العائلة المالكة في الأدب الانجليزي

122

ورود الموسوي /

ما زالت القصور الملكية رغم خلوّها الفعلي من حاكمين، مثار اهتمام وتطلّع كبير للشعوب وما زال عالمهم المخملي يحفّز الخيال لبناء قصورٍ أخرى لعوالم يجهلها الناس، فالملابس الملكية والأميرات المتلألئات والمؤامرات التي تُحاك في أروقة القصور ولمعان التيجان المباركة كلها مادة خام لنسج القصص الخيالية عنهم لأنهم مادةٌ ساحرة للسرد، يُشبهون غابةً مغلّفة بالجمال المخيف والمجهول.
زخارف المؤسسة الملكية وتيجانها وعروشها والقوة التي يتمتع بها الأمراء والملوك وحتى الخدم هي مادة يتداولها الجميع وتتناقلها الأجيال وتُقَصُّ على الأطفال بشكل خرافي أحياناً لنكتشف فيما بعدُ بأن كل هذا الخيال المنسوج هو بالحقيقة لعنة ملكية، وما السجاد الأحمر والأحجار الكريمة ووهج المصابيح والكاميرات التي تطاردهم إلا أقفاص ذهبية ترافقهم منذ الولادة حتى لحظة الموت!
ومع ذلك لا يراها الشعب هكذا لأنهم لا يرون المسؤولية الملقاة على كاهلهم ولا يتصورون عمق المأساة التي تحيط بهؤلاء الملوك والأمراء، وهذا ما سعت لتبيانه روايتان جديدتان تسلطان الضوء وتكشفان تفاصيل مثيرة عن العالم الغريب والمتميّز للعائلة المالكة في بريطانيا، الرواية الأولى حملت عنوان (المُربّية الملكية) وصدرت في العشرين من آب لهذا العام في الولايات المتحدة الامريكية للكاتبة البريطانية (وندي هولدن) التي اعتمدت في روايتها على قصة المربّية ماريون كروفورد التي كتبت كتاباً حمل عنوان (الأميرات الصغيرات) تحكي فيه قصة حياتها وكيفية دخولها القصر الملكي كمربية للأميرة مارغريت روز والأميرة اليزابيث التي أصبحت ملكة بريطانيا حتى يومنا هذا.
تقول وندي هولدن مؤلفة كتاب (المربّية الملكية) الذي عُدَّ الأعلى مبيعاً منذ صدوره عن مجموعة بركلي ويلباك: “بينما كنتُ أعتقد بأن السحر المذهل بشكل خاص هو للتيجان والفراء وبريق الماس، وجدتُ أن السحر الخاص هو للشخصيات الملكية الحقيقية التي جذبتني بالدرجة الأولى فهم يبدون لي كشخصيات خارجة من الخيال ولهذا ترسّخت عندي – باللا وعي – رغبةً جامحة بأن أضعهم في رواية أو أن أكتب عنهم لكني لم أكن أعرف كيف أبدأ أو كيف يمكنني فعل ذلك حتى وجدتُ القصة الرائعة والملهمة لماريون كروفورد”.
كروفورد عانت هي الأخرى من التقاليد المستحكمة في التربية الملكية فلم يكن مسموحاً لها بإدخال كثير من حياة العامة على حياة الأميرات الصغيرات، فهي من جهتها أيضاً كانت تقاتل كي تُذيق البنتين الحياة الطبيعية، فاصطحبتهما ذات مرة في رحلة في مترو الأنفاق حيث صرخت الأميرة الصغيرة (مارغريت) عند مشاهدتها السلم المتحرك (انظروا السلم يتحرّك!!) وذهبت بهما للتسوق من وولورث وجعلتهما يسبحان في المسابح العامة، لأنها كانت ترى أن التنشئة المحمية بهذا الشكل المفرط ستصبح من العيوب.
