“الكيوة” تصارع المكننة وتباع بأسعار عالية

95

 ضحى سعيد مجيد /

تصارع حرفة صناعة (الكيوة) او (الكلاش) اليدوية، التكنلوجيا التي بدأت تزحف على كل الحِرف والصناعات التراثية.
وتنتشر صناعة “الكيوة” في بلدان كثيرة منها العراق وإيران وتركيا، على الرغم من قِدمها.
ولا توجد معلومات دقيقة عن تاريخ نشأتها، لكن المصادر تشير الى قرون قبل الميلاد، وكانت -على ما يبدو- ضمن اللباس التقليدي الفلكلوري. تعد الكيوة, أو الكلاش ، من التراث التقليدي غير المادي، إذ ترافق ألبسة الرجال التقليدية، والنسائية في بعض الأحيان.
مدينة هورامان
وتحافظ مدينة (هورامان)، شمالي العراق، التي تقع على الحدود العراقيه الإيرانية، على صناعة الكيوة كموروث شعبي قديم، إذ يعتمد أهالي المدينة على هذه الصناعة كمورد مادي، كونهم يحترفون صناعتها وتميزوا بها وأتقنوا خبايا الصنعة أباً عن جد.
طلبٌ متزايد
اللافت أنه على الرغم من أن الكيوة تدخل ضمن التراث التقليدي، إلا أن الطلب عليها تجاوز القدرة الصناعية المحلية، ما دفع بعض التجار للجوء إلى المستورد الصيني الذي تجري صناعته بالآلة لسد النقص في السوق.
ولا يخفى عن الجميع أن المستورد يأتي بأشكال وألوان متنوعة وللفئات العمرية كافة، ويبقى الثابت هو الطلب على الصناعة المحلية على الرغم من ارتفاع الأسعار بالإضافة الى منافسة الأحذية الحديثة والماركات العالمية المصنوعة بأشكال وألوان وأنواع متعددة تلبي أذواق الزبائن.
موروثٌ كردي
يقول (أوات الهورامي -56 سنة)، الذي يمتهن صناعة الكلاش الكردي، وهو ينحدر من مدينة هورامان ويسكن مدينة أربيل منذ ما يقارب الـ ١٧ عاماً: إن صناعة الكلاش صناعة يدوية كردية تعتبر رمزاً من رموز الفلكلور للقومية الكردية ومن ضمن التراث الفلكلوري، إذ يعود تاريخها الى حقبة زرادشت -بحسب قول الهورامي-.
ويؤكد هورامي أن الكيوة تحظى بطلب عليها، ولاسيما في الأعياد والمناسبات وفصل الربيع، كونها تدخل ضمن سياق الزي الكردي التقليدي، مؤكداً أن ما تتميز به مدينة هورامان هي صناعة الكلاش، ولديها أماكن مخصصة لصنع الكيوة، مضيفاً أن هذه الصنعة توفر مردوداً مادياً مربحاً لأهالي المدينة.
وأشار الى أن سكان مدينة حلبجة والمناطق المحيطة بها، مستمرون في ارتداء هذا الحذاء معظم فترات العام، واستدرك قائلاً إن صناعة الكيوة في مدينة هورامان هي مهنة الآباء والأجداد كونها إرثاً تقليدياً قديماً ما زال أهالي المدينة يحافظون على هذه الصناعة على الرغم من وجود الموديلات العصرية الحديثة بأشكالها وألوانها المختلفة.
ويقول هورامي إن الأكراد اشتهروا عن غيرهم من المناطق العراقية بارتداء هذا النوع من الأحذية، وذلك بسبب الطبيعة الجبلية، كونه يخفف من أعباء المشي وصعود الجبال والمرتفعات ويساعد على المشي لمسافات طويلة، وكان ضمن الزي الرسمي لقوات البيشمركة في ستينيات القرن الماضي.
ولفت الى أن ارتداء الكيوة لايزال يدخل ضمن الزي التقليدي، ولاسيما في المناسبات والأعراس وأعياد نوروز، وغيرها من المناسبات، مضيفاً أن الحفاظ على لونه الأبيض يأتي كرمز للصداقة مع البيئة ويدل على النظافة، على عكس الألوان الأخرى.
