التعيينيات..الأقارب أولاً

595

 رغد دحام/

قبل أن يغادر موقعه كمدير عام في مؤسسة حكومية كبيرة، زرع هذه المؤسسة بأقاربه، إخوة وأخوات وأبناء أخوات وأبناء إخوة، ولم يبق في عائلته، وحتى جيرانه، من هو عاطل عن العمل سواء أكان يحمل شهادة أو من دونها.

لكن السيد المدير ليس سوى حالة من ظاهرة ليست جديدة اسمها ظاهرة تعيين الأقارب لكنها تفشت وصارت جزءاً من علل مؤسسات البلاد..
وبينما تحولت المؤسسات إلى مكان تجمع للعوائل،الأب مع الابن أو الزوجة بغضّ النظر عن حاجة الدائرة لخدماتهم، فإن الملايين من خريجي الجامعات يبحثون عن فرصة للتعيين في إحدى وزارات الدولة ودوائرها من دون جدوى بالرغم من أنهم يحملون شهادات عليا ويتمتعون بالكفاءة.

ظاهرة

ولا يختلف اثنان في أن هذه الظاهرة تضرب دوائر الدولة في الوقت الراهن لاسيما أن كل مسؤول، كبيراً كان أم صغيراً، يعمد الى تعيين طاقمه العائلي حال وصوله الى موقع المسؤولية حيث تتم إزاحة جميع الموظفين من مواقعهم ليأخذ الأقارب أماكنهم الجديدة تحت جناح السيد المسؤول.

ومما لاشك فيه أن هذه الظاهرة أدت الى تدمير هيكلية العديد من الدوائر الحكومية.. حيث أن هذه التعيينات تكون خارج الضوابط وبعيدة عن الاختصاصات التي من الممكن أن تنهض بعمل هذه المؤسسات.

ولا يمكننا أن ننسى دور الوساطة الكبير في التعيينات الحكومية حيث أن المتقدم على التعيين يعمد الى البحث عن واسطة له في الدائرة لزيادة حظوظه في الحصول على درجة وظيفية.

يتحدث موظفون ونواب في البرلمان عن مؤسسة حكومية تضم ٥٠ موظفاً من أقارب مسؤول واحد.. حيث تتم المفاضلة بين الأقارب والمتقدمين ليحصد أولئك الأقارب الدرجات بفضل سطوة قريبهم المسؤول.

ومما لاشك فيه أن ظاهرة تعيين الأقارب ظاهرة قديمة وليست جديدة على النظام الإداري العراقي، وهي واحدة من أبرز المشاكل التي يعاني منها النظام الوظيفي في العراق، حيث لا يوجد قانون صريح وواضح يمنع تعيين الأقارب على الرغم من التبعات السلبية التي خلفتها هذه الظاهرة في هيكلية الدوائر الحكومية ومؤسسات الدولة التي لا تكاد تخلو أية واحدة منها من حاشية المدير او الوزير او المسؤول المتنفذ فيها.

معنى الوساطة

يقول عضو لجنة التعليم النيابية أحمد الشيخ إن “مفهوم الوساطة أشبه بقاعدة الشفاعة او التزكية للأشخاص غير المعروفين من الكفاءات، وهذا وجه إيجابي ومقبول لمفهوم الوساطة”.

وأضاف أن “الوجه الثاني هو الظاهرة الحديثة وهو التعيين بالوساطة وهي واحدة من الإشكاليات التي يعاني منها العراق في وقتنا الحالي والسابق.

وأشار الى أن “المفهوم المجتمعي لعضو البرلمان الفاعل هو ليس العمل بالمهنية واعتماد السياق الإداري، إنما الذي يسعى بالتعينات الى المواطنين”، مشيراً الى أن “هذا المفهوم شجّع وزاد من هذه الظاهرة لأن القاعدة الجماهيرية والصوت الانتخابي بات يعطى على هذا الأساس”.

وبيّن الشيخ أن “الحلول الواجب اتباعها توجب زجّ الخريجين بقاعدة القوى العاملة في مجلس الخدمة، ويجب ان يتم تشريع قانون الخدمة وإنشاء مؤسسة القوى العاملة ليتم التخلص من هذه الظاهرة”، مؤكداً أن “هذه الظاهرة لا يمكن القضاء عليها بشكل نهائي لأنها متشعبة بشكل كبير، لكن يمكن التقليل منها.

ويؤكد مراقبون أن القوى السياسية كانت متناغمة مع خلافاتها العميقة على إجهاض فكرة مجلس الخدمة، لكي تترك عملية التعيينات للوساطات ولكي تستخدم لزيادة رصيد المسؤول لدى من يعينهم.

