“الملك”: لا أعرف اسمي..واسرق كي اعيش

438

وائل حمد/

عند المساء يجتمع الصبية في ركن الشارع القريب من عملهم لتقاسم “أجرة اليوم”. كانت هناك فتيات صغيرات أيضاً ضمن حلقة أطفال الشوارع، لكن يصعب عليك تمييزهن عن الذكور بسبب شحوب الوجه وقصر الشعر وارتداء السراويل الفضفاضة.

ماذا يقول “الملك”؟

في ذلك الركن في وسط بغداد، كانت هناك أوراق صفراء ملصقة فوق بعضها على الأعمدة، تشير الى وجود أطفال “مفقودين”، فيما يقول “الملك”، وهو مراهق بملابس رثة: “في العراق، السرقة هي المهنة الأكثر شيوعا اليوم.. كثير يسرقون من الأطفال الصغار الى المسنين. وأحيانا تصبح معارك بين عصابات اللصوص على مساحة العمل”.
لم تكن الصياغات التي استخدمها “الملك” نفسها التي ذكرتها، لكنه كان يتحدث وكأنه عاش طويلا وليس مراهقا عمره 17 عاماً.
يقول “الملك” :”عندما بدأت لأول مرة كنت خائفاً في أي وقت قد تلاحقني الشرطة بسبب السرقة، أما الآن فقد أصبح أمراً سهلاً.. أصبحت خبيراً والدليل اسمي بين زملائي”.
وأضاف قائلا: “لم أكن أبدا في المدرسة، حتى أستطيع أن أقرأ أو أكتب، لكني تعلمت الكثير من الشارع”.

ويقول كنت”اعتاش على بقايا القمامة وأملأ جيبي بالسرقة. ماذا أفعل؟ أريد أن أعيش “.

“فلسفة”

وفي لحظة فلسفة كما يسميها ولايعرف تماما مامعناها، يمضي قائلاً:” في بلد مثل العراق، حيث كثير من الناس من دون مأوى وغذاء يصبح البطل هو من يستطيع البقاء على قيد الحياة بأي وسيلة كانت”.

يمسح المراهق دموعاً إنهالت على خده رغماً عنه، يمسحها بكم قميصه الرث ويكمل كلامه مع “مجلة الشبكة العراقية”، قائلا “أنا أتكلم لأني أريد أن يعرف الجميع بأننا لم نختر هذه المهنة، لكني وجدت نفسي وحيداً ولا أعرف من أهلي. لا أعرف ما إذا كانوا أحياءً أو أمواتاً”.

نقل “الملك” إلى دار للأيتام عندما كان في الرابعة من عمره ومنذ ذلك الحين تلقفته أيدٍ مختلفة اخذت رعايته.

يرمي عقب السيجارة ويقول:”لست متأكداً أيضاً من هذه القصة، لكني سمعتها من بعض الأغراب الذين عشت معهم لسنوات محدودة. لم يكونوا أهل خير لأني كنت، في بعض الأحيان، أشاهد بعض ضباط الشرطة يأتون ويمارسون أفعالاً مشينة مع الأولاد الأكبر سناً في أحد المنازل التي عشت فيها”.

الهروب

المراهق هرب من ملجأ للأيتام مع صبية آخرين واتجه الى الشارع. يشير الى المكان (المتنقل) الذي يعيش فيه في أحد أزقة البتاويين ويقول “أحيانا أشعر بالوحدة. الشيء الوحيد الذي يجعلني سعيدا في نهاية اليوم هو أنني عندما أسرق شيئا مما يمكنني بيعه في السوق للحصول على بعض المال للأكل والشرب”، ويضيف قائلا: “نعم إذا كنت لا تسرق لن تحصل على الطعام. أنا أسرق أجهزة كهربائية والكترونية من المتاجر. أنا لم أسرق من بيوت الناس”.

