التطريز.. فن شعبي عريق يعاني الإهمال بسبب الاستيراد

219

#خليك_بالبيت

علي ناصر الكناني/

تشير المعلومات إلى ان فن التطريز لا تتجاوز البدايات الأولى لعمره الزمني في العراق أكثر من خمسة عقود وهو من المهن والفنون الشعبية الجميلة التي تعتمد على المهارة العملية والذوق والموهبة، وهذا الفن سرعان ما انتشر قبل عقود من الزمن كمهنة تزاولها النساء في البيوت، وبطريقة تسمى (الاتمين) الذي يعد الخطوة الأولى لفن التطريز ثم لينتقل فيما بعد كمهنة إلى العديد من المحال والاسواق المحلية في العاصمة بغداد وبقية المحافظات حقق هذا الفن انتشاراً وازدياداً ملحوظاً في عدد المتعاملين معها أو الراغبين من الزبائن وعبر مختلف الشرائح الاجتماعية باقتناء هذا النوع من النتاجات الحرفية والاعمال القماشية المزينة بالزخارف والآيات القرآنية والعبارات والأقوال والحكم المأثورة، وبشكل جميل ورائع التي غالبا ما تزدان بها واجهات المواكب الحسينية والابنية والبيوت لا سيما في المناسبات الدينية التي من بينها أيام شهر محرم الحرام وعاشوراء ذكرى استشهاد الامام الحسين (عليه السلام)، وخلال هذه المناسبات يبدأ تزيين المراقد المقدسة والمساجد والحسينيات والبيوت باللافتات ذات اللون الاسود المطرزة بالخيوط الذهبية وبقية الالوان الموشاة بزخارف وتشكيلات جميلة وبما يتلاءم وطبيعة المناسبة.
الطراز فلاح بدر الطائي (ابو فاطمة) وصاحب محل للتطريز في مدينة الكاظمية حين سألناه أن يحدثنا عن هذه المهنة و بداياته معها أجاب قائلا : “كان فن التطريز يمارس في بغداد في بداية الامر وأعني في الخمسينيات اعتماداً على المهارات اليدوية للطراز وفي السبعينيات من القرن الماضي تقريبا دخلت المكائن الحديثة للتطريز ثم جاءت بعدها المكائن التي تم ربطها على الحاسوب والتي تستخدم للأعمال ذات الكميات والأعداد الكبيرة والمعقدة في زخرفتها ونقوشها وبوقت قياسي”.
أما عن بداياته مع فن التطريز فيقول الطائي: “إنها كانت قبل عشرين عاما وعلى يد أستاذي ناصر ( ابو حيدر ) في مدينة الكاظمية، وأنا قبل ذلك كنت أهوى الخياطة على الرغم من كوني من عائلة تمتهن النساجة، فوالدي وأعمامي وأخوالي كلهم كانوا نساجين ويعملون في معامل نسيج فتاح باشا المعروفة. وقبلها كانوا يعملون في المعامل الأهلية”. موضحا أنه قبل عمله كطراز للأعلام واللافتات الحسينية التي تستخدم خلال المناسبات الدينية المختلفة بعد كان يقوم بتطريز العباءات والصايات النسائية التقليدية.
إنجازات وأعمال فنية مميزة
وعن الأعمال الفنية والإنجازات المميزة واللافتة للانتباه بطريقة التطريز التي قام بها الطراز ابو فاطمة والحرفيين العاملين معه فيقول: “على الرغم من الظروف الصحية الصعبة التي تمر بها البلاد وحظر التجوال مما انعكس سلبا على الحالة المعاشية والاقتصادية على جميع الشرائح الاجتماعية، الا أننا وبجهود استثنائية تمكنا من إنجاز أعمال نستطيع القول وبشهادة الآخرين إنها متميزة ونالت استحسان وإعجاب الجميع، التي من بينها إنجاز علم كبير قياس ٥/ ٢٢م × ١٥م.. ويحمل عبارة (عراق الحسين) تم تخصيصه للحشد الشعبي المجاهد وقد تولى الطراز حيدر عزيز مهمة التطريز التي استغرقت عشرة أيام بينما قام الخطاط المبدع موسى الزيادي بخطها.”
