“الشبكة” في الفلوجة وتلتقي الفريق الساعدي:تحريرها بايدينا انتصار لقوة الإرادة العراقية

555

نرمين المفتي/

حين كانت الحياة طبيعية في العراق، كنا نمر بالفلوجة في طريقنا الى بحيرة الحبانية، وكان لابد من التوقف وشرب الشاي في مقهى على الطريق العام أو لتناول وجبة من كباب الفلوجة الشهير. وكان أهالي الفلوجة كرماء، دائما، في الترحيب وفي التعامل وكانوا يقولون، بفخر، ان لا فندق في مدينتهم برغم كونها مركزا تجاريا، فالبيوت مفتوحة للعابرين من الغرباء الذين يسمونهم ضيوفا.

الفلوجة – الهياكل

في الطريق الى الفلوجة مررنا، هذه المرة، بنقاط سيطرة كثيرة لكن تعامل افرادها كان هادئا وطيبا والسبب واضح: إنها اخبار الانتصارات المتواصلة من ساحات القتال.

كان ذلك يوم 19 حزيران الماضي، أياما معدودة قبيل اعلان النصر التام. أول محطة لنا كانت في منطقة الهياكل، 19 كلم شرق الفلوجة. عشرات الهياكل الكونكريتية لمبان بطوابق متعددة كانت من المفروض ان تكون جامعة الفلوجة باقسامها الداخلية وكلياتها ومتنزهاتها وملاعبها، لكنها وبسبب الظروف المعروفة بقيت مجرد هياكل، بعضها مدمر جزئيا بفعل الهجمات الارهابية بالمفخخات في محاولة للسيطرة على هذه المنطقة التي استمرت عصية عليهم.

الفلوجة – الساعدي

في الطابق الرابع في احد الهياكل، نلتقي بقائد عمليات الفلوجة الفريق الركن عبد الوهاب الساعدي في مكتب هو عبارة عن قاعة بلا جدران ومنضدة واحدة وكراس بلاستيكية وبطانيات مفروشة على الأرض واكياس رملية وحواسيب لوحية واجهزة اتصال راديو.

الساعدي بافراد حماية أو مرافقين لا يزيدون على عدد اصابع اليد الواحدة، يرتدون، مثله، تي شيرتات سوداء عليها شعار قوة مكافحة الارهاب، وقبل التحدث الينا، تحدث لنا ضباطه، علي جميل واركان وحيدر وصفاء وهم يمسكون باجهزتهم اللوحية ويشرحون ويحددون المناطق التي تم تحريرها وتلك التي ستحرر، فيما تصلنا أصوات اطلاقات قريبة وقوية جدا وايضاح من العقيد علي “انها صواريخ الجيش تضرب مواقع العدو”.

انتصار الارادة العراقية

قال الساعدي انه وضع اولويات قبل البدء بالمعركة وهي المحافظة على حياة المدنيين وعلى حياة قواته والمحافظة على البنى التحتية والمدينة من الدمار والقضاء على الارهاب. وبالفعل قاموا باخلاء المدينة من العوائل التي كانت لا تزال فيها لغاية اليوم الذي التقينا به وكانت 75% من المدينة محررة، في حين كانت خسائر قواته 6 شهداء و29 جريحا فقط ونسبة الدمار لاتتعدى 10% فقط في مقابل مئات القتلى من الارهابيين.

ومع وصول مخابرة من جهاز الراديو، تؤكد أن هناك اربعة عناصر من داعش قرب المستشفى، يوجه الساعدي ضباطه بتحديد احداثيات الموقع والاتصال بالتحالف الدولي ثم ماهي إلا دقائق وإذا بصوت انفجار قوي. إنه “صاروخ هيلفاير”، قال الساعدي وتأكيد من خلال الراديو ان ثلاثة من الارهابيين قتلوا والرابع جرح.

“الامريكان قالوا بأن تحرير الفلوجة يحتاج الى ستة اشهر، وتمنيت ان اقود المعركة”، قال الساعدي واضاف “للفلوجة رمزيتها الكبيرة للعراقيين وكانت اول مدينة تعرضت للاحتلال ولها رمزيتها عند الارهابيين إذ اصبحت مقامهم المقدس، لذا فان تحريرها بايدي العراقيين وبتعاون مع التحالف الدولي يعني انتصار قوة الارادة العراقية”.

