باعة متجولون..يحتمون بالّلثام من حر الصيف وعيون المارّة

346

 إيفان حكمت/

تتناسل الظواهر الاجتماعية السلبية من رحم الحروب والأزمات الاقتصادية. وتمثل البطالة وعمالة الأطفال والشحاذة أهم إرهاصات تلك الأزمات. إذ يلجأ الناس، لاسيما الشباب والأطفال منهم، الى ممارسة أعمال أقل ما يقال عنها أنها شاقة وتمارس وسط أجواء لا تحتمل من أجل كسب لقمة العيش التي تصبح في مثل هذه الظروف عبئاً ثقيلاً وتحول حياة بعضهم الى مجرد هوامش منسية وسط صخب الحياة التي تعيشها العوائل المترفة.

باعة ملثمون

ليس من الغريب وجود هؤلاء الباعة، خاصة في بلدان دول العالم الثالث النامية، ولكن الغريب، في بغداد، وجودهم وهم ملثمون، ويختلف هذا اللثام من شخص لآخر، فمنهم من يستخدم الغترة العربية، وآخر يستخدم لثام الدراجين الأميركيين، إلا أن نقطة التشابه بينهم جميعاً هي العيون التي تنضح فقراً وعوزاً وإرهاقاً. فمعدل وقوف هؤلاء على أقدامهم قد تتجاوز نصف اليوم في جو العراق الذي يتميز بتطرّفه. بردٌ قارس في الشتاء، وحرٌّ لاهب في الصيف. أما موسما الربيع والخريف فإنهما يمرّان مرور الكرام.

حماية من الطقس

في منطقة الوزيرية، بالقرب من تقاطع جامع النداء التقينا بجعفر محمد ابن الـ (17) ربيعاً. يقول في حديثه لـ”الشبكة العراقية” إن اللثام الذي يضعه يحميه من الطقس، لينزل الدفء إلى أنفاسه في الشتاء، ويرطب نصف وجهه الأسفل في الصيف.

ويضيف جعفر: إن قسوة الحياة تجعله يتحمل قسوة الطقس، مشيراً إلى أن عائلته تحتاج لمصروف شهري كبير، وأنه المعيل الوحيد لهذه العائلة عندما انتقل المعيل الرئيس والده لملاقاة وجه ربّه بعد أن قضى نحبه في التفجير الإرهابي الذي طال مطعم حبايبنا بمنطقة الطالبية.

الاختباء من مجتمع قاس

بالقرب من المرآب العسكري في ساحة الطيران رأينا (كرار)، اسم مستعار بناءً على طلبه، ابن الثانية والعشرين ربيعاً، والذي كان لوضع لثامه سبب مختلف، فيقول “إنه من عائلة محافظة، وله خمس أخوات منهن من تقف على أعتاب باب الزواج، حيث من الممكن أن يؤثر عمله على مستقبلهن ونظرة أزواجهن لأخيهن وهو يتنقل بسطلِه المليء بقناني الماء بين إشارة وأخرى.

ويضيف كرار أن أحد أصدقائه واجه تجربة مريرة حين تقدم لجارته للزواج منها، فرُفِضَ من قبل أهلها كون عمله لا يليق بمستواهم.. ويؤكد (كرار) أنه بحث بشكل جاد عن عمل يبعده عن التنقل في الشوارع، لكنه لم يوفق، لافتاً إلى أن أعمال الخدمات المطعمية المتوفرة لمن هم بظرفه لا تكفي لسد احتياجاته وعائلته.
موضة ودلالة على مهنة!

بالقرب من مرآب العلاوي كان أحمد العاشق- كما أطلق على نفسه – ابن الخمسة عشر ربيعاً الذي يرتدي قبعة قش من الغرب الأميركي ولثاماً رسم عليه نصف جمجمة، ليقول إن :اللثام بات دليلاً على مهنتنا كباعة متجولين، فكما أن لكل مهنة زيّها الخاص بات اللثام زيّنا الخاص.

ويضيف العاشق ضاحكاً: إن اللثام يمنح شخصيتي الغموض والقوة، وهو أمر تحبّه الفتيات، لافتاً إلى أنه بزيّه يتشبه بالممثل الأميركي “Will Smith” في فيلم “Wild Wild West” خاصة وأنه يملك ذات السمار الذي يملكه النجم الهوليوودي.

ويشير العاشق إلى أن مهنتهم قد تكون متواضعة، إلا أن دخلها جيد، منوّهاً إلى أن ملابسهم ليست رخيصة الثمن وأن اللثام الذي يرتديه لوحده كلّفه أكثر من خمسة وعشرين ألف دينار كونه “ماركة أميركية”.

فوضى حقوق الإنسان

مصطفى سعدون، رئيس المرصد العراقي لحقوق الإنسان، يقول في حديثه لـ”الشبكة العراقية ” إن باعة العراق المتجولين لم يتحقق لهم أي شيء من المعايير العالمية لحقوق الإنسان، لا بساعات العمل، ولا بأعمار الكثير كونهم أطفالاً، ولا بحقّهم في الحماية من الشمس التي تقترب بحرارتها في شهري تموز وآب من درجة الغليان، ولا بخطورة عملهم الذي يعتمد على التنقل بين السيارات المسرعة.

ويضيف سعدون :إن المشتري من هؤلاء الباعة قد يكون ضحية أيضاً، خاصة في مسألة مياه الشرب والمأكولات التي لا تخضع للرقابة الصحية ولا لتطبيق معايير السلامة الصحية.. كما أن اللثام يزيد الطين بلّة، ففقدان الوجه، يعني فقدان الخيط الرئيس في أي قضية تسمم جرّاء هذه المشروبات والأغذية.
ويدعو سعدون الدولة العراقية إلى بناء أكشاك صغيرة في هذه التقاطعات لتشكل مصدر رزق كريم ومحترم لهؤلاء، إضافة إلى إعالة الأطفال وعوائلهم وإرجاعهم إلى المقاعد الدراسية ليأخذوا حقهم في عيش طفولتهم المفتقدة.