المخطوطات في مَشفاها بالعتبة العباسية المطهّرة

134

ميساء فاضل /

مركز ترميم المخطوطات بالعتبة العباسية المقدسة مركز علمي يُعنى بالحفاظ على التراث المخطوط بترميمه وصيانته بالطرق العلمية الحديثة والمحافظة عليها من التعفن والأضرار الناجمة عن تقادم الزمن والظروف الجوية والتدخل البشري.
مجلة الشبكة العراقية التقت مدير المركز، الكيميائي ليث علي فحدثنا قائلاً: بدأت الفكرة الأولى لتأسيس المركز عام ٢٠٠٧ وكان فريق العمل مكوناً من شخصين فقط، وكانت المخطوطات في أماكن متفرقة من العتبة العبّاسية المقدّسة وكلها جمعت في بداية الأمر في غرفة.
في عام ٢٠٠٨ أقيمت في الجمهورية الإسلامية الإيرانية دورات تدريبية متنوعة منها تصحيف المخطوطات وترميمها، بعد ذلك زاد عدد أعضاء الفريق فأصبحوا أربعة أشخاص، وكان عملنا في بداية الأمر بدائياً يقتصر على تنظيف المخطوطات وجردها وتهيئة علب بسيطة للحفظ. بعد ذلك أقيمت دورات في دولة التشيك حيث لديهم كلية خاصة بدراسة ترميم الآثار وفيها قسم ترميم الكتب واللوحات الفنية، وفي غضون سنة تقريباً استطعنا تجهيز مختبر صغير خارج العتبة العبّاسية المقدّسة.
بدأ العمل الفعلي بين عامي ٢٠١٠ – ٢٠١١ إذ استطعنا ترميم بعض المخطوطات، بعد ذلك أصبحت الحاجة ملحّة إلى بعض الفقرات التي لم نستطيع دراستها في الدورة الأولى، ما اضطرّنا للذهاب إلى دولة التشيك لأخذ دورة مكثفة متقدمة. بعدها زاد عدد فريق العمل والأجهزة المستخدمة، وانتقلنا إلى المستوى العالمي أو المتقدم بعد ٢٠١٣ حين أسسنا القاعة الحصينة وابتعنا الأجهزة من كبرى الشركات العالمية الرصينة الخاصة بترميم المخطوطات. بعد ذلك زاد عدد المخطوطات المرمّمة وزادت الطلبات من مؤسسات عراقية كثيرة، منها ديوان الوقف السنّي ومركز الوثائق والمخطوطات الوطنية ودار الكتب والوثائق الوطنية وجامعة بغداد قسم المكتبات، ومؤسسات غير حكومية تابعة لأشخاص وعلماء دين في النجف الأشرف.
وكان هناك تعاون على المستوى العربي إذ قدمنا محاضرة عبر الإنترنت بالتعاون مع مكتبة قطر الوطنية، وكان المفروض أن تقام على أرض الواقع، لكن حدوث جائحة كورونا حال دون إقامتها، وقد شارك فيها ٨٨ متخصصاً من ٣٥ دولة وأُعلنت عن هذه الدورة ونشرتها منظمتا اليونسكو والإيسيسيروم.
أما التدريب فينقسم إلى شقين؛ أحدهما للجامعات والطلاب، إذ لدينا تعاون مع الجامعات منها الجامعة المستنصرية قسم المكتبات وأكاديمية الفنون الجميلة، وشق آخر للمؤسسات العامة والمكتبات الشخصية، ويتم ذلك بمجرد إكمال المخاطبات الرسمية مع العتبة والباب مفتوح للجميع إذ يجري التدريب وتهيئة المتطلبات كافة للمتدربين، ولم نغفل الجانب التطبيقي لكي يطلع المتدرب على سير العمل وكيفيته.
يتألف المركز من أقسام عدة:
*قسم المختبر البايولوجي.
* قسم المختبر الكيميائي.
* قسم الترميم.
* قسم الأعمال الفنية والزخرفة.
قسم المختبر البايولوجي
يشمل العمل في المختبر البايولوجي تشخيص الإصابات بالكائنات التي تسبب الضرر وتشخيص الحشرات بواسطة العين المجردة أو العدسات المكبِّرة والمجاهر، أما البكتريا فتُشخّص بأخذ المسحات من المخطوطة وزراعتها ووضعها في الجهاز الحاضن لمدة ٤٨ ساعة إذا كانت المخطوطة مصابة، وبعد ذلك يتم تعقيمها بواسطة أجهزة خاصة في غرفة مُحكمة يوضع فيها كحول البيوتانول والماء المقطر لمدة ٧٢ ساعة وبعد خروجها من جهاز التعقيم يتم وضعها في جهاز (الهود) حتى يتم تبخير كحول البيوتانول للتخلص منه، والحال نفسه إذا كانت المخطوطة مصابة بالحشرات، ومن هذه الحشرات خنافس الكتب والأرضة والعثّة، بعد ذلك تُفحص الجلود ونوعيتها ومدى قوة الألياف وهل أنها تتحمل قوة المحاليل، كما يُفحص نوع الورق ومكوناته، ثم يُكتب تقرير مفصل بكل هذا يرفق مع المخطوطة ويتحول بعد ذلك إلى المختبر الكيميائي.