الانتصار- الانتماء

دمعة تلتمع بعين القائد الساعدي كلما نطق باسم العراق، هو وقواته لا انتماء لهم سوى العراق ولا يأخذون الأوامر الا من القائد الأعلى للقوات العراقية. في هذه القوات، لا يوجد ضابط أو جندي يشير الى قوميته أو دينه أو مذهبه، هم عراقيون فحسب. هنا ضابط من الموصل وسائقه وسام من الناصرية وهو لم ينزل في اجازة لستة اسابيع ماضية لأن ضابطه آمر فرج ولا يقبل ان يترك فوجه باجازة. وسام والد لطفل عمره 18 شهرا وكانت زوجته ستنجب طفله الثاني بعد يومين من لقائنا به. بايمان مطلق وبارادة الانتماء الى العراق تقاتل هذه القوات وتنتصر.

الفلوجة – جولة

يصطحبنا الرائد علي في جولة في المناطق المحررة. الحي الصناعي الذي اكتشف به اكبر مصنع للسيارات المفخخة والعبوات وقنابر الهاون. ونمر بجامع قصفت مئذنته. قال الرائد علي ان داعش تدمر المآذن للتمويه وتفخخ المساجد. ويشير الى دور احرقت ويقول انهم اضرموا فيها النيران لتضليل سلاح الجو. ونصل قرب المستشفى العام وجامع الحضرة المحمدية وكانت أعمدة دخان تتصاعد واصوات اطلاقات تسمع من بعيد والرائد علي يقول انها المواجهات في حي الجولان.

اكد الساعدي أنه اصدر أوامره بعدم قصف المستشفى برغم ان طابقه الثاني كان مقرا قياديا لداعش والسبب ان قصف المستشفى، أي مستشفى، يعد جريمة حرب وأمر بمحاصرته واحرق داعش الطابق الثاني منه.

الفلوجة – مأساة عائلة

اثناء جولتنا، استوقفنا العقيد علي جميل قرب سيارة اسعاف، وأمر بفتح بابها الخلفي، فظهر رجل تعب جدا، لن انسى نظراته التي كانت مزيجا من الألم والخوف والسؤال. اسمه خليل ابراهيم ويتمدد قربه ابنه محمد (10 سنوات) ومعه شقيقاته ووالدته. كان يريد التقرب من القطعات العسكرية لكن صاروخا داعشيا سبقهم واستهدفهم، استشهدت واحدة من بناته الثلاث فورا وجرحت الأخريتان وزوجته واصيب ابنه بحروق خطيرة. حمل الشهيدة والجرحى الى المستشفى ولم يجد أي كادر طبي فاستشهدت الزوجة والبنتان ودفنهن في حديقة المستشفى وبعد أن عثرت عليهم قوات مكافحة الارهاب تم ايصال الابن الجريح بمرافقة والده الى المستشفى الميداني ومنه الى مستشفى معسكر طارق وتم ايصال الأم والشقيقات الى لجنة استقبال النازحين. ولغاية ذلك اليوم، كانت التحقيقات انتهت مع 15 الف رجل من النازحين واطلق سراحهم الا 1086 شخصا كانوا انتموا الى داعش وتم التعرف اليهم من خلال قوائم الأسماء التي لدى المحققين أو من خلال ابلاغ من الأهالي النازحين.

أهل الفلوجة اهلنا

يقول الساعدي “حين نتحدث عن الارهاب والمنتمين الى داعش، فنحن لا نتحدث عن أهالي الفلوجة بالمطلق لأن اكثرهم متعاطفون معنا “، واضاف ” في 2003 حين دخلت القاعدة ارادت أن تصبح الفلوجة رمزا لها، فالموصل وصلاح الدين بعيدتان عن بغداد وديالى مختلطة وكانت الفلوجة الأقرب الى بغداد. ويضيف قائلا: لقد كان حل الجيش والأجهزة الأمنية سببا في توجه الضباط حتى من الجنوب اليها كما تسببت الاعتقالات العشوائية في خلق اجيال جديدة من الارهابيين”.

تقوم شرطة طوارئ الانبار بمسك الأرض بعد تحريرها. العقيد عبد الرزاق حمد هو ومن معه في فوجه من الفلوجة، يقول انهم جميعا لديهم قصص موجعة مع القاعدة سابقا وداعش حاليا وان بيته دمر خمس مرات وجرحت زوجته وشقيقته ووالدته باحدى الهجمات التي استهدفت منزله، ما تسبب بصدمة جعلت ابنه، (مواليد 1996) يفقد النطق ويؤكد العقيد عبد الرزاق أن الفلوجة ظلمت بسبب الأغراب واقسم ومن معه بأنهم لن يسمحوا لرجال الدين والشيوخ الذين اشعلوا الفتنة في ساحات الاعتصام وتسببوا بكل هذه الكارثة سواء داخل المدينة أم مأساة النازحين، من العودة إليها.