الساعاتي.. حرفةٌ تواجه التكنلوجيا وتقاوم الزمن

449

ذوالفقار يوسف /

تحت اشعة الشمس اللاهبة، في أزقة حافظ القاضي بالعاصمة بغداد، استعجلنا المسير انا والزميل صباح، علّنا نتغلب على الوقت للوصول الى محل عمل احد قدماء الحرفيين في مجال صناعة الساعات، توقفنا امام محل هادئ بعض الشيء.

عند دخولنا قلّبنا بصرنا في ما حولنا مقيدين بمكان لايتعدى عرضه المتر الواحد، وطوله اقل من خمسة أمتار، حيث وجدنا في نهايته شخصاً لايتحرك وقد هيمن عليه التركيز، وتسمرت عيناه في احدى الساعات.

إن اهمية الوقت وإن تعددت انواع الآلات لحسابه، في أنه العنصر الأبدي الذي يحكم الدنيا وساكنيها، ويحدد اعمالهم وايامهم، فكما ان للحياة وقتا محددا فهناك وقت يقابله للموت والفناء، انه المهيمن الوحيد على السلاطين والملوك، السلاح اللامنتهي للجمال والسلطة والتكبر، يفني ويخلق ويدحر بثوانيه وتقدمه.

قيمة الساعة

وجدنا السيد صبري الساعاتي (85 عاماً) ويحاول بهدوء ليعيد تأهيل احدى الساعات القديمة، محاوراً الوقت بأنامله الثابتة، ولأن حرفة الساعات شبيهة بعمليات الجراحين تتطلب يداً ثابته وذات دقة متناهية، ترك العم صبري ما في يديه ليستقبلنا هو وساعاته الاثرية التي كانت تزين المكان، وقال: “لقد تعلمت هذه الحرفة من والدي الذي ورثه من والده، وعلمتها لأبنائي ايضاً، لسببين: انها عمل فني بحت، ولأنها مرتبطة بحياة الانسان، فقد كانت للساعة هيبتها وقيمتها بين البشر، فلا يحملها اي احد كان، ولغلاء ثمنها آنذاك وايضاً لجهل المجتمع، فالكثير من الناس كانوا لايعرفون حساب الوقت في تلك الايام، فساعات الجيب قد تغلبت على ساعات اليد، فلا يحملها سوى اصحاب النفوذ، وكنا نلاحظ احدهم عند سؤاله عن الوقت قد اخرج ساعته من جيبه بحركة تعبر عن اهمية الساعة واحترامه لها، وايضا للتفاخر بانه يستخدم مثل هذه الساعات الراقية والمميزة.

ساعات ولكن

استخدم العالم الساعات بانواعها لحساب الوقت من جيل الى آخر، وقد طغى التطور التكنولوجي على هذه الآلات بشكل كبير، فقد كانت الساعات تتنوع باساليبها واشكالها منذ العصور القديمة كالساعات المائية والرملية والشمسية والفلكية وايضاً استخدم اليابانيون الساعة الشمعية، إلا أن السومريين هم اول من اكتشف حساب الزمن في شكل ساعة حسب ما تم اكتشافه من الرقم الطينية التي تم العثور عليها، الى ان تطورت الى الساعات الميكانيكية التي هي افضل انواع الساعات.

يحدثنا السيد صبري من هذا الاطار فيقول “كانت الساعات الميكانيكية هي المهيمنة انذاك في عملنا ولجودتها كانت اصعب انواع الساعات في اطار حرفتنا، فقد تاخذ في عملنا وقتا طويلا لتصليحها واعادة تشغيلها، إلا أننا نرى الان هيمنة الساعات التي تعمل على البطارية (ساعات الباتري) والتي تكون في اغلب الاحيان رديئة الصنع، ففي المجمل تكون مصنوعة بواسطة الآلات والمكائن، وقد تعلمنا تصليحها، إلا أن الساعة الميكانيكية هي الأفضل والأجود، فقد ترى ان هناك ساعات قديمة قد مرت عليها عشرات السنين ومازالت تعمل، ويؤسفني أن ارى الأن وقد استحوذ المستورد على هذه الحرفة، فقد تشتري احدى هذه الساعات التي لايتعدى عملها الشهر، حيث ترمى بعد ذلك في النفايات لعدم امكانية اصلاحها.

