الفساد يأكل الأخضر واليابس معاً (يشوفك حنطة ويبيعلك شعير)

254

#خليك_بالبيت

ريا عاصي /

كان مقياس الحرارة داخل السيارة يقرأ ٤٩ درجة مئوية، طفل لا يتجاوز عمره العشرة أعوام، يقف في منتصف الشارع ويشير إلى (الحاويات) التي يضعها في بداية الشارع وهي أربع ممتلئة ببنزين للبيع، اقتربت منه وعرفت أن اسمه (حسوني)، وقبل أن أسأله عن سبب اضطراره إلى هذا العمل الخطر، أسرع طفل أكبر منه بقليل نحوي ليحذرني بصوت عال “خالة هذا فاسد، يشوفج حنطة ويبيعلج شعير, تعالي اشتري مني.”
لم أناقشه وعدت إلى السيارة ليزداد يقيني بأننا، نحن المواطنين، مشتركون أو مساهمون في استشراء كل الظواهر السلبية، التي بدأت كمشاكل لم يتم حلها لتتحول إلى ظواهر، فإن كان حسوني فاسداً ويبيع البنزين المغشوش فلأنه يسمع بالفساد، ولاسيما أن العمل في الشارع يجعله يفهم كل شيء بسرعة، وإن لم يكن، فإن الطفل الآخر يلجأ إلى التسقيط، لأنه سمع أن تسقيط الآخر عملية ناجحة غالباً، وأنه يستطيع أن يلغي الآخر أو يستحوذ على نفوذه.
لنناقش معاً بعض هذه الظواهر السلبية.
العشوائيات في كل مكان
يبلغ عديد أحياء بغداد 89 حياً، أضيفت إليها (291) محلة عشوائية ما بعد 2003، حسب بيانات وزارة التخطيط لعام 2018. هذا التزايد المتسارع في عدد المنازل والسكان استنزف البنى التحتية التي صممت لتستوعب ما يعادل ثلث هذا العدد العالي لسكان المدينة، استنزاف بدأت نتائجه تتضح في كل شيء:
• الكهرباء التي سرقت أعمارنا وخزينة البلاد ولم تحل أزمتها حتى اليوم، مياه الشرب التي لم تعد صالحة ولا تدخل خزان المنزل إلا بمضخات سحب المياه، نقص أعداد المدارس والمستشفيات، وزحام الشوارع.
• شوارع بغداد حين تم تخطيطها أول الأمر في عام 1948 كانت معدة لتستوعب أكثر من ألفي عجلة وقابلة للتوسع لاستخدام 200 ألف عجلة، وعند تطوير طرقها وجسورها في بداية عقد الثمانينيات كان مخططاً لها أن تستوعب مليوني سيارة لا أكثر. اليوم تعجُّ بغداد بسيارات الحمل الثقيلة والصغيرة ومركبات نقل الركاب الصغيرة وعدد لا يحصى من المركبات الأهلية إضافة إلى عدد كبير من عجلات التوكتوك والدراجات البخارية والتي جميعها بلا أرقام أو تراخيص.
•إجازات السوق في بغداد توقف إصدارها منذ عام 2000 ومن ثم عادت للصدور في عام 2017، هذه الهوّة خلقت أجيالاً من سائقي المركبات قليلي الخبرة بقانون الشارع والمرور كما أن غياب إشارات المرور الضوئية والفسفورية خلّف كماً هائلاً من الفوضى.
كل تلك العوامل خلّفت سائقين عديمي الذوق، وباعة متجولين لا يهمهم عرض بضاعتهم في منتصف الشارع أو الخط السريع وأرصفة المشاة، بل تجاوزوا حتى على الممتلكات العامة من المتنزهات والجزرات الوسطية بجهل مطبق عن حق الشارع والرصيف والمواطن .
