامل عن العالم وسكانه، واختيار صديق واحد يكون معي في هذا الوقت، ألا وهو “هاتفي النقال”، ففي هذه الحالة لا أعاني من “الوحدة” لأن التفرد مع النفس والهاتف الخاص بي مع بعض برامج التواصل الاجتماعي ، لم يكن يوماً ما أمراً يدل على الوحدة.
” خيبة! ”
“الانفراد هو أن ينعزل الشخص عن العالم الخارجي لمواقف عدة يمر بها، كمساعدته للجميع وفي وقت حاجته لأي شخص لن يجده أمام عينيه، كذلك يراودنا شعور الانفراد نتيجة ‘خيبة’ كالحب مثلاً”. هذا ما قاله علي جاسم (٢٤ عاماً)، طالب قسم إعلام في الجامعة المستنصرية، وأضاف أيضاً “اللي يحب من كل كلبه وينطعن أو ينجرح أو يكشف شي ممتوقع جان يكتشفه، راح يعيش بينه وبين نفسه صراع داخلي يخليه ٢٤ ساعه يفكر . ليش؟ وشلون؟ وشسوي؟ وبالتالي راح ينفرد، وحتى مينام الليل ويستبدل الناس كلها بجهاز الموبايل، واعيش عالمي الخاص اللي راسمة بمخيلتي ويكون احسن من اختلاطي بأي شخص.”
وأكد قائلا : الانفراد إلكترونياً أفضل بكثير من فوضوية العالم الخارجي والاختلاط بمن موجود فإني اختار أن اكون “جليس الانفراد”.
الوقاية أمان
آمنة محمد جاسم (٣٩ عاماً)، دكتورة في علم النفس، تحدثت إلى الشبكة قائلة: “الانتشار الكبير في الأجهزة الذكية زاد في الآونة الأخيرة بصورة ملحوظة، وأصبح لكل شخص جهاز خاص به، من الأطفال والمراهقين والشباب وحتى الكبار وفي جميع الأعمار، فكل شخص أصبح له عالم خاص فيه ، وهذا أثر سلبياً عليهم وعلى الأطفال بصورة خاصة وأصبح الكثير منهم مصابين بالتوحد، نحن لا نضع اللوم على الأجهزة الذكية أو التلفاز، وإنما تعتبر هذه الأجهزة من الوسائل التي تكون من خلالها تنمية هذا المرض عند البعض، إذا كان مستخدمها معرضاً لذلك أكثر من غيره”. وأكدت ايضاً “على الأهل متابعة أولادهم واحتضانهم، وإعطاؤهم أكبر وقت ممكن لتفادي هذه الأمراض النفسية التي تنخر في جسد الأسر العراقية وتجعلها أمام تحدٍّ كبير، فبالنهاية الوقاية خير من العلاج”.