تقول هولدن: “يمكن أن تكون التنشئة الملكية مدمرة للغاية إذا جعلت الملوك يبدون بعيدين عن الناس، وقد تمنحهم هذه العزلة نوعاً من الغطرسة التي قد يراها الناس فيهم فيكرهون غطرستهم وسلوكهم الاستعلائي”. لذلك شعرت كروفورد التي كانوا ينادونها (كراوفي) بأن اليزابيث ومارجريت كانتا تعيشان حياة فيكتورية رسمية منعزلة لا مكان لها في العالم الحديث ورأت أن هذا الابتعاد ليس جيداً بالنسبة لهما، ولهذا السبب أخرجتهما من القصر وأظهرت لهما كيف يعيش الناس العاديون، لكن المؤسف أنَّ كل هذا قُمع تماماً عند ملاحظته من القصر!”
الحزن والتعاطف
الرواية الثانية للروائية “كلير ماكهيو” المقيمة في أمريكا والمولودة بلندن حملت عنوان (الأميرة الإنجليزية) صدرت في الثاني والعشرين من سبتمبر لهذا العام وهي الرواية الأولى لكلير التي قالت إنها سمحت لنفسها بالتحليق بعيداً عن الواقع لتضيف إلى القصة الأصلية كثيراً من الخيال ولتخترع قصصاً مضافة إلى القصة الأصلية، فرواية الأميرة الإنجليزية تتناول الحياة التراجيدية للأميرة فيكتوريا الثانية (فيكي) الابنة الكبرى للملكة فيكتوريا والأمير البرت.
تقول ماكهيو: “حاولتُ جاهدةً أن أتخيّل بدقة كيف يمكن أن يكون شعور امرأة كأميرة ثم امبراطورة ثم أرملة تعيش في قلعة ضخمة يحتقرها ابنها!!” وجاءها الجواب من الروائية “ساندرا نيومان” التي نصحتها قائلة: “ادخلي برأسها وابقي هناك”. واعتمدت الرواية على الرسائل الكثيرة التي كتبتها (فيكي) لوالدتها مما ساعد في خلق عوالم جديدة أعطت للعائلة بُعداً واقعياً إذ تقول ماكهيو: “إنّ العائلة المالكة أولاً وأخيراً عائلة ككل العائلات التي يحدث فيها كل شيء ويمكننا تصور حدوث كل أنواع المشاكل والنزاعات التي تحدث في العائلات العادية، كالتنافس والمقارنات والغيرة والحسد والأحزان التي يتعرضون لها لكن الذي لا شك فيه هو أن كل هذه المشاكل تحدث لهم بشكل مختلف عن الآخرين وذلك أن كل شيء بالنسبة للعوائل الملكية يكون مضاعفاً”.
رواية “الأميرة الإنجليزية” أضاءت نقطةً هامةً أيضاً تجعل القارئ يفهم ويتعاطف مع المولودين الملكيين، إذ تحاول الرواية القول إن أي إنسان يمكنه خلق حياته وأحلامه وطموحاته الشخصية خارج أجواء عائلته الأم وخارج حتى نسبه وانتمائه، لكن بالنسبة للمولود الملكي فهذا يكاد يكون مستحيلاً أن يفكر مجرد تفكير بالخروج على التقاليد الملكية أو التنازل عن اللقب الملكي، إذ تجري تهيئتهم وتنشئتهم منذ الولادة على المهام الملكية وعلى احترام اللقب الملكي وهذا ما كان واضحاً في السرد.
أخيراً أوضحت الكاتبة أن النساء الملكيات يتعرضن للأحكام المعادية ضد المرأة بنسبة أعلى من النساء العاديات، مذكّرة بالأميرة ديانا وما تعرضت له من ظلم ملكي وصولاً الى دوقات كيمبردج وساسكس، إذ ما زالت النساء الملكيات يتعرضن للظلم رغم التطور الزمني واختلاف الفترة الزمنية، وأن أفراد العائلة الملكية رغم الامتيازات التي يحظون بها والاستحقاقات المادية الهائلة التي يتقاضونها، لكنهم بشرٌ يتعرضون لكثير من الضغوطات والمتاعب، فهم محاصرون أكثر منا بظروف غريبة ومُتعبة ومشوهة للغاية.