الطاقة المتجددة.. خيار ستراتيجي لحل أزمة الكهرباء

162

علي غني /

عندما كنا صغاراً، كنا نرمي بذور الثمار التي نأكلها من الأشجار الموجودة في حديقة البيت، وسعيد من يملك في بيته أشجاراً مثمرة، وقتها كنت أرى أن البذور التي أرميها عشوائياً في الحديقة، تنمو سريعاً، وتتحول إلى أشجار.
مليارات الدولارات أنفقت على تطوير قطاع الكهرباء من دون أن ينعكس ذلك إيجاباً على إنتاجها، أو يسهم بسد الحاجة المتعاظمة إليها. وقد ابتلعت آفة الفساد المتفشي أغلب هذه الأموال وأهدر الكثير منها بسبب غياب التخطيط وسوء الإدارة. وخلال السنوات الفائتة تعالت أصوات العلماء والخبراء العراقيين، وقدمت عشرات البحوث والخطط والمشاريع بهدف التوجه لإنتاج الطاقة النظيفة واستثمار المقومات الطبيعية للبلاد من شمس ورياح ومياه، وكلها عوامل أساسية لإنتاج هذا النوع من الطاقة المتجددة.
كما قدم خبراء وباحثون مشاريع لإنتاج الطاقة النووية، وهناك نوعان رئيسان من المفاعلات في مفاعل الماء المغلي المستخدمة في مفاعل الماء المضغوط من خلال التفاعلات النووية ، وفي كلا النظامين تتم إعادة استخدام المياه المتوفرة على امتداد نهري دجلة والفرات.
وثمة تحركات عراقية جدية اتضحت معالمها عبر تأكيدات رسمية عن إبرام صفقات مع شركات عالمية لاستثمار الطاقة الشمسية، تؤدي إلى إنتاج العراق نحو 10 آلاف ميغاوات في غضون سنوات عدة.
وظلت الأفكار والبحوث التي قدمها العلماء العراقيون على رفوف النسيان قبل أن ينفض عنها الغبار وتتم دراستها وتحويلها إلى مشاريع كبرى لإنتاج الطاقة المتجددة في البلاد.
طاقة هائلة
يؤكد عالم الفيزياء (الأستاذ الدكتور كمال حسين)، رئيس الهيئة العراقية للسيطرة على النظائر المشعة، الذي عمل في المفاعل النووي العراقي منذ الثمانينيات، أنه يؤيد بناء (مفاعلات القدرة) التي تختص بإنتاج الكهرباء، وهذه تحتاج أن تكون قريبة من مصادر المياه ( ولدينا مياه )، لأن المفاعل يحتاج إلى التبريد، ونحن نأخذ الماء من النهر لتبريد المفاعل ثم نطرحها إليه من دون تلوث، كبقية الدول التي تمتلك مثل هذه المفاعلات.
وأشار حسين إلى أن تكلفة إنتاج الكهرباء من الطاقة النووية أقل بكثير من المحطات النفطية والغازية ، كما أن هذه المحولات يمكنها العمل سبعة أيام في الأسبوع و٢٤ ساعة في اليوم، (٣٥٠) يوماً في السنة وهي لا تحتاج إلى أكثر من عشرة أيام في السنة لإدامتها.
كما أنها تعمل بكفاءة عالية تصل إلى 92 بالمئة، معرباً عن اعتقاده أن لجوء العراق إلى خيار الطاقة النووية والشمسية إنما هو خيار ستراتيجي لحل مشكلات الكهرباء.
وأوضح الدكتور كمال أننا هنا نتحدث عن مفاعلات القدرة الجديدة التي نفكر أن نبنيها في العراق، وهي من (الجيل الثالث)، وتتميز بدرجة أمان عالية تبلغ 100 % وهذا ما يبحث عنه جميع البشر، ونحن جزء من هذا العالم، فضلاً عن كونها مزودة بتقنيات حديثة يمكنها أن تطفئ المفاعل عند حدوث أي خلل يذكر، مشيراً إلى أن العلماء نجحوا بتجاوز أخطاء المفاعلات القديمة، فقد بات بإمكانها تحمل الهزات الأرضية لدرجة خمسة على مقياس ريختر، والعراق لا تصل فيه الهزات إلى هذا الرقم الكبير.
