الكنوز البريطانية المدفونة أمُّ الجَمال

165

ورود الموسوي /

بين الجمال والفن خيطٌ رفيعٌ في فلسفتهما، لذا يقعُ الخلطُ بينهما لقربهما الشديد. فالجمالُ مشهدٌ روحاني نفسي محسوس يرتبطُ ارتباطاً وثيقاً بالوجدان والعاطفة، بينما الفن هو إعادة خلق المحسوس وتحويله إلى واقع مرئي. وبهذا يكون الفن انعكاس الروح على الواقع، أو بمعنى آخر انعكاس الجمال على الواقع.
يقول الفيلسوف والشاعر الفرنسي (بول فاليري): “علم الجمال هو علم الحسّ والشعور، بينما الفن هو خلق هذا الحس وهذا الشعور.” من هنا انطلق الباحث الإنكليزي (نايجل أندرو)، الذي اهتمّ بالجمال والفن معاً، باحثاً في رحلته الطويلة عن الكنوز الجمالية الفنية البريطانية المدفونة في المقابر وكنائس القرى الصغيرة التي تحمل ثراءً فنياً أهمله الباحثون، حسب رأيه. إذ يرى نايجل أندرو أننا محاطون بجمالٍ ثريّ وفن عظيم مهجور ومنسي في الكنائس المهجورة والمنسية في إنجلترا، التي يعود تاريخها في الغالب إلى العصور الوسطى. يقول: “إن مقابر الكنائس هي في الحقيقة (الكنوز الوطنية الأكثر نسياناً).” ولأجل ذلك سعى نايجل أندرو لتوثيق رحلته هذه عبر كتابٍ أسماهُ (أمّ الجمال, الكنوز البريطانية المدفونة) وقد استعار هذه التسمية من الشاعر الأميركي (والاس ستيفنز) إذ يقول في إحدى قصائده (الموتُ أمُّ الجمال).
أمّ الجَمال
يتبنى نايجل أندرو نظريةً جمالية وفنية غريبة بعض الشيء، إذ يرى أن بريطانيا تمتلك أدباً عالمياً لا شك فيه، فهي معروفة بأسماء أدبية كبيرة كشكسبير وتشارلز ديكنز والأخوات برونتيه وأجاثا كريستي، وغيرهم من الأدباء. لكننا (حسب قوله) لا نملكُ موسيقيين أو فنانين عالميين معللاً قوله “بأنك إن رغبت في سماع سمفونية رائعة فعليك اللجوء إلى ألمانيا أو النمسا؛ وإن كنت راغباً في تمتيع بصرك بالرسم والنحت فعليك التوجه الى إيطاليا أو فرنسا.”
من هنا بدأت رحلته باكتشاف عالم الجمال الفني المنسي والمهمل في إنكلترا ليدافع عن بريطانيا وما تملكه من ثراء فني عظيم ومذهل، لكنه غير مرئي وغير معروف، والسببُ في ذلك (حسب رأيه) يعود إلى كون هذي الكنوز محليةً أولاً أو لأن النظرة إليها مازالت متواضعة وقاصرة، إذ غالباً ما يكون الفنان وراء المنحوتة مجهول الهوية رغم جمال المنحوتة ودقة صنعها.
سعى نايجل أندرو، في كتابه الجمالي هذا، إلى أن يأخذ كل البريطانيين في رحلةٍ مع الأعمال الفنية في إنجلترا ليبدأ من كنائسها الأبرشية، التي يعود تاريخها إلى العصور الوسطى، فيصف جمالها بأنه لا يُقارن مع أي بلد آخر، إذ تحتوي هذه الكنائس على منحوتاتٍ أثرية ومقابر مزينة بطريقة خاصة تدل على حرفيةٍ عالية لناحتيها حتى لو كانوا مجهولي الهوية، فهذه هي “كنوزنا الوطنية التي يُتغاضى عنها بكل سهولة.”
