“الشبكة“ تفتح ملف شهود الزور في المحاكم

298

 وائل حمد/

الذين لايتجولون في المحاكم لايعرفون ماذا يجري في داخلها، يقول أحد المراجعين ممن يمتلكون حاسة سمع قوية، لانه اقتحم علينا الحديث مع المحامي بعد رحيل الشاهد “شهود الزور موجودون بكثرة ممكن أن أدلكم على العشرات منهم. إنهم أشخاص عاديون”.

واضاف الرجل الذي اقترب منا اكثر “يجب ان يكون الشاهد ثابتا جداً ويستطيع إعادة الكلام اكثر من مرة من دون تحريف ويكون محترماً في مظهره”، كما يفضل بحسب قول الرجل ان يكون “ذا لحية” حتى يكون مقنعا للجميع.

البعض قد يسأل، هل يستطيع القاضي اكتشاف شاهد الزور؟. المحاكم لم تقدم لنا المساعدة في الاجابة عن هذا السؤال، بينما يؤكد محام آخر ان “الشاهد عندما يقف أمام القاضي للادلاء بشهادته تتم مناقشته للوقوف على الحقيقة، وصحة ما يشهد به، لأنه لابد أن تكون الشهادة متفقة مع الحيثيات والوقائع الموجودة في الدعوى.

ويضيف المحامي ليث محمود في حديث مع “مجلة الشبكة”: “ليس من السهولة اكتشاف شاهد الزور المحترف الذي أتقن دوره”. بينما كان صديقنا الشاهد واثقا في حينها من ادلائه الشهادة وغير خائف من أن يكتشف القاضي أمره، حيث قال لنا قبل ان يغادرنا “ في أغلب الأحيان لا ينظر القاضي الى الشاهد، يسألني عن أسمي ومهنتي وسكني، ولايحاول الضغط كثيرا”.

مزاد لكنه ليس علنياً

“الشبكة “ أقتحمت اسرار المحاكم وخرجت بهذا التحقيق المثير وهي تأمل أن يتصدى القضاء بحزم لهذه الظاهرة وان يجري وقف التحايل على القانون وانصاف المجتمع الذي ينظر الى العدالة المسلوبة والمهزومة تحت أقدام شهود زور مأجورين بمرارة وأسى .

مفاوضات

صوت سيارة الاسعاف آخر مابقي بذاكرة هديل، حين اتصل بها أحد الأشخاص ليخبرها بإن زوجها قد اختطف من قبل مجموعة مسلحة في بغداد.

افاقت بعد ذلك في المستشفى للتأكد من أن عملية المفاوضات مع “المجموعة” التي خطفت زوجها قد انقطعت، وربما الرجل قد قتل الآن.
بعد عام من ذلك احتاجت الزوجة الى الحصول على أوراق رسمية لتكمل حياتها بلا زوج، ولتربي اولادها الثلاثة.

لم يعثر آنذاك على جثة الرجل، والكل ايقن بانه قتل ولكن المحكمة والقانون تحتاج الى دلائل على الجريمة، خاصة انها لم تعثر على جثته.

هديل، 30 عاما، كانت تتعرض الى ضغوط اقتصادية كبيرة لتربية اطفالها بلا معيل، فيما المضايقات التي تتعرض لها اغلب “الأرامل” كانت تعقد الحياة اكثر.

المبلغ الصغير الذي جمعته من بيع مصوغاتها نفد وبدت الحاجة الى العمل أمراً ملحاً لاسيما وأن صاحب البيت يطالبها بالايجارات المتراكمة.
لم يكن بامكانها العمل لأنها غير متعلمة ولاتستطيع ترك اطفالها، لذا اشارت عليها نساء المنطقة بان تتزوج مرة أخرى.

بعد شد وجذب وافقت على رجل يكبرها بعشرين عاماً ومتزوج ولديه أربعة اولاد. كان الرجل قد وعدها ببيت مستقل وبأنه سيتكفل بكل متطلباتها مع أطفالها الثلاثة.

المشكلة ظهرت حينما قررت الزواج، فهي في وضع مرتبك، لم تكن أرملة أو مطلقة، والقانون لايعطيها أمر تفريق لأن الزوج غير معلوم، ولا يمكن أن تكون أرملة من دون جثة.

ارشدها المحامون الى جلب شهود زور للقسم بأن زوجها قد اختطف وهم شهود على اختطافه، ومن ثم يقولون بان جثته في مكان ما ولم يستطيعوا جلبها في حينها لأن الأوضاع الأمنية كانت خطيرة.

بالمقابل ارشدها آخرون الى طريقة أخرى للحصول على التفريق القضائي من خلال شهود زور أيضاً يؤكدون أن الزوج كان غير مسؤول وهجر زوجته منذ سنوات ولايعلمون مكانه!

كنا نجلس في الممر

التقينا بتلك المرأة في إحدى المحاكم ونحن نبحث عن قضية شهود الزور التي أضحت مهنة جديدة يمارسها اشخاص غالباً مايكونون عاطلين عن العمل.

شهود الزور يقفون في العادة على أبواب المحاكم ينتظرون فرصهم اليومية للحصول على مبالغ تتراوح بين بسيطة ومرتفعة، مقابل تقديم الشهادة المطلوبة أمام القضاة في أية مسألة من المسائل -وفقا لتلقين محامي المدعى أو المدعى عليه- لدرجة بلغت ذروتها مع تطور هذه الظاهرة ضمن أطر منظمة تقف وراءها أيد فاسدة يمكن إعادة تسميتها تحت مصطلح (سماسرة المحاكم).

في تلك الاثناء قال رجل خمسيني شعره فضي اللون يرتدي بدلة سوداء فضفاضة بشريط اخضر ويحمل معه مجموعة من الأوراق، اكتشفت فيما بعد بانه المحامي، همس في اذن هديل ببعض الكلمات لم نستطع سماعها بسبب ضوضاء المحكمة .

تركنا المحامي وعادت المرأة الى مقعدها بجوارنا وقد اصبحت اكثر قلقاً، قبل ان نسألها اجابت “ يخبرني – المحامي- بأني أمام خيارين أما أن استخدم شهود زور أو أن انتظر لخمس سنوات أخرى لعل المختفي يظهر من جديد”!

نقطة الوصول

التعامل مع شهود الزور يجري عبر بعض المحامين وكتاب العرائض، وهم يدورون حول المحاكم ويتصيدون المراجعين ممن تستعصي قضاياهم ويعرضون خدماتهم مقابل مكافأة مادية تبدأ من خمسة الاف دينار حتى الملايين وفقا لحجم القضية وخطورتها.

أحد المحامين أكد وجود العديد منهم مستدركا “لا اتعامل معهم” حين طلبنا أن نلتقي باحدهم، لكن بعد أن وجدنا مصرين على أن نتحدث مع أحد شهود الزور، اخرج هاتفه النقال من حقيبته السوداء واتصل بأحد الاشخاص ويدعى (ع.ج ).

وضع المحامي يده بين فمه والموبايل لكي لايتسرب الصوت الى الخارج “ لدي قضية واحتاجك “.

اخبر المحامي، الذي طلب عدم ذكر اسمه «مجلة الشبكة» بان «الشخص الذي نريد مقابلته سيكون في المحكمة غدا»، وطلب منا أن نجسد دور صاحب القضية ونتفاوض معه في حل المشكلة.

كان الموعد المتفق عليه مع المحامي، في العاشرة صباحا. كنا قلقين في تجسيد هذا الدور ونخشى أن ينفضح أمرنا. تأخر الشاهد عن موعده لثلاث ساعات ونحن نفكر بأنه ربما غير موقفه ولن يأتي.

في تلك الاثناء تذكرنا كلمات «هديل» قبل ان اودعها وهي محتارة بين اللجوء الى شاهد زور أو الانتظار لسنوات، وكانت تقول حينها بان «زوجي اختفى في تلك اللحظة بعد أن أوصله رجل عجوز صاحب التاكسي كما سمعنا من بعض شهود عيان الى احدى المناطق»، واضافت قائلة:

«هاتفه اجاب عليه رجل (لاتتصلوا هنا صاحب الهاتف اخذ مايستحقه)…».

وبين القلق والتفكير في كلام «هديل» والكلام الذي سوف نقوله للشاهد الزور، نادى صديقنا المحامي واشار لنا بالحضور الى أحد أركان المحكمة، وفي الطريق لمحنا «دشداشة بيضاء» فيها بعض البقع، ومسبحة تتساقط احجارها ببطء. كان الرجل في اربعينات العمر بلحية بيضاء ووجه ابيض وطرة – الصلاة- فوق جبينه، مد يده للسلام ولمحت محبسا فيه حجر أزرق غامق في سبابته، هز كتفي بقوة وبدا صحيح الجسد، ثم قال «المحامي اخبرني بانك مظلوم».

واضاف قائلا: « لولا انك مظلوم لما قررت مساعدتك». التفت الى المحامي وسأله «هل انت متأكد بان الحق معه»، أجاب المحامي بكل ثقة «بالتأكيد».

ادار الرجل (الشاهد) برأسه نحونا وقال «من الواضح بانكم اولاد عائلة محترمة ولاتستحقون مايحدث لكم».
لم نكن نعلم ماذا قال له صديقنا المحامي وما قضيتنا ولكننا لم نكن نهتم بهذه التفاصيل، وكانا ننظر الى طريقة كلام الشاهد ومدى ثقته بعمله وهو يسرد تفاصيل الاتفاق على المبلغ ويوم المحاكمة.

شهادة لاتتكرر مرتين

أمام شاهد الزور وكلام صديقنا المحامي، عرفنا ان تلك المجموعة (شهود الزور)، بانهم يشهدون الى صف الجميع، سواء كانوا جناة أم مجني عليهم، وبأنها مهنة أضرت بالكثيرين من الذين يطالبون بحقوقهم عبر الجهات القضائية.

ويقول لنا ابو ليث كاتب عرائض في أحدى المحاكم بإن «الاشخاص الذين يمارسون مهنة شهادة الزور أصبحوا محترفين في عملهم، فهم لايكررون وجودهم في المحكمة نفسها اكثر من مرة».

بالمقابل طلب صديقنا الشاهد 100 الف دينار لأنه يتعامل بطريقة الحصول على نسبة من أجور المحامي.
اخبره المحامي بانه سيتقاضي من صاحب القضية – نحن- مبلغ مليون دينار، فوجه الشاهد الكلام لنا «اذن سأخذ مئة الف دينار فقط، اكراماً للمحامي ولانكم اولاد عائلة «.

اتفقنا على أن التسليم سيتم بعد انتهاء المحاكمة، سأل الشاهد عن موعد القضية وعن أسم القاضي، وبدت عليه ملامح الارتياح حينما سمع بأسم القاضي بعد أن تأكد بأنه لم يشهد أمامه في قضية سابقة.