السلامة أولاً
لكن (المهندس خليل حياوي مراد)، وهو مدير عام متقاعد في وزارة الصناعة، يخالف الدكتور كمال في رأيه ويعتقد على الضد أن العالم ابتعد عن استخدام الطاقة النووية بعد الحوادث الكارثية لمحطات الطاقة النووية في العالم، ولاسيما حادثة (مفاعل تشيرنوبل)، على الرغم من إيجابياتها من حيث السلامة وقلة تكاليف الإنتاج، وفي هذه النقطة اتفق مع (الدكتور كمال)، لكن الطاقة الشمسية وتطبيقاتها أرغمت الاتحاد الأوروبي على التوجه نحوها كونها طاقة نظيفة، ويكاد تأثيرها البيئي لا يذكر.
ثروة شمسية
وتتفق (الدكتورة سندس سمير جمعة العزاوي)، اختصاص هندسة كهروميكانيك/طاقة شمسية في الجامعة التكنولوجية، مع ما ذهب إليه المهندس حياوي، مشيرة إلى أن الإشعاع الشمسي في العراق يصل تقريباً -كمعدل سنوي- إلى ١٢٠٠ واط/متر مربع، وإلى مستوى أعلى في مناطق مثل الأنبار والفلوجة، إذ يصل الإشعاع الشمسي إلى أقصى درجاته، وبالتالي يمكن استثمار الطاقة الشمسية وتحويلها إلى طاقة كهربائية.
وتؤمن العزاوي بأن هذه الطاقة ستخفف من الزخم الحاصل على محطات الغاز لتوليد الكهرباء، لكن هناك من يعترض بأن تكاليف الصيانة صعبة ومكلفة، نعم، أقر بذلك، لكن يمكن إنشاء فرق للصيانة، وهناك دول تعتمد على الطاقة النظيفة كالرياح والشمس في نصف إنتاجها من الكهرباء، وفرنسا مثال واضح على هذا السلوك.
أطلس حركة الرياح
من جانبه، يرى (المهندس علي العلاق)، المدير العام لدائرة الشؤون الفنية في وزارة العلوم والتكنولوجيا سابقاً، أن العراق من أوائل الدول العربية التي سعت إلى انشاء محطة كهرونووية في نهاية السبعينيات، وكذلك منتصف الثمانينيات.
وقال: لقد جرى اختيار منطقة الشرقاط لإجراء أولى المحاولات لإنتاج هذا النوع من الطاقة من قبل دائرة متخصصة في منظمة الطاقة الذرية. يستدرك العلاق أن الطاقة النووية فعالة في إنتاج الكهرباء، لكن مخاطرها كثيرة، أولها نظرة الناس إلى ما حدث في تشيرنوبل والكوارث التي مازالت مستمرة، لذلك فإن العمل في مجال المحطات الكهرونووية فيه مخاطر، واذا أردت ان تعرف رأيي فاقول لك: أنا مع الابتعاد قدر الإمكان عن الطاقة النووية لإنتاج الكهرباء، لكنني مع بناء مفاعل نووي تخصصي للأغراض البحثية، يدخل في إنتاج المواد الطبية والفحوص الهندسية، وفي مجال الزراعة والمجالات العلمية الأخرى.
وشدد على أن العالم يتوجه اليوم نحو الطاقة النظيفة، وهي (طاقة الشمس والرياح)، ولدى العراق طاقة شمسية ورياح، وأنا أتفق مع الدكتورة سندس، يمكن استغلالهما بالشكل الأمثل، ولاسيما أن هناك دراسة لوضع (أطلس ريحي) للعراق، لغرض نصب مراوح هوائية لتوليد الطاقة الكهربائية، إذ أن الأطلس الريحي يتضمن نظرة كاملة لسرعة الرياح على مدار السنة، والمناطق الواعدة التي يمكن الإفادة منها لنصب طواحين الهواء.
الخلية الشمسية
نعود إلى الدكتوركمال، الذي نوّه إلى أن طاقة الشمس فيها مشاكل كثيرة، فشمس العراق تصنف من الشموس (العالية الحرارة)، إذ كلما ازدادت درجات الحرارة تقل كفاءة الخلية الشمسية بنسبة٢٥ بالمئة، فكيف إذا تم استيراد أنواع رديئة، فإنها سوف تتعطل بسرعة، ثم أن هذه الطاقة محددة بأوقات معينة، وأن نسبة التجهيز تتراوح (من ٥-٦)، فإننا قد نصرف مليارات الدولارات من دون أن نحصل على طاقة مناسبة.