مراحل صنع الكيوة
يشرح (بكر محمود سالم)، صانع أحذية الكيوة، يبلغ من العمر ٤٠ عاماً، مراحل صنع الكيوة التي ينبغي أن تكون من خيوط بيض، إذ يمرَّر الخيط بين إصبعين من أصابع قدمَي الصانع اليمنى، قبل أن يديره حول ماكنة خاصة صغيرة هي عبارة عن جذع خشبي ضخم، حتى يتحول الى كتلة سميكة تشكل جزءاً من الطبقة السفلية للحذاء، وتكون صناعته من الخيط القطني الخام، ويركب مع قاعدته المصنوعة من جلد الثور لحمايته من التآكل بخيوط ملونة، وكل هذا يعتمد على مواد طبيعية بما فيها الغراء، إذ يلصق به جزؤه السفلي، نستخرجه من نباتات طبيعية، أما الجزء العلوي منه فيصنع يدوياً.
ويوضح السالم أن ما يميز الكيوة هو أنها تتكون من فردتين بنفس الشكل لليمنى واليسرى، ويمكن انتعالها كيفما شئت كونها تصنع في قالب واحد، لذلك لا يمكن التمييز بين القدمين اليمنى واليسرى، واستدرك أن صناعة الكيوة عمل مجهد جداً ويحتاج الى أربعة اشخاص متخصصين، إذ يزداد الطلب على الكيوة في المناسبات والأعياد وفصلي الربيع والصيف، وعادة ما يزداد الإقبال عليها من كل الفئات العمرية، وحديثاً بدأ إخواننا العرب من مناطق الجنوب يأتون ليشترونها بسبب مناطقهم الحارة كونها باردة على القدم.
وأشار الى أن سعر الكيوة يترواح من ٢٥ ألف دينار عراقي الى ٥٠٠ دولار أمريكي، بحسب المواد الخام المستخدمة، لكن المستورد هو أقل قيمة من الصناعة اليدوية التي تعتمد على مواد طبيعية خالصة.
مضيفاً أن المحلي مصنوع من القطن مئة بالمئة وصحي، لهذا فإن الطلب عليه جيد وعادة ما يتم البيع بالجملة والمفرد لمناطق داخل كردستان والى المحافظات العراقية الأخرى، وهناك من يطلبه كهدية الى خارج العراق، لذا نتلقى طلبات على مدار العام. وأضاف: صنعنا كثيراً من الكلاشات وأرسلناها الى الخارج وهم يعرفون تماماً أننا نمتهن هذه الصناعة.
وأضاف: كثير من المارّين والسيّاح يلقون النظر على هذا المنتج المحلي الذي نصنعه نظراً لطبيعة الخامة التي تدخل في صناعته وما يتميز به من جودة وجمالية.
فوائد صحية
ويعتقد (سركوت حسن عبد الله، صاحب محل لبيع الكيوة، يبلغ من العمر ٤٥ عاماً) أن الدافع وراء الطلب على الكلاش ناتج عن فوائد طبية وصحية عديدة، ولاسيما لمرضى الفقرات، بالإضافة الى أنه بارد صيفاً حار شتاء، لهذا كثير من الناس يلبسونه أحياناً مع الملابس العادية لما له من مزايا، موضحاً أن الكلاش يدوم لما يقارب السنتين، مشيراً الى أنه يعد منتوجاً اقتصادياً جيداً على الرغم من ارتفاع أسعاره، بسبب الجودة والمتانة وطول مدة استخدامه.
ويبين أن الكلاش يبدو وكأنه ثقيل للوهلة الأولى، لكنه في الواقع خفيف الوزن جداً ومريح، ولهذا لايزال الطلب عليه كبيراً، ويقول: أنا ألبسه لفترات طويلة لأنه لا تنبعث منه روائح كريهة، عكس الأحذية المستوردة، فضلاً عن أنه يحافظ على قدمي من الأذى، ويضيف أن كثرة الطلب وإقبال السيّاح أديا الى تجاوز القدرة الصناعية المحلية لتلبية متطلبات السوق، وهذا ما دفع التجار الى تقليده واستيراده من الصين.