قسم المختبر الكيميائي
هنا يجري تحليل كل ما موجود بالمخطوطات من وثائق وأوراق وتذهيب وألوان وجلود وزخرفة وغيرها وتحديد المتضرر والمتكسر الذي يحتاج إلى تدعيم وتثبيت، كذلك يجري فحص حساسية الأحبار للتأكد من تأثيرها ومدى انتشارها في حالة استخدام المحاليل المتنوعة من الكحولات والماء المقطر، كما يتم استخدام المحاليل الكحولية بالفحص لأن المواد التي تدخل في عملية الترميم كلها مواد صلبة يتم تحضيرها بسوائل ومذيبات، وفحص حامضية الأوراق وذلك بتخفيض حامضية الأوراق بواسطة محلول خاص يتم تحضيره في المختبر الكيميائي التابع للمركز.
وتُحضر ألوان الإيزو المستخدمة في عملية صبغ عجينة الورق وصبغ الورق الياباني المستخدم في الترميم، ويُصنّع الورق الياباني بمواد طبيعية من القطن والكتان تستخرج من سيقان بعض النباتات التي تنمو فوق سفوح الجبال اليابانية، وهو نبات نادر جداً، وتستخدم أيضاً مع الورق مياه نقية جداً.
وتُحضَّر المواد اللاصقة التي تدخل في عملية تحضير عجينة الورق ومادة الصابون السائل الخاص بعملية غسل المخطوطة المسمى صابون البندقية الذي يستخدم في حالات خاصة تعتمد على طبيعة الأوساخ العالقة بالأوراق، كما تُفحص الجلود إذا كانت الألياف طويلة أو قصيرة، وتحضر مواد تشحيم وترطيب الجلود القديمة والمتيبسة، ويجري تحليل التذهيب ومعالجته ومعرفة التركيب الكيمياوي له والمواد المستخدمة فيه.
قسم الترميم
يشتمل عمل هذا القسم على وحدات عدة:
* وحدة ترميم المخطوطات: ومن مهامها ترميم كل المخطوطات التابعة للمركز أو المخطوطات المرسلة من مؤسسات أخرى.
* وحدة ترميم الوثائق والخرائط: وفيها تُرمَّم الوثائق المفردة والخرائط التابعة للمكتبة أو الواردة للمركز من مؤسسات أخرى أو جامعات عراقية أو مكتبات خاصة.
* وحدة ترميم الكتب المطبوعة والحجرية والمطبوعات النادرة: وتُرمَّم فيها كل الكتب المطبوعة الحجرية، ولاسيما المهمة منها فضلاً عن الكتب المطبوعة والنادرة.
آلية عمل الترميم
وهذه المرحلة تعتمد على نظرة المرمِّم أو الفحص البصري، وتعد أهم عملية لكتابة التقرير الأولي لحالة المخطوطة وبيان نوع الضرر وحالة الأوراق ونوع الأحبار وترقيم الأوراق بالقلم الرصاص في أعلى الصفحة والتوثيق الكامل والتحقق من الأضرار وتصوير المخطوطة من جوانب عدة حتى تجري المقارنة بين ما قبل العمل وما بعده.
التنظيف الميكانيكي
وهي عملية إزالة الأتربة والأوساخ العالقة عليها بواسطة مَسّاحات وفِرش مصنوعة طبيعياً وأدوات خاصة بالتنظيف وحسب توصيات تقرير المختبر الكيميائي، وتُرمَّم الشقوق وتُكمل النواقص المفقودة بالأوراق بطريقتين (حسب توصيات المختبر الكيميائي):
* الترميم بالورق الطبيعي وهو الورق الياباني باستخدام اللواصق الطبيعية.
* الترميم باستخدام عجينة الورق ويتم تحضيرها إما بالماء أو الكحول أو بالمزج بينهما. هذه الخطوة تعوض الأجزاء الناقصة من المخطوطة ويتم تحضير ألوان عدة من العجينة وخلط نسب معينة حتى يظهر لون مقارب للون الورقة الأصلي.