وبلغة الأرقام يشرح الدكتور كمال: العراق يحتاج إلى١٥٪ زيادة سنوياً في إنتاج الكهرباء، ويزداد هذا الرقم كلما ازداد عدد السكان، كما أن بعض الدراسات أشارت إلى
أن العراق يصرف (١٧٪) من الميزانية على الكهرباء، ولا توجد دولة في العالم تصرف هذا المبلغ، إلى جانب احتياجنا إلى(٣-٤ مفاعلات)، ولدينا مباحثات مع الجانبين الروسي والكوري، وإذا بقينا نعتمد على النفط والغاز فإن مشاكلنا سوف تستمر إلى سنة ٢٠٣٠، وهناك حقيقة يجهلها العديد من الإخوة الباحثين هي أن الاعتماد على الطاقة الشمسية يؤثر على النباتات البرية، إذ أنها تحول أراضينا إلى صحراء قاحلة، دون الالتفات إلى الغطاء النباتي، ما يؤدي إلى التصحر.
مشاريع
ويدافع الدكتور كمال عن أفكاره وهو يشير إلى أن فكرة إنشاء مفاعلات قدرة تسهم بقدر كبير بخفض انبعاث الغازات بنسبة١-١٣.
وبعيداً عن الجدل العلمي، فقد توجهت الحكومة بالفعل إلى عقد صفقات مع كبريات الشركات العالمية لإنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية، فقد أطلق البنك المركزي مبادرة لاستخدام مصادر الطاقة المتجددة لخفض انبعاث الكاربون وتحسين البيئة بمشاركة خبراء البيئة والطاقة المتجددة ، وباشر بنصب منظومات توليد الكهرباء من الطاقة الشمسية على عدد من أبنيته في بغداد وفروعه في البصرة والموصل وأربيل لتأمين جزء من احتياجاته من الكهرباء، كما دخلت الأمم المتحدة على خط الكهرباء، إذ كشفت نائبة الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، والمنسقة المقيمة ومنسقة الشؤون الإنسانية في العراق (إيرينا فوياشكوفا- سوليورانو) عن ستراتيجية لتبني مشاريع الطاقة النظيفة في العراق، ولاسيما تلك التي تعتمد على الطاقة الشمسية، ووصفتها بأنها مشاريع مهمة للأجيال القادمة من أجل توفير بيئة نظيفة ومستدامة.
اتفاق مبادئ
وبالفعل تم توقيع اتفاق مبادئ بين وزارة الكهرباء والشركات الصينية بشأن إنشاء محطات طاقة شمسية بسعة 2000ميغاواط، تنفذ بسعة 750 ميغاواط كمرحلة أولى، وصولاً إلى سعة 2000 ميغاواط، لرفد المنظومة بالطاقة المتجددة، كما أكد المستشار المالي لرئيس الوزراء، مظهر محمد صالح، عن تحرك العراق للدخول في جانب إنتاج الطاقة البديلة أو النظيفة، وهي الطاقة الشمسية، مبيناً أنّ نتائجه ستظهر خلال السنوات الخمس المقبلة، إذ أن العراق بلد حار في الصيف، مشيراً إلى أن إنتاج هذه الطاقة يسير بخط مواز مع إنتاج طاقة الكهرباء التقليدية، مبيناً أن العراق تعاقد مع شركة فرنسية لتوليد مقدار كبير من الطاقة يصل إلى 10 آلاف ميكاواط من الطاقة.
الجدل مستمر
وبحسب اللجنة النيابية الخاصة بالتدقيق والتحقيق في عقود وزارة الكهرباء، بأن وزارة الكهرباء لجأت في تنفيذ بعض مشاريعها إلى القروض الخارجية، التي تتراوح فترة سدادها من (٢٠١٧- ٢٠٤٨)، إذ أن ذلك يشكل عبئاً كبيراً على الخزينة العامة في السنوات المقبلة، فضلاً عن الفوائد المترتبة على تلك القروض، كما أن الجدل لم يحسم لحد الآن، عن أي الطرق التي تنفع العراق في توليد طاقة كهربائية مستمرة لها جدوى اقتصادية، لكني وجدت أن مجلس الوزراء يميل إلى استخدام الطاقة الشمسية.