السويسرية هي الأفضل

هذا ماقاله الساعاتي صبري موضحاً “ان الساعات السويسرية هي الأجود نوعية من الساعات الاخرى، وانا استمتع عندما يأتيني بها احد الزبائن لتصليحها حتى في بعض الأحيان لا آخذ اجرتي لما أتعلمه من اعادة تاهيلها، وهناك ايضا بالنسبة لساعات الجيب ساعات روسكوف وسركسوف الروسيتان، والتي دخلت الى العراق عام (1941)، ولا يزال هناك اشخاص يحتفظون بها، الا ان هناك ماركات لاغبار عليها مثل الاورينت وباتيك فيليب وهوبلت وهناك اسماء اخرى قد احتكرت مجال صناعة الساعات اليدوية امثال: بريجو، واوديمارس بيجيه، وكارتييه، وتيسو، وبريتلنج، وتاج اور، وأوميغا، ولونجين، وقد تلاحظ اسعارها المتفاوتة بينها وبين السويسرية الغالبة في النوعية والجودة، واذكر اني استبدلت يوما احدى ساعات الرولكس بسيارة من نوع “سوبر” في ثمانييات القرن المنصرم، الا اننا مع الاسف نلاحظ الآن أن هناك ساعات تباع في السوق بمبالغ متدنية قد تصل الى الـ(10) الاف دينار، بسبب سوء صناعتها او لانها غير مصنوعة بيد حرفي، ما يجعل عملها غير جيد.

عشق الحرفة

فوجئنا انا والزميل صباح بدموع السيد صبري عندما سألناه عن سبب اضمحلال هذه الحرفة القديمة يوما بعد اخر، واغراق السوق بالساعات رديئة الصنع، اجابنا بحسرة عاشق للحرفة “لقد كانت هذه الحرفة انذاك محترمة من قبل الناس تقديراً لما لهذه الحرفة من اهمية في حياتهم، اما من الناحية المادية فقد كانت تختلف عن الان، ومما رايت بأن هذه الحرفة معنوية لا مادية وهذه الحرفة تتطلب امانة خاصة حين كان الزبون يأتي بساعة لا يعرف انها من الذهب وبامانه كنت اقوم بتصليحها وارجاعها له، وعند علمه بانها من الذهب يقوم بمكافأتي مرة على عملي ومرة ثانية على امانتي، فشدة عشقي لهذه الحرفة هي كاحتياجي للاوكسجين، الا ان مايؤلمني هو تعامل الناس لي الان، وتصغير وعدم احترام هذه الحرفة، وقولهم بأنها حرفة بسيطة وغير ذات اهمية.

وعن اطرف ما واجهته في عملي كان اعادة احد الزبائن ساعته التي كنت قد اصلحتها له بعد خمسة ايام، وتحيرت لسبب توقفها وفكرت كثيرا ووجدت شعرة انسان ملتفة على ماكنتها، ما اعطتني معلومة بان كل شيء ممكن في هذه الحرفة، وان الحلم والصبر هما اول الشروط للعمل فيها.

لانهاية للوقت

ونحن نصارع الذكريات مع الساعاتي صبري دخل المحل احد الزبائن شاكيا من توقف ساعته عن العمل، بعد ذلك فاجأنا السيد صبري بأن العديد من الزبائن يجهلون عمل ساعاتهم، وعند سؤاله للزبون عن ماذا فعل بعد اصلاحه لساعته، اجابه بانه وضعها على المكتب ولم يقم بارتدائها، ما جعل السيد يبتسم ويجيبه بأن ساعته اوتوماتيكية العمل، ولا تعمل ان كانت ساكنة لذا يجب تحريكها بواسطة ارتدائها، وبعد تشغيله لساعة الزبون التفت الينا قائلاً “بأن هناك البعض من مزاولي هذه الحرفة يجهلون العديد من الامور التي تخص الساعات”، موضحاً “ان هناك بعض الاسماء المهمة في هذا المجال بعضهم يزاولها حتى الان والبعض الاخر قد وافاه الاجل، منهم المحامي ناجي جواد في شارع الرشيد، واخوه فخري جواد، والحاج ابراهيم وعلي حسين الساعاتي ومحمد امين الهادي متمركزون في حافظ القاضي، واليهودي يوسف ايليا الذي كان يعمل كوكيل لساعات الاوميغا قرب البنك المركزي، وارتين وسلمان داوود الحيدر وكيل لساعات النيفادا وهو اول من استورد الساعات اليابانية من نوع ستزن، وايضاً عبد الرزاق العويناتي وكيل ساعات فينوس، وحسو المتحدة وكلاء ساعات رولكس في شارع الرشيد، وفي ذلك الوقت كان اغلب الوكلاء يستوردون الساعات بكميات بسيطة، وذلك بسبب قيمة الساعة الغالية الثمن، وافاجئكم بالقول بأن الساعة الرولكس القديمة والتي لاتزال تعمل لحد الان قد يصل سعرها الى الـ(100) الف دولار امريكي، موضحا بانه ليس ضد التقدم والتطور، بشرط ان يكون التقدم جيدا ومفيدا للبلد، فرغم ان هذه الحرفة باتت تلفظ انفاسها الاخيرة الا انها لاتزال زمنا كان قد رحمها يوما، لهذا قمت بتعليمها لابنائي اضافة لاعمالهم الاخرى، وحتى لاتندثر هذه الحرفة فقد جعلتهم يعدونني بتعليمها لاولادهم من بعدهم.