الفوضى بلا رقيب
عودة لحسوني الواقف في منتصف الشارع يبيع البنزين، سألت الشرطي الذي يقف في مفرزة تبعد عن حسوني 30 متراً:
هل مسموح بيع البنزين في الشارع؟
أجابني “طبعاً لا، لكننا إذا اعتقلناه فإن عائلته ستفقد مصدر رزقها الوحيد.”
المشكلة أن المواطن، بغياب الرقيب، أصبح يعتقد بأنه على حق حتى إن لم يكن كذلك، إما لاختلاط الأمر عليه، أو كنوع من أنواع التمرد والتنفيس عن غضبه لغياب الخدمات ولكثرة انتشار الفساد الإداري الذي أضحى دوّامة كبيرة تحيل كل أحلام وطموحات المواطنين هباء وتبرر لهم كسر القواعد والأنظمة وخرق القوانين.
لكن هل تتحمل السلطة وحدها هذا الفساد أم أننا، كمواطنين، ساهمنا بهذا الفساد؟
سؤال توجهت به إلى مجموعة من المواطنين وكان الرد:
دريد الصفار، خمسيني، تاجر في الشورجة يقول: “لا أذكر أني دخلت أية دائرة حكومية في العراق ولم أعطِ رشوة… ولا يوجد موظف في دائرة الضريبة أو الميناء لم أسلمه هدية أو نقوداً لتسهيل أمري.. في زمن النظام السابق، أعطيت رشاوى (نقود ومشروبات كحولية) لضباط من كل الرتب، ليس في الجيش فقط بل في الأمن والمخابرات والأمن الخاص.”
علاء الخزرجي، خمسيني، أعمال حرة، يقول: “كلنا ساهمنا في الفساد حين ارتضينا أن نأخذ حقوقنا عن طريق الرشوة، مثلا قبل عامين أخبرني ابن أخي أن هناك أوراقاً لا يمكن استحصالها إلا عن طريق الرشوة فذهبت معه وقابلت المديرة وأخبرتها أن إحدى موظفاتها طلبت رشوة، فاستدعت الجميع وطلبت من ابن أخي أن يشير إليها، لكن لعدم وجود إثبات تم ابتزازنا، فقد ماطلوا في استحصال الأوراق ما اضطرني لاستخدام علاقاتي واتصلت بأحد المسؤولين الذي طالب بإكمال أوراقي دون تعطيل، حصلت عليها بعد تأخير عشرة أشهر بلا معنى، وكان من الممكن أن أحصل عليها في نفس اليوم بدفع الرشوة.”
حسن علي مكي، مهندس بصري ثلاثيني، يقول: “نحن ندفع الرشوة لاحترام أنفسنا وتجنباً للإهانة بالوقوف في طابور تحت أشعة الشمس الحارقة. ندفع رشوة لكي لا يرجعك شرطي الجوازات لأن اسم جد أمك غير واضح النقطتين فوق التاء ويمكن أن تقرأ نوناً. ندفع رشوة للشرطي لنتجنب مراجعات عديدة لدفع الغرامة. ندفع رشوة لأننا أيقنا أنه إن لم نفعل فلوحة تسجيل سيارتك ستأخذها.. ولكن بعد ستة أشهر! إن لم تفقد معاملتك. ندفع رشوة لأن معتمد الوزارة الفلانية يجب أن يفطر كباباً ويتغدى قوزياً ويتعشى في أرقى مطاعم بغداد ويسافر بسيارة أجرة حين يأخذ معاملتك إلى البصرة، علماً أن كل مصاريفه مدفوعة من قبل دائرته، وطبعاً هو يجمع الرشوة من جميع الأشخاص الذين ستسافر معاملاتهم معه. لكن عمري لم أتسلم رشوة بالرغم من وجودي في دائرة استثمارية، فيما أصبح غيري مليارديراً بسبب الرشوة.”
سعد محمود، خمسيني، أستاذ جامعي: “أنا أكثركم فساداً، ارتضيت بالصمت وبالفرجة من بعيد.” تذكرت في العام الماضي حين التقيت المفتش العام لوزارة الداخلية السيد جمال الأسدي الذي قال لي: “أنا لا يخيفني الموظف المرتشي بل يخيفني المبتز.. لأن المرتشي من الممكن أن يعطيك حقك مقابل مبلغ لكن المبتز لا يرحمك ولا يخلي رحمة الله تنزل عليك.”
الابتزاز وطرقه
الشاب علي أنور، مختص بتكنلوجيا المعلومات، وهو يعتبر أحد شباب بغداد الرياديين الذين اعتمدوا على أنفسهم يقول: “أنا من الشباب الذين لم ينتظروا أن تعطيهم الدولة وظيفة بدوام محدد، فقد اخترت أن أشق طريقي في تكنلوجيا المعلومات التي تخصصت بها، حين أسست شركتي كانت أول صدمة لي عند استحصال الموافقات من دائرة الشركات والعقود، إذ صُدمت بالتفاصيل والروتين الممل والتعقيد، ونصحني الأصدقاء بتوكيل محام لـ (رش) الطريق وتسهيل الأمر، واستحصلت الموافقات القانونية الأصولية، لكن بعد تقديم الرشاوى، ثم قيل لنا إنه لابد من استحصال ترخيص قطاعي اتضح أنه يجب أن أحصل عليه من وزارة التعليم العالي من دائرة تسمى الهيئة العراقية للحاسبات والمعلوماتية، حصلت على موافقتهم، لكن للتوقيع النهائي كان لا بد من أن تتم مخاطبة الجهات الأمنية التي اكتشفنا أنها أكثر من أربع جهات، وكل جهة لا يمكن التواصل معها مباشرة، وغير معلومة أسباب رفضهم أو أوقات تسليمهم الموافقات، المهم تمت الموافقات بعد ستة أشهر، وخلال هذه الستة أشهر لم أتمكن من العمل الفعلي لأنني التزمت بالضوابط، لكن كان علي أن أدفع إيجار لستة أشهر ورواتب لثلاثة موظفين.” ويضيف أنه “بعد العمل لمدة سنة اكتشفت هيئة الاتصالات أن علينا أن نتجه لها أيضاً للحصول على الترخيص القطاعي، وبالفعل قابلت رئيس الهيئة الذي تفهم سبب حصولي الموافقة من الوزارة لكن كان علي أيضاً أن أنتظر مرة أخرى الموافقات الأمنية ذاتها، لكن هذه المرة اختلاف الجهة المخاطبة.”
الحقيقة أن أية دائرة، سواء الكمارك أو الضرائب، فإن علينا تقديم الرشوة لاستحصال حقوقنا التي إن طلبناها بشكل أصولي يتم ابتزازنا وتأخيرنا، لذا نضطر لدفع الضريبة والكمرك ورشوة موظف الضريبة وموظف الكمارك، بالإضافة إلى رشوة موظف البنك الذي يصرف لك الصك الذي من المفترض أنه أرباحك.”
الحل
الفساد الإداري كارثة كبيرة يشترك فيها المواطن والموظف والشرطي والقانوني وكل فرد من أفراد هذه المنظومة! فهل علينا أن ننتظر انفجاراً بحجم انفجار مرفأ بيروت لنعترف بأخطائنا ونلتزم بالقانون أم أننا يجب أن نبدأ بأنفسنا ولا نقبل بالتعاطي والسكوت عن الظلم؟
قبل يومين تعرض أحد أصحاب المطاعم لشتى أنواع الابتزاز، لا لشيء، فقط لأنه تحدث في الإعلام عن ابتزاز الأمن السياحي له، وبالرغم من محاولة مسؤول ذي منصب كبير التدخل فإنهم حاولوا تحويل الموضوع لقضايا فساد أخلاقي، كيف لنا أن لا نسكت عن حقنا دون ترهيب؟؟
ضعوا بيروت صوب أعينكم وتذكروا أنكم حين تدفعون الرشوة تساهمون في خراب البلاد.