المشاعلُ العاشورائية.. طقسٌ روحاني توارثه النجفيون

83

رؤى زهير شكر /

لشهر محرم وطقوسهِ في النجف الأشرف استعداد خاص ومميز مُنذ الليلةِ الأولى عند العشائر والبيوتات النجفية، حيث تُنصب المواكب وتُشد الخيام على أطراف المدينة القديمة، ويتجمع الشباب من كلّ بيت بعد صلاةِ المغرب في الصحن الحيدري ليشعلوا الفحم في
(المناقل) والنفط الأسود في المشاعل، وترتفع رائحة الشاي المخلوطةِ بالهيل وهو ما يُعرف بـ(شاي أبو علي)، ويقدم برفقته الكعك والخبز (ثواباً) لشُهداء الطف وواقعتها.
إن استذكار هذه الواقعة، بأشكالٍ معينة من المراسم، دأبت البيوتات على إحيائها في كل عام، ومن هذه الطقوس الضرب بـ(الزنجيل)، وهو جلدُ الظهور بسلاسل حديدية تشبهاً بضرب السياط على ظهور سبايا من بقي من أهل بيت الحسين حين اقتيادهم أسرى إلى الشام. هكذا يبقى الحال لستةِ أيام، بعدها تختلف الطقوس في الليلةِ السابعة حين يبدأ مهرجان المشاعل العاشورائية النجفي، الذي يختلف عن بقية الطقوس الخاصة بشهر محرم، إذ يستعد شباب كل بيت نجفي وعشيرة، قبل المهرجان بأيام، من خلال التدريب والتحضير واختيار الشاب الذي سيحمل مشعل البيت والعشيرة وما يصاحبُ هذا الطقس من فخر كبير، وهم يقيمون هذه الشعيرة المهمة وسط الأناشيد التي تصدح من خلال مكبرات الصوت واللطم على الصدور التي ترافق جميع هذه المراسم.
مشاهد وحكايات
الاستعداد لمهرجان المشاعل العاشورائية عامي ٢٠٠٤ و٢٠٠٥ كان له طقس حُسيني خالص، إذ كان رب العائلة يجمع أولاده ويذهب بهم عصراً إلى (المدينة القديمة) لإقامةِ طقوس عاشوراء والشعائر الحسينية، التي كانت حِكراً على الرجال، ونبقى نحن النساء والبنات بانتظار ما يصل إلينا من حكايات عن تلك الليالي التي يسردها آباؤنا وإخوتنا، أو عبر شاشة أحد الهواتف النقالة التي دخلت حديثاً إلى البلاد. غير أنَّ الأمر اختلف عام ٢٠٠٦ إذ نقلت الطقوس عبر البث المباشر لإحدى المحطات الفضائية الأرضية، فكُنا ننتظر البث بشغفٍ ممتزجٍ بالرهبة ونحن نتسمّر أمام الشاشات الصغيرة وكأننا على مشارف إعلان الحرب، ننتظر مرور مواكب بيوتاتنا النجفية وعشائرها، نُراقب ظهور آبائنا على الشاشات ونفخر بإخوتنا وهم يحملون مشاعل العشيرة، وعيوننا تدمع حين نسمع أسماءهم تتردد من خلال مكبر الصوت.
ينتهي البث المباشر حين يقترب مهرجان المشاعل إلى النهاية، لنعود نترقب عودة الآباء والإخوة ومن معهم من الأقارب، ففي العادة يتكفل أحد أبناء العشيرة بإقامة وليمة عشاء تعدّ بمثابة ثوابٍ للمناسبة الأليمة، نستمع بشوق إلى تفاصيل الليلة الغائبة عن عدسات كاميرات الفضائية وأجهزة الموبايل، فيما يعود حاملو المشاعل مُنهكي الجسد مسخَّمين بالزيت الأسود، إذ يشترط على حاملي المشعل الامتياز بالقوة الجسدية والطول الفارع والقدرة على التحمل والصلابة والتدريب المتواصل لهذه المهمة، وأن يكون خالياً من الأمراض، ولاسيما الرهبة من الدوران أو فقدان التوزان، ليعود بعدها فخوراً بما أنجز فنستقبله بالمأكل والمشرب والاهتمام وهو يسرد لنا لحظات حمله المشاعل وثقلها وعدد مرات دورانه أثناء حملها، وكيف يتحولُ ثِقل المِشعل إلى طقسٍ روحاني يُعظم الشعيرة.
كنا نحن البنات -أخوات حاملي المشاعل- نتباهى بهم بين الصديقات في الكلية والمدرسة، ونتحدث بزهوٍ عن قوتهم وعدد المرات التي داروا بها بالمشاعل التي يصل وزنها إلى أكثر من 85 كيلو غراماً يحملها الشاب عبر عارضة يثبتها على كتفيه أو في حزام حول خصره ويمشي على دقات الطبول في مسيرة نحو ضريح الإمام علي(ع).
(المَشَق) و(المشاعل)
المَشَق هو اصطفاف شباب كل عشيرة أحياناً على شكل صفٍّ أو صفين متقابلين من الشباب، أو بشكلٍ دائري، رافعين سيوفهم أو(قاماتهم) التي تُشحذ قبل وقت حملها مع هتافات تُمجد أبطال الطف وذِكر الحُسين(ع)، حتى الوصول إلى بوابات الصحن الحيدري، فتلتحق بهم كوكبة من شباب العشيرةِ ذاتها تحمل رايات كُبرى خُطّ عليها اسم البيت أو العشيرة مع عبارات تعظّم مكانة الحسين وأهل بيته، وتلازم هذه العزاءات حاملي ( المشاعل العاشورائية) التي تُعدُّ رمزاً من رموز الحرب وإشعالها، وثمة من يقول إنها لإضاءة الطريق أمام السائرين لإحياء ذكرى استشهاد الإمام الحسين، فيما يراها بعضهم أنها رمز للمعاناة التي شعر بها معسكر الإمام الحسين حين احترقت خيامهم. أمّا المشاعل -جمع كلمة (مشعل)- فهي عبارة عن خشبة طويلة يتفرع منها عدد من الكؤوس يتراوح بين 20 إلى 30 كأساً، أو مشعلاً، توضع في كل مشعل قطعة قماش تنقع بمادة النفط الأسود، وتُشعل النار فيها، ويقوم بحمل هذه المشاعل شاب تختاره العشيرة أو البيت النجفي بعناية ودقة.
توارثت هذه البيوتات والعشائر تلك الطقوس منذ أجيال، وتذهب أقدم الأقوال إلى أنها تعود إلى عام 1914 ثم انقطعت في نهاية سبعينيات القرن الماضي، إبان حكم البعث المباد، ثم عاودت الظهور بعد سقوطه عام 2003. وتتبارز عشائر النجف فيما بينها على جعل (المشعل) هو الأفضل من خلال التنظيم وقوةِ حاملهِ الذي يحافظ على دورانه والحركة به حتى كأنه لا يزن شيئاً أمام قوة الشباب البدنية، ويُرافق حاملي المشاعل أشخاص مختصون يصبون الزيت على الرؤوس لتقوية نارها والحفاظ عليها مشتعلة، وسط دقّ الطبول والأهازيج استذكاراً لواقعة الطف، فيما تحتشد جموع المعزّين عند بوابات مرقد الإمام علي(ع) لاستقبال المشاعل، وتبقى طقوس تدريب المشَق والمشاعل منذ بداية محرّم الحرام حتى تستعد كُل عشيرة لليلة العاشر من محرم، ويتجمهر الناس قبيل غروب شمس اليوم التاسع من شهر مُحرم عند أطراف المدينةِ القديمة حتى يُطوقون مركزها إحياءً لهذه الليلة حتى الصباح وهو ما يطلق عليه (ليلة الطباق) وهي الليلة التي (أطبق) فيها جيش عمر بن سعد على معسكر الإمام الحسين(ع)، وهو معنى مختصّ بهذه الواقعة دون غيرها.
ليلة الحِجّة
تهبط الشمس عند (بحر النجف) لتشرق شموس أخرى تطوف الصحن الحيدري الشريف ليلة العاشر من محرم من خلال طقوس مُتعددة بين البيوتات النجفية، إذ تنشطر العوائل برجالها ونسائها، وتزدحم شوارع المدينة القديمة في النجف بالرجال، بينما تتوزع النساء في مجالس العزاء لإحياء ليلة العاشر حتى وقت أذان الفجر، وهي ما تُسمى باللهجة العامية بـ(ليلةِ الحِجّة)، إذ يكون إحياؤها بإقامة الصلاة وقراءة القرآن ومجالس تستذكر فيها واقعة الطف وروايات الاستشهاد، وحينما تستعد السماء لإعلان الفجر تنتهي مراسم المشاعل وتُخمد نيرانها، بينما يبقى الدُخان متسيداً المشهد، فيما يتبارز شباب العشائر للوقوف بطوابير خاصة استعداداً لطقس يُسمى بـ (التطبير)، وهو ضرب الرأس بـ (القامة)، دلالةً على الدماء التي سالت يوم واقعة الطف، لتبدأ بعدها مراسم (التشابيه)، وهي عملية أقرب إلى أداء مسرحي في أماكن مفتوحة مخصصة لهذا الأمر، تُمثل فيها واقعة الطف بحذافيرها، ترافقها قراءة المقتل بصوت أحد مؤذني المدينة، لينسحب بعدها كُلٌّ إلى بيتهِ، فيما تغلق المحال التجارية والأسواق كافة، ويمنع تنظيف البيوت وكنسها من قبل الأمهات تكريماً لواقعةِ الطف، فضلاً عن عدم الطبخ في أغلب البيوت، لكون ما يُقدم هو ثواب لأرواح شُهداء الطف، إذ يُقدم الطعام كوجبةِ غداء لأفراد العائلة التي غالباً ما تكون (القيمةِ النجفية) الشهيرة، وهي عبارة عن وجبةِ من مرق الحمص المعمول باللحم والمعجون والقرفة وأنوع خاصة من البهارات، تُقدم مع صحن من الرز(التمن) ليعاود شباب العشائر والبيوتات التوافد إلى المدينة القديمة للزيارة وتنظيف آثار الليلة السابقة وحمل قِدورها وفك الخيام، ويبقى دخان المشاعل عالقاً على جُدران الذاكرة والقلوب قبل الجُدران ليُحيي ذِكر الحُسين ويذكرنا بأنه رمز للإصلاح والسلام والمحبة.