بين “أرضي” و”فضائي” مليون مواطن يسرق الدولة !

493

بشير الاعرجي/

نحو مليون مواطن تحايل على الدولة، مرة بصفة كائن فضائي يقبض فاسدون راتبه الشهري وهو غير موجود أصلا، وآخر يتسلم حصة تموينية بالتزوير والغش، وثالث يقبض راتب الحماية الاجتماعية نيابة عن متوف من مواليد القرن الماضي ، وبين هذا وذاك ثمة فضائون من نوع آخر يقبضون رواتب تقاعدية بدرجة مدير عام وهم ليسوا إلا عجزة ومراهقين ورؤساء عشائر.
من رحم الفساد الكبير خرج “الفضائيون” ومعهم مئات المليارات التي استنزفت خلال المدة الماضية.
«الشبكة» تفتح ملف “الفضائيين” وتسلط الضوء على صفحات الغزو على أموال الدولة والإجراءات المتخذة، سواء لاسترداد هذه الأموال أم لوقف هذا النزف المالي، الذي يجري في وقت حرج وعصيب تمر به البلاد من جراء الازمة المالية.
أنتجت الأزمة الاقتصادية في العراق حالة أشبه ما تكون بتعرض البلاد إلى صعقة كهربائية، لتعيد النبض إلى جسد قرّبه الفساد من فراش الموت، فالمليارات التي تهدر يوميا بممارسات فساد وسرقات لأموال الدولة بمسميات عديدة، بددت ثروات البلاد، وصار الحديث عن ظاهرة (الفضائيين) متلازما مع كل حالة تسرّب للأموال من خزائن الدولة، ليصبح كابوس الإفلاس حقيقيا.
كوكب الفضائيين
وينتقد العراقيون بعض السياسيين وأعضاء مجلس النواب بأنهم تسببوا في إفلاس العراق، لكن هل تحدث أي مواطن وذكر أن الفساد لا يشمل الطبقة السياسية فحسب، إنما هناك مواطنون نتعامل معهم يوميا، كانوا مساهمين بشكل أو بآخر في إحداث شقّ كبير لكيس أموال العراق.
هناك فضائيون بأعداد هائلة لا ينتمون إلى الكوكب الأمني المتهم بحصة الأسد من الفضائيين، سكانه ينتمون إلينا.. أقرباء وأصدقاء ومعارف، ينفّذون في كل يوم غزوة على خزينة الدولة، عبر هجوم يستهدف رواتب الحماية الاجتماعية ومفردات البطاقة التموينية، لتكون حصيلة الخسائر مليارات الدنانير، وهنا نتحدث عن 814 ألف متجاوز على البطاقة التموينية و4555 متجاوزا آخر على رواتب الحماية الاجتماعية من المواطنين و22 ألف موظف ومتقاعد يتسلمون مرتبات الإعانة من الدولة بغير وجه حق، وفقا لاحصاءات اعلنتها وزارتا التجارة والعمل والشؤون الاجتماعية وهيئة التقاعد العامة.
أموال النفط
في العام 2006 بدأت الحكومة بإعطاء المبالغ لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية لغرض توزيعها بين بعض الفئات المعوزة في العراق، وهم الأيتام والعاطلون عن العمل والأرامل والمطلقات والعاجزون، فتم تسجيل عشرات الآلاف، ومن ثم تضاعف العدد ليصل إلى مليون و18 أسرة، ومن بين المليون أسرة عشرات الآلاف من ميسوري الحال الذين ينفقون في اليوم الواحد ما يساوي مرتب الحماية الاجتماعية الشهري بكامله!
بهذه المعلومات بدأ مدير عام دائرة الحماية الاجتماعية التابعة لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية زيدان خلف عبيد الحديث لـ»الشبكة»، وبيّن أن «بعضهم ممن لا يحتاجون إلى مرتبات الحماية يعتقدون أن هذه الأموال هي حصتهم من النفط، لكنهم لا يعلمون انه تجاوز على أموال الدولة والاستحواذ على حقوق المحتاجين».
وأضاف: «لدينا 4555 متجاوزا على شبكة الحماية الاجتماعية خلال عام 2015، وتم استرجاع 3.854 مليار دينار، غير أن الغريب في الأمر هي المبررات التي تدفع بعضهم لهذا التجاوز، ومنهم أحد الأشخاص الذي تم اكتشافه، وحينما سألناه عما دفعه لتسلم الراتب بالرغم من أنه ميسور الحال، فقال أنه يأخذ الراتب من الدولة ليعطيه إلى الفقراء»!
روبن هود
تبريرات هذا الشخص القريبة من أحداث فيلم (روبن هود) جزء من مجموعة قصص خيالية لمواطنين تحايلوا فيها على الدولة من أجل الحصول على المال، وهي ذات الإجابة للمئات ممن يتسلمون مرتبات الحماية من دون أن يشكل مبلغها فرقا في معيشتهم.
قصة أخرى ذكرها المدير العام عن شخص يمتلك فيلا فاخرة ووكالتين لبيع الأدوات الاحتياطية للسيارات ويدّعي انه فقير الحال، وقد تم اكتشاف تجاوزه وأعيدت المبالغ التي تسلمها من شبكة الحماية الاجتماعية إلى خزينة الدولة.
وتابع عبيد حديثه بالقول: «تمرير المتجاوزين لقصص خيالية عن حالات تستحق مرتبات شبكة الحماية أصبح اليوم صعبا، خصوصا بعد تطبيق القانون رقم (11) لسنة 2014 الذي حدد من يستحق راتب الحماية الاجتماعية اعتمادا على (خط الفقر) وليس (الفئات) كما كان معمولا به منذ العام 2006، لدينا إجراءات جديدة ستنهي حالات التجاوز تلك».
فضائيو التموينية
وبعيدا عن الأرقام الخيالية في المؤسسات الأمنية من (الفضائيين) الذين يتسلمون المليارات شهريا، وقريبا من أرقام (الفضائيين) المدنيين، تعد وزارة التجارة الحاضنة الأكبر للمتجاوزين على أموال الدولة عبر نظام البطاقة التموينية.
التقت «الشبكة» مدير عام دائرة التخطيط والمتابعة في وزارة التجارة حسين فرحان، ووضع بين يدينا مجموعة من الأرقام والإحصائيات، وترك باب التحليل والتعليق على عاتقنا لنصدم بمدى حجم الفساد الذي يتسبب به المواطنون على البطاقة التموينية، وقال: «حتى نهاية العام 2015، بلغ عدد المستفيدين من البطاقة التموينية 37 مليونا و320 ألفا و959 مواطنا، وقد تم اكتشاف نحو 814000 متجاوز مع استمرار عمليات التدقيق مع الشركة العامة لتجارة المواد الغذائية للكشف عن أعداد أخرى. وأضاف: «بعضهم يتجاوز على القرارات الخاصة بحجب التموينية على فئات معينة، ومنهم الذين تتجاوز مدخولاتهم الشهرية الـ 1.5 مليون دينار، وبالفعل قطعنا الحصة خلال 2015 عن 