وأضاف” إلى جانب قيامنا بإنجاز أعمال أخرى خاصة بمناسبة يوم عاشوراء منها لوحة كبيرة من واقعة الطف لحادثة استشهاد أولاد مسلم وهي بقياس ١١م طولا وبعرض ٧٥سم وضعت على ضريحهما الطاهر، كما أننا ننوي عمل مصحف كريم بطريقة التطريز وبقياس كبير ٩٠سم ×٧٥سم.. وربما سيكون بمثابة تحفة نادرة يتم تنفيذها لأول مرة بطريقة التطريز.
*كساد المنتج المحلي بسبب استيراد الألبسة الجاهزة..
ويلقي الطراز فلاح ابو فاطمة باللائمة على الجهات المسؤولة والمعنية لما يسببه الاستيراد الخارجي للالبسة الجاهزة من أضرار للمنتج المحلي من الالبسة المختلفة التي تعتمد في تصاميمها على الخياطة والتطريز اليدوي.
إلى جانب عزوف العشرات بل المئات من الحرفيين والعاملين بهذه المهنة وتركها للعمل بمهن أخرى لافتا إلى أنه خلال الاشهر الاخيرة وبسبب جائحة كورونا وتوقف الاستيراد قد عاد عدد كبير منهم لمزاولة هذه المهنة التي أمضوا سنوات طويلة من عمرهم فيها.
مؤكدا ضرورة الالتفات والاهتمام بتوفير المواد الاولية للتطريز ولوازم الخياطة وفرض رسوم عالية على الالبسة المستوردة لتكون الاسعار التنافسية بين المحلي والمستورد متعادلة.
من جانبه حدثنا أيضا الخطاط المبدع موسى الزبادي عن دوره في خط االاعمال التي يتم تطويرها من خلال توظيف أنواع الخطوط والزخارف الاسلامية وذلك بحسب الآيات والأقوال التي يراد خطها على القماش الخاص بذلك، كما أن هناك كما يقول: “أعمال أخرى يتم تكليفنا بها من قبل الزبائن وفي هذا الاتجاه أيضا وفي جميع الاحوال فإنّ الخط والزخرفة هما مكملان لفن التطريز، وعمل الطراز هو الاعتماد على خبرته وموهبتة لإنجاز عمل فني متكامل وفق ضوابط رصينة تجمع بين جمالية الخط وأناقة التصميم. وهنا لا بد أن نشير إلى الطراز حيدر عزيز الذي جذبه فن التطريز هو الاخر فصار لا يقل موهبة ومهارة عن الاخرين من زملائه في العمل . وقد لفت انتباهي بجلوسه خلف ماكنة التطريز وهو يكاد ينتهي من تطريز آية قرآنية بخط الثلث كانت غاية في الروعة والابداع فتوقفت عنده لأسأله عن هذه المهنة وسر انجذابه وتعلمه لها ومن هو صاحب الفضل الاول في ذلك فقال:” بداياتي في هذا المجال كانت مع والدتي التي كان لها الفضل الاول والاخير في تعليمي أبجديات هذا الفن وهذه المهنة منذ عام١٩٩٤، وإلى الآن لأنها كانت تجيد فن التطريز وبشكل لافت فضلا عن أنها كانت تعمل في أحد معامل التطريز المختصة بهذا الاتجاه”.
يقول حيدر :”إضافة لكوني أجيد التصميم والرسم مما ساعد ذلك في تطوير إمكاناتي العملية وموهبتي بعدها اانتقلت إلى القطاع الخاص للعمل مع الاخ فلاح الطراز (ابو فاطمة)، وتبقى أعمال التطريز اليدوي كما يقول حيدر الافضل في قيمتها لدى الكثير من الناس المهتمين باقتناء هذه الاعمال سواء في المساجد او البيوت، مشيرا إلى أنه عمل خلال السنوات السابقة في إحدى الدول العربية والتقى العديد من الطرازين العرب والاجانب”، الا أنهم وكما يقول: “إن الجميع كانوا يشيدون بمهارة وكفاءة الطراز العراقي ويثنون على خبرته وسعة إطلاعه في هذا المجال، بقي أن نقول إن فن التطريز هو فن شعبي جميل وراق، ما زال يبحث عن مساحة مناسبة في خارطتنا الفنية.