وضمن سعيه الجمالي والفني، سعى أندرو إلى تسليط الضوء على بداية ظهور هذه الآثار الفنية والتحف القيّمة وأهميتها في القرن السابع عشر عندما كانت إنجلترا تقف على طرفي نقيض: الأول يبدو ساطعاً ومشرقاً وتقدمياً ومدنياً، بينما الثاني يقفُ عند حدود التشدد والقسوة والظلام والظلم المخيف الذي كان يقعُ على الناس. لكنها أولاً وأخيراً إنجلترا التي تعرضت للحرب الأهلية والتقسيم العرقي والديني وخضعت لتصفياتٍ دينية عميقة التعقيد، يشيرُ إليها أندرو بأن كل هذه التناقضات كانت حاضرة أمام أعين النحّاتين الذين صمموا أجمل التماثيل في تلك المقابر النائية، سواء المقابر الواقعة داخل الكنائس أم المحيطة بها كالتي تقع في نورثهامبتونشاير أو ستافوردشاير أوفي مقاطعة لينكس وغيرها من الأماكن والقرى الإنكليزية.
لم يكتفِ نايجل بتصوير التماثيل التذكارية للموتى بل ربط بين الجمال الروحي للمنحوتة أو التمثال وبين المدفون تحتها، فعمد إلى سرد الوقائع التي أدت لصنع هذا النصب أو التمثال وما للميت من أهمية أو شهرة، ومثالاً على ذلك ما أبدعه النحات البريطاني (أفنيوس إيفشام) المولود عام 1570 وهو يجسّدُ ممات اللورد (تينهام الثاني) بمنحوتةٍ ضخمةٍ تقعُ في كنيسة القديس بطرس في قرية (لينستد) بمقاطعة (كانتيش)، حيث ينحتُ إيفشام تمثالاً بالحجم الطبيعي للورد تينهام جاعلاً أرملته الحزينة تقف بجانبه مع أطفاله السبعة الذين يحتمون خلف تمثال أبيهم، ما يعكس مشهداً جمالياً واقعياً في قطعةٍ فنية عظيمة وحزينة تلامس الوجدان الإنساني رغم أنها تجسدت في المرمر القاسي بكل عمق وعاطفة.
يقول أندرو: “إن الآثار الأكثر تأثيراً بعمق هي الآثار الأكثر حزناً وإنسانية.” ويروي حكاية الطفل الملفوف والممدد على نافذة رخام كنيسة (سانت كيلز) في ضواحي (إكنهام) في مقاطعة (ميدلسكس)، وهو نصب تذكاري للطفل الصغير (ريتشارد كلايتون) الذي نُقشت عليه قصته لنكتشف أنه الابن الرضيع للسيد (روبرت كلايتون) وزوجته (مارثا)، وقد فقدوه في 16 آب عام 1665 بعد سويعاتٍ قليلة من ولادته.” و رغم أن هذا النصب التذكاري غير معروف، إلا أنه يعد من أكثر الأعمال الفنية الإنسانية المؤثرة في إنجلترا.
ربما يعتقد بعض الناس أن الحديث عن جماليات مشاهد الموت وجمعها في كتاب قد يكون محبطاً أو سوداوياً في مجتمع غربي كالمجتمع البريطاني، أو الإنكليزي تحديداً, لكن على عكس التوقعات فإن النقاد أشادوا بتجربة نايجل أندرو وعدّوا هذا الكتاب تحفة جمالية فنية تضاف إلى المكتبة الإنكليزية، إذ قال عنه الناقد الإنكليزي (كريستوفر هارت): “إن تجربة نايجل أندرو في كتابه (أمّ الجمال) هو إعادة اكتشاف الأماكن المنسية وتاريخها وإعادة تشكيل الجمال من زاوية مختلفة بالبحث عن الجمال المدفون في أعماق الأرض، وذلك بالإشارة إليه وإلى كثير من المواهب الفنية التي غفل عنها النقاد والفنانون، ما يعيدُ للفن الإنساني قيمته، فتجربة نايجل أندرو تجعلنا نعيد النظر فيما أهملناه من جمالٍ وفن.”