الشبكة تكشف التلاعب في القروض الزراعية

422

بشير الأعرجي /

أموال ضخمة للدولة ضاعت نتيجة التزوير في معاملات القروض المصرفية الحكومية، إذ تلاعب المزورون بالسندات والأوراق الرسمية، وبولغ كثيراً بتقدير قيمة الضمانات العقارية مقابل الحصول على تلك القروض بمليارات الدنانير، وآخر ما تم الكشف عنه، هدر بالمال العام بقيمة (16) مليار دينار لقرض زراعي نبتت بين جنباته بذور الفساد.
وتكشف “الشبكة العراقية” عن كيفية حصول محكمة جنايات القادسية على (16) دليلاً متصلاً بالدعوى المقامة أمامها ضد أحد الموظفين، والتي ضاع بموجبها (16) مليار دينار لصالح شركة أهلية، والمبلغ يمثل قيمة القرض المستلم من المصرف الزراعي، إذ قدّمت الشركة عقاراً ليكون ضماناً للقرض، لكن تبيّن من التحقيقات والوثائق أن ذلك العقار لا يساوي شيئاً أمام المبلغ المستلم، وهناك من تلاعب بقيمته.
(صبخة) بـ25 ملياراً!
جاء في حيثيات القضية التي اطلعت عليها “الشبكة العراقية” أن إحدى الشركات الأهلية أقدمت على طلب قرض من المصرف الزراعي، وقدمت للحصول عليه ضمانة عقارية بقيمة (25,956) مليار دينار بحسب القيمة التقديرية للكشف الذي أجراه المتهم في هذه القضية وهو موظف في دائرة التسجيل العقاري في الديوانية، وهذا الرقم على الورق يبدو مقنعاً للمصرف من أجل صرف القرض، لكن المفاجأة أن العقار الذي تبلغ مساحته الكلية (3000) دونم يقع خارج المناطق المأهولة بالسكان، بل يمكن وصفه بدقة أنه (صبخة) أي لا زرع أو ماء فيه ولا يسد جزءاً يسيراً من قيمة القرض المصروف لاحقاً لتلك الشركة بقيمة (16) مليار دينار.
وعلى وفق الضوابط المعمول بها في تقدير العقارات المشابهة للعقار المقدم كضمان، والتي اطلعت عليها “الشبكة العراقية”، فإن قيمة الدونم الواحد تبلغ (750) ألف دينار فقط، فيما قدّرها الموظف المتهم بـ(15) مليون دينار، أي (20) ضعفاً، وهو بذلك خالف الأوامر والتعليمات، وأحدث عمداً الضرر بأموال المصرف الزراعي بمضاعفته قيمة الضمانة العقارية للقرض، ووفق ما جاء في قرار الحكم الصادر بحقه.
قروض مهدورة
المتابع للقضايا المحالة الى هيأة النزاهة والأحكام الصادرة بموجبها من قبل المحاكم المتخصصة، يجد الكم الهائل من قضايا الفساد المتعلقة بصرف قروض المصرف الزراعي، الأمر الذي أفقد تلك القروض هدفها وأثّر سلباً على واقع الاستثمار في القطاع الزراعي، والمنتفعون هم مزورون وفاسدون تحايلوا على القانون بشتى الطرق.
المتهم بهذه القضية دفع التهمة عن نفسه أمام محكمة جنايات القادسية، وقال بحسب ما أورده قرار الحكم الصادر بحقه: “جاء تقدير قيمة العقار وفقاً للتعليمات والضوابط المعمول بها عام 2015، وأن ما قدّره الخبراء القضائيون كان غير منطقي، لأن العقار ملك صرف ويقاس بالمتر وليس بالدونم”.
هؤلاء الخبراء المنتخبون من محكمة التحقيق قدموا تقريراً ضمن الأدلة الستة عشر على إدانة المتهم، ذكروا فيه أن “الأرض خالية من المشيدات والخدمات وفيها كثبان رملية ولا وسائط سقي أو قنوات للري ولا مخلفات للحصاد وقيمة الدونم الواحد تبلغ مليون دينار”.
ارتفع المبلغ من 750 ألفاً إلى مليون، لكنه بالتأكيد لم ولن يصل إلى 15 مليوناً كما قدّره الموظف لقيمة الدونم الواحد.
الأدلة الستة عشر
الأدلة الستة عشر التي توفرت لدى المحكمة، ذات الصلة بالدعوى، تمثلت بشكوى المصرف الزراعي التعاوني التي تعززت بأقوال الممثل القانوني لدائرة التسجيل العقاري وأقوال شاهد الإثبات ومَحاضر التحقيق الإداري ومحاضر اللجان التحقيقية للدوائر المعنية بموضوع الدعوى وتقارير ديوان الرقابة المالية وتقدير الخبراء القضائيين وضوابط تقدير أقيام العقارات وكتب مديرية بلدية الديوانية ومديرية التسجيل العقاري في الديوانية ومحضر الكشف على العقار موضوع الدعوى واستمارات البلاغات لمكتب تحقيقات النزاهة في الديوانية وصور التسجيل العقاري للعقارات المقدمة كضمانات عقارية من قبل الشركة وكتب الدوائر الرقابية في وزارتي المالية والعدل ومحاضر الانتقال والتحري، وهي أدلة كافية ومقنعة لإدانة المتهم استناداً الى التهمة الموجهة إليه وفق أحكام المادة (340) من قانون العقوبات. ومع هذه الأدلة، أنكر المتهم ما وجّه اليه، وقال إن “العقارات ارتفعت أسعارها، وإن سعر الدونم تم تقديره بمبلغ (15) مليون دينار بسبب استصلاح الأرض وزراعتها بالحنطة والشعير من قبل أصحاب العلاقة”. لكن المحكمة لم تقتنع بما قاله المتهم أمامها.
الغائب عن اللجنة..
وبحسب حيثيات القضية، فإن هناك مخالفة مهمة تمثلت بإجراء الكشف على الأرض المقدمة كضمان للقرض من دون حضور أو توقيع مخوّل المصرف الزراعي التعاوني في الديوانية، كما أن الموظف المسّاح لم يحدد موقع العقار في محضر كشف تقدير قيمة العقار إن كان داخل حدود البلدية أو خارجها، والموقع مهم جداً في تقدير القيمة.
الموظف المسّاح أحيل الى هيأة النزاهة لاشتراكه بفعل أدى الى هدر بالمال العام، وكذلك فوتحت الجهات المختصة في وزارة المالية لغرض إجراء التحقيق الإداري مع إدارة المصرف الزراعي التعاوني في الديوانية لاعتمادها كشف تقدير قيمة العقار المنظّم من قبل الموظف الأصولي والموظف الفني فقط من دون إشراك مخول المصرف في لجنة تقدير قيمة العقار الذي أدى غيابه الى عدم اكتمال نصاب اللجنة بجميع أعضائها الثلاثة.
وعلى الرغم من تلك المخالفات، تم صرف (16) مليار دينار، لكن القضية لم تمر بدون عقاب، فقد أصدرت محكمة جنايات القادسية الاتحادية قراراً بسجن المتهم سبع سنوات، وإعطاء الحق للمصرف الزراعي بطلب التعويض أمام المحاكم المدنية.
المتضررون..
قضية صرف القروض من المصارف المخصصة لتطوير الواقع الزراعي بطرق ملتوية لم تنتهِ، فربما المسألة تتعدى فساد موظفين وشركات وأشخاص يدفعون الرشا مقابل الحصول على مئات المليارات.. الواقع يقول أن الفساد يستفحل، وهناك منظومة تنسّق عملها بإتقان لنهب ثروات العراق. وصحيح أن قضايا الفساد بدأت تفصح عن الأفراد المتورطين فيها، لكن مواجهة تلك المنظومة بحاجة الى المزيد من العمل الحقيقي والدعم الجماعي، لأن الجميع تضرروا من الفساد، ولن يقف الضرر عند حد معين.