التراثي صباح السعدي: الكاظمية ألهمتني هذا الولع بالتراث

168

#خليك_بالبيت

علي ناصر الكناني/

تحظى المقتنيات والتحف التراثية والأنتيكات القديمة النادرة باهتمام كثير من هواة ومحترفي جمعها واقتنائها لأجل الاحتفاظ بها والحفاظ عليها من الزوال والاندثار، أو لأجل البيع والشراء والمتاجرة بها. لكن يبقى الهدف الأسمى في هذه المعادلة هو إبقاء هذه المقتنيات تتنفس سرَّ وجودها واستمرار بقائها جزءاً من الموروث التراثي والثقافي والحضاري الذي نعتز به، ولعل ذلك خير من فقدانها واندثارها في غياهب النسيان والضياع.
قبل ايام وجَّه لي الصديق التراثي صباح نصيف السعدي (تولد عام 1963) دعوة كريمة لزيارة المتحف التراثي الخاص به، متخذاً من بعض غرف بيتهم العامر في مدينة الحرية مكاناً لحفظ وعرض تحفِهِ ومقتنياته الفريدة والنادرة.
نفائس على الأرض
ما إن اصطحبنا الصديق صباح السعدي لزيارة متحفه والاطلاع على محتوياته وموجوداته حتى فوجئنا، ونحن نجتاز الباب الرئيس للدار، بأنه لم يترك مساحة من الفراغ في ممرات المنزل الداخلية والصالة الكبيرة إلا وشغلها بقطع كبيرة ومتوسطة الأحجام من هذه المقتنيات التي يبلغ عمر بعضها أكثر من مئة عام، ومنها باب خشبي قديم عثر عليه في أحد بساتين الدجيل كان قد اتُخذ معبراً على إحدى السواقي هناك، وكذلك بقايا عربة (ربل) قديمة وغيرها. دهشنا ونحن نرى هذه المقتنيات والتحف القديمة الموشاة بنقوش وزخارف يدوية جميلة وهي تفترش أرضية المكان في الصالة الرئيسة، أو كما يسميها السعدي (قاعة الأنتيكات)، حيث قدم لنا شرحاً وافياً عنها، في حين اكتظت جدرانها بكثير من الصور الفوتوغرافية القديمة لشخصيات فكرية وسياسية واجتماعية معروفة في العهدين الملكي والجمهوري، إلى جانب مطبوعات ومنشورات قديمة ولوحات زيتية لعدد من الرسامين العراقيين الرواد، منهم علاء الشبلي وشاكر الشاوي وسهام السعودي وآخرون، ولوحات خطّية من إبداعات الخطاطين الراحلين هاشم البغدادي وغالب صبري، موضحاً أن لديه أيضاً كثيراً من الأواني والأدوات المنزلية النحاسية والبرونزية المختلفة ذات النقوش اليدوية والزخارف الجميلة التي، كما يذكر، طالما استخدمتها العائلات البغدادية في بيوتاتها أيام زمان في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، وأضاف وهو يشير بيده إلى قطعة من مقتنياته لا يخلو شكلها من الغرابة، ولم نعرف فيم تستخدم، قبل أن يخبرنا بأنه (بريمز) من النحاس الأصفر ذو عشرة مشاعل، وأن هناك من أخبره بأن هذا (البريمز) كان يستخدم في بيت رئيس الوزراء في العهد الملكي الباشا نوري السعيد، لافتاً انتباهي إلى نسخة أصلية مؤطرة بعناية لأحد أعداد صحيفة الزوراء التي كانت تصدر في العهد العثماني في زمن الوالي مدحت باشا.
لكل مهنة أسرارها..
قلت للتراثي صباح السعدي: ما عرفته عنك هو أن عشقك للتراث بكل تفاصيله واتجاهاته قد تجاوز حدود الاهتمام والهواية إلى الاحتراف، وأعني معرفة تاريخ هذه المقتنيات وبعض ما خفي من معلومات عنها.. كيف حصل ذلك؟ فقال: إن عشقي للتراث وجمع المقتنيات والأنتيكات القديمة يعود إلى كوني من مدينة عُرفت بتاريخها وعراقتها وهي مدينة الكاظمية، وكذلك من خلال اتخاذي محلاً في سوق الهرج في منطقة الميدان الذي كان يسمى (خردة فروش) لبيع وشراء كل ما تستخدمه العائلات البغدادية من لوازم ومواد قديمة تم الاستغناء عنها. وفي فترة الحصار في التسعينيات اضطر كثير من هذه العائلات جرّاء الحاجة إلى بيع أشيائهم النادرة وما توارثوه عن أجدادهم وآبائهم من هذه المقتنيات التي يجهل أغلبهم قيمتها الحقيقية. وبعد ازدياد معرفتي وخبرتي في هذا المجال فكّرت بأن أحتفظ بكل ما يقع تحت يدي من هذه النوادر وعدم التفريط بها وبيعها لتكون ضمن أولويات اهتمامي لضمها إلى متحفي الخاص في البيت، حتى غصَّت غرفُهُ بها، ولا أخفيك أنها احتلت حتى غرفة نومي أيضاً! ولم أتراجع أمام عدم ارتياح بقية أفراد العائلة الذين لم يخفوا، فيما بعد، تعاطفهم معي واهتمامهم بعد أن عرفوا أنني لا أستطيع العيش بدونها..
المركز الثقافي البغدادي يحتضن متحفه
سألت السعدي أن يحدثني عن حصيلة ما تمكن من جمعه حتى الآن من هذه المقتنيات وعن مبادرته بضمِّها في معرض دائم فقال: لقد حرصت على أن يطلع الناس والمهتمون بالتراث على هذه النوادر القديمة وعدم خزنها في صناديق لا يراها أحد.. لذا قررت بجهود شخصية دون معاونة من أية جهة رسمية أو غير رسمية الانضمام إلى المركز الثقافي البغدادي لأتخذ من إحدى قاعاته معرضاً ومتحفاً وأواظب على الإشراف عليه في أيام الجمعة من كل أسبوع، وهو يضم بين جنباته مقتنيات قديمة وصوراً مهمة ومطبوعات ووثائق نادرة منها ما يعود إلى زمن البدايات الأولى لتأسيس الدولة العراقية عام 1921. ومن الأشياء المهمة والنادرة التي أحتفظ بها مصباح كهربائي طبعت عليه صورة الزعيم عبد الكريم قاسم، كذلك يوجد شعار ثوره تموز من البرونز ويزن بحدود 30 إلى 40 كيلوغراماً، وقد حصلت عليه من أحد الباعة في سوق مريدي الذي كان ينوي صهره كمادة من البرونز وكان قد صمّمه الفنان جواد سليم، وخطَّه الخطاط هاشم البغدادي، مشيراً إلى أن حصيلة ما جمعه من هذه المقتنيات هي كما يقول بحدود 5000 قطعة وهي قابلة للازدياد يوماً بعد آخر.
مصحف نادر ولوحة زيارة
يحدثنا السعدي في حديثه الممتع هذا عن مبادرته قبل سنوات بتقديم هديتين ثمينتين لا تقدران بثمن إلى الأمانة العامة للعتبة الكاظمية المقدسة بقوله:
قدمتُ هاتين الهديتين المباركتين إلى العتبة المقدسة، بعد حصولي عليهما من أحد الباعة، ويعود زمنهما إلى أكثر من مئة وخمسين عاماً، هدية لضمها إلى المتحف الخاص بالعتبة، وقد حظيت هذه المبادرة بتقدير وشكر أمينها والمسؤولين فيها، مناشداً الجهات المعنية في مدينة الكاظمية والأمانة العامة للعتبة المقدسة بضرورة الإسراع بإنجاز المتحف التراثي والوثائقي الخاص بمدينة الكاظمية، مبدياً استعداده الكامل للتعاون مع هذه الجهات لإنجازه بما يليق بمكانة هذه المدينة التي تميزت بجذورها التاريخية والحضارية الأصيلة.
سيارة قديمة لا تُقدر بثمن
اصطحبني السعدي مع نجله الشاب مصطفى إلى الباحة الداخلية للمنزل حيث تقف في أحد أركانها سيارة أمريكية قديمة نوع فورد يعود زمنها، كما أخبرني، إلى عام 1928، طلبت منه أن يحدثني عن المزيد من التفاصيل عنها فقال: هذه السيارة تعود ملكيتها سابقاً إلى أحد التجار المعروفين في بغداد وهو المرحوم بدري حمادي اسمير الدبّاش الذي اشتراها بمبلغ 300 دينار من السفارة الأمريكية ببغداد في خمسينيات القرن الماضي، وبحكم كونه من منطقة الدبّاش ومعرفتي به تمكنت من شرائها منه في عام 2003 قبيل وفاته، لكنه اشترط عدم التفريط بها وبيعها والحفاظ عليها، فوافقت على ذلك، وهي الآن كما رأيتها موجودة ضمن مقتنياتي التي أعتز بها كثيراً، وهي ما تزال تعمل بشكل جيد، وقد شاركت بها في بعض الاحتفاليات التي أقيمت في السنوات الماضية، ومن بينها يوم بغداد.
موقف يثير الدهشة والاستغراب
يستطرد السعدي بذكر أحد المواقف اللافتة للانتباه من التي مرت به قائلاً: هناك مواقف كثيرة لا تنسى مرّت بي أثناء عملي، ومنها أنني في أحد الأيام عُرضت عليّ ثلاث لوحات زيتية لآخذها مجاناً من أحد البيوت، بعد أن اشتريت قطع أثاث وثريات وتحفيّات من ذلك البيت، فأخبرتهم أنني سأبيع هذه اللوحات وسيكون جزء كبير من المبلغ من حقهم فقالوا إننا أهديناها لك فافعل بها ما تشاء، وبعد الاطلاع عليها وجدت أنها لثلاثة رسامين رواد من بينهم جواد سليم وفائق حسن فبعتها بمبلغ 25 ألف دولار أمريكي وأعطيتهم منها 10000 دولار ففرحوا كثيراً وقالوا لقد قدمنا لك هدية فكنت أكثر منا سخاءً فشكراً لك..
وأنا ألملِم أوراقي مودعاً التراثي صباح السعدي ومتحفه الجميل سألته إلى من ستؤول إليه هذه التحف الفريدة بعد عمر طويل فأجابني من دون تردد أنها ستكون بعهدة الجهات المعنية التي ستتولى إقامة المتحف التراثي لمدينتي الكاظمية هدية متواضعة مني ومن عائلتي لأنني أحبها وأفضلها على أية مدينة في العالم…