يبدأ صب العجينة على جهاز (الفاكيوم)، وتسمى هذه الطريقة بطريقة الحَقن لتعويض الأجزاء المفقودة، وهناك مخطوطات تجري عليها سلسلة من المعالجات، ومخطوطات أخرى تجري عليها المعالجات كافة، وقص الزيادات في الورق المرمَّم الجديد حسب القياسات القديمة للكتاب نتيجة الإضافات على الأجزاء المفقودة.
الخياطة
تُستخدم أشرطة القطن أو الكتان أو الرق، وكل هذه المواد تُخاط مطابقة تماماً لما كانت عليه المخطوطة سابقاً، ويرمَّم الجلد القديم، وفي حالة تعذر ذلك فيُستخدم جلد جديد طبيعي يؤتى به من السوق المحلية، وتُصحّف المخطوطة، وتجمع الملازم كما كانت في السابق وتُخاط إما بحسب الطريقة القديمة التي كان يستخدمها العرب المسلمون أو بطريقة جديدة في حالة كون الخياطة القديمة متقطعة أو غير واضحة.
تُصحَّف المخطوطة بطرق عدة:
* يرمَّم الغلاف القديم ويعاد تركيبه على المخطوطة إن وجد.
* يصنع غلاف جديد من الجلد الطبيعي إذا كان الجلد القديم مفقوداً أو تالفاً.
* يصنع غلاف (اللاك أو الغلاف اللاكي) في حالة إذا كانت المخطوطة نفيسة جداً وهي بدون غلاف بسبب عبث أو تمزيق، إذ يُصنّعه المختبر بحسب نوعية المحتوى الذي تحتويه سواء أكان أدبياً أم فقهياً أو إذا كان مصحفاً شريفاً، وقد تمكن مركز ترميم المخطوطات من أن يصنع مادة اسمها ( رينو فلاور)، وهذه المادة أثبتت نجاحها وفعاليتها بالحفاظ على المخطوطات.
* يصنع الغلاف من الجلد الطبيعي ويُزخرف بطريقة فنية متقنة.
تصنيع علب الحفظ
تصنع العلب من الكارتون القاعدي لكي يتم حفظ المخطوطات في وضع أفقي إذا كان المخطوط وثيقة، وبعد الانتهاء من الترميم يُصنع غلاف من نايلون خاص أرشيفي يسمى (ميلي نكس) وتحفظ بداخله الوثيقة، وهي متكونة من مواد طبيعية أيضاً للحفاظ عليها من التأثيرات الخارجية والحشرات والأعفان وغيرها، وبعد الانتهاء من العمل يتم تصوير الوثيقة بالكامل والتركيز على الأجزاء التي كانت متضررة ويُقارن بينها قبل كتابة تقرير نهائي ومفصل وبعدها عن كل عمليات الترميم مع ذكر المواد المستخدمة وتُطبع الصور قبل العمل وبعده على أقراص ليزرية وترفق مع المخطوطة.
الأعمال الفنية والزخرفة
يتضمن هذا القسم رسم لوحات زخرفية ذات صلة بالتاريخ الإسلامي، ويدرس العاملون فيه الفنون الإسلامية والحقب الزمنية التي مرت بها المخطوطة ويُعنون بفن صناعة الزخارف على الجلد الطبيعي وترميم اللوحات الفنية والصور الفوتوغرافية ورسم لوحات فنية مزخرفة وصناعة الأغلفة المزجّجة (اللاكي) وإكمال الزخارف داخل المخطوطة وتحضير الأغلفة المنقوشة والمحفورة من الجلد الطبيعي وكذلك صناعة الورق المرمري (الآبرو).
القاعة الحصينة
تحتوي هذه القاعة على أجزاء خزن مثالية مسيطر عليها، وهي قاعة محصنة الجدران لأنها مبنية بالخرسانة المسلحة على وفق المعايير الدولية وبدرجة حرارة ١٨م ورطوبة ٥٠ ٪، وتحتوي أيضاً على مستشعرات لقياس درجة الحرارة والرطوبة والحرائق أو في حالة حدوث كوارث طبيعية كالفيضانات أو غيرها، وهذه المستشعرات متصلة بأجهزة الهاتف النقال وتعطي إشارة في حالة حدوث كوارث أو ارتفاع بدرجات الحرارة أو الرطوبة، وتحتوي القاعة على خزانات ودواليب متحركة مطلية بمادة غير قابلة للصدأ ولا تنمو عليها الحشرات، ولا يمكن دخول أية مخطوطة إلى هذه القاعة ما لم تُفحص في المختبر البيولوجي والكيميائي للتأكد مما إذا كانت مصابة، ويرفق مع المخطوطة تقرير نهائي مفصل ودقيق بحالتها، ويُجرى فحصٌ دوري للقاعة الحصينة يومياً أو شهرياً، وتوضع المخطوطة في هذه الخزينة بعد إجراء التعديلات والترميمات التي تحتاجها.