“سرقت برغم التشديد الأمني”

يتحدث المراهق عن آخر سرقة حدثت ليقول: “قبل فترة سرقنا متجراً في أحد الأحياء الراقية بالعاصمة، لم يرني أحد، وعندما قلت لأصدقائي في الشارع فوجئوا لأن لا أحد قد فعل هذا من قبل، بسبب وجود اجراءات أمنية مشددة في تلك المنطقة”. ويضيف قائلا :”لم يتم اكتشافي أبداً. أنا الآن ملكهم. من الجيد أن تكون لديك شعبية بين المجموعة”.
بالرغم من ذلك يعترف “الملك” الذي لايعرف اسمه بالضبط إذا كان “أحمد” أو “محمد”، لكنه يعتز بلقبه، بأنه “محظوظ”، وبأن البراعة والخبرة في السرقة ليست هي المفتاح السحري لعدم القاء القبض عليه، حيث يقول ” أنا محظوظ لأكون قادراً على السرقة في أماكن الأمن فيها مشددا “.

“الملك” ومجموعة الأطفال والمراهقين الآخرين ينامون في أماكن مختلفة، مبان حكومية فارغة، أو هياكل منازل مهجورة. إنهم يشكلون مجاميع للحفاظ على مسروقاتهم وحياتهم، لأنه كما يقول المراهق “علينا الحفاظ على بعض الأشياء، لأن هناك مجموعات أخرى من الأطفال أحيانا يأتون لسرقتها منا. قد تقتل إذا لم تعط لهم ما لديك”.

قبل أن يغادرنا “الملك” نظر إلينا وقال “قد يراني الناس مجرما ولكن ما يمكنني القيام به من دون دعم الأسرة؟ السرقة هي أسهل وظيفة، وأنا سعيد لوجودي في هذا العالم لأني قادر على دعم نفسي بدلاً من أن تتحكم بي العصابات وتبيعني الى دول خارج البلاد”. أخذ دراجته النارية التي اشتراها من أموال آخر سرقة واختفى بين جموع السيارات والناس، وعبارة” أطفال خارج العراق” ترن في الأذن.

حوادث الاختطاف

وتنتشر في بعض أحياء بغداد ملصقات لصور أطفال مفقودين، وهي غالباً ممزقة لمرور سنوات على لصقها.

ويقول حيدر حامد ناشط مدني في مجال حقوق الإنسان إن “أغلب حالات الاختطاف أو فقدان الأطفال لا يتم الإبلاغ عنها لدى مراكز الشرطة، بسبب الخوف مما قد يحدث، وأيضا لأن الناس لا تثق دائما بالشرطة وتلجأ غالباً الى العشائر”.

ويعتقد حامد في حديثه لـ”مجلة الشبكة” أن “هؤلاء الأطفال يتم بيعهم خارج العراق، للاستغلال الجنسي، والعمالة في بعض دول الخليج والدول المجاورة، وإلا أين ذهبوا؟ ويضيف قائلا: “إنهم ليسوا في الطب العدلي ولاتعرف عنهم الشرطة شيئاً”.

يقول حامد بأنه مطلع على أكثر من 20 حالة لفقدان أطفال وهم باعمار تتراوح بين ثلاث إلى خمس سنوات. ويضيف قائلا: “وجدنا ثلاثة منهم مقتولين بالرصاص، والقسم الآخر قد

هرب خارج حدود العراق فيما يعرف بالاتجار بالأطفال التي ترعاها المنظمات الأجنبية التي تستغل الوضع غير المستقر في العراق”.

ويمضي الناشط المدني قائلا: ” قابلت امرأة في بغداد كانت قد باعت طفليها بعشرة ملايين دينار بسبب الوضع المعيشي المدقع”.

وأضاف قائلا: “اعترفت بأنها باعت أولادها إلى امرأة غنية. كما التقيت امرأة أخرى أرادت أن تشتري أحد الأطفال بعشرة الآف دولار”.

أين يذهب الأطفال؟

ويرجح أن وراء أختفاء العديد من الأطفال شبكات للاتجار بهم داخل وخارج البلاد. في حين لا توجد إحصاءات رسمية متوفرة عن الأطفال المفقودين في العراق. لكن آخر تقرير اصدرته منظمة الطفولة التابعة للأمم المتحدة (اليونيسيف) كشف أنهم أكثر من 3 ملايين – أي طفل من كل 5 أطفال.