المعالجات

وتؤكد عضو اللجنة القانونية النيابية ابتسام الهلالي أنه ” تمت مطالبة رئيس مجلس الوزراء حيدر العبادي بإرسال أسماء مرشحة لقانون مجلس الخدمة الاتحادي، شرط أن تكون هذه الأسماء مستقلة وبعيدة عن المحسوبية والتحزبية ومن الكفاءات”.

وأشارت الى أن “العراق يمتلك كفاءات كثيرة غير معينة وعاطلة عن العمل بسبب الوساطة لأنهم لم يتمكنوا من أن يحظوا بفرصة بسبب تعيين المسؤولين والمدراء والوزراء لأقاربهم وحاشياتهم”.

وتابعت أن “هذه الظاهرة تمثل شكلاً من أشكال الفساد الإداري ويجب معالجتها خصوصا مع انطلاق حملة مكافحة الفساد التي أعلن عنها رئيس الوزراء”، مؤكدة أن “التصويت على قانون مجلس الخدمة الاتحادي يعتبر من أهم خطوات مكافحة هذه الظاهرة”.

وشددت على “ضرورة إرسال أسماء المرشحين لقانون الخدمة الاتحادي وفقاً لمستوى عال من النزاهة والشفافية ليتم إدخال أسماء جميع الخريجين الى قاعدة بيانات وزارة التخطيط وتعيين الكفاءات كل حسب اختصاصه”.

الآفة داخل الرئاسات الثلاث!!

من جانبه، يؤكد عضو البرلمان رحيم الدراجي أن “البرلمان أقر في الموازنة العامة إيقاف النقل والتنسيب في الرئاسات الثلاث، والتي تعتبر كالمقاطعات في تعيينات العوائل بشكل شبه كامل”، مشيراً الى أن “عدد الموظفين الكلي لمجلس النواب يبلغ 1950 من بينهم 510 من حملة شهادات الابتدائية والمتوسطة وما دون الابتدائية أي لايقرأ ولا يكتب”.

وبيّن أن “هنالك أعداداً من المتعينين عن طريق الوساطة في جميع الرئاسات من مزوري الشهادات ويكون عنوانهم الوظيفي بصفة مستشار أو في مناصب رفيعة أخرى”.

واستدرك أن “الآلية التي تتبع بالتعيين في الرئاسات الثلاث تكون بتعيينه في إحدى الوزارات ثم تنسيبه لإحدى الرئاسات الثلاث، ليتم صرف مخصصات مالية لهم تصل الى المليوني دينار”، لافتاً الى “مطالبتهم بإيقاف مثل هكذا تعيينات علاوة على إعادتهم الى الوزارات التي عينوا فيها”.

وأكد إعلاميون ومدوّنون في مواقع التواصل الاجتماعي أن “ظاهرة التعيين بالوساطة تمثل شكلاً من أشكال الفساد الإداري الذي أصبحت معالجته ضرورة ملحّة حيث أنه يجري تقديم أشخاص غير مؤهلين ولا يمتلكون شهادات علمية للعمل في جملة من الدوائر والمؤسسات الحكومية بداعي قربهم من المسؤول”.

وبينوا أن “على العبادي إرسال قانون مجلس الخدمة الاتحادي الى مجلس النواب للتصويت عليه قبل انتهاء الدورة النيابية الحالية، وأن يتم تحديد جدول زمني لإقراره للتخلص من هذه الظاهرة قبيل ابتداء الدورة النيابية الجديدة.”
دعاية انتخابية

ولفتوا الى ” ضرورة أن تراعي الحكومة موضوعة السنّ في التعيينات الحكومية وإجراء تعديلات عليها، فالعديد من الخريجين لم يحصلوا على فرصة للتعيين منذ سقوط النظام السابق في العام 2003، ما قد يضعهم في موقف حرج”.

وشدّد البعض على “ضرورة تفعيل عمل القطاع الخاص ووضع أسس ومعايير وضوابط تنظم عمله وتخدم أكبر شريحة من الخريجين والكفاءات، وأن يكون تعيينهم وفقاً لمعايير وأسس تشرف عليها لجان حكومية لمكافحة الفساد في جميع مفاصله”.

من كل ما ذكر آنفاً، نجد أن أمام الحكومة العراقية فرصة ذهبية لمكافحة الفساد الذي انتشر عن طريق التعيينات وتحفيز الجميع للتخلص من هذه الظاهرة والظواهر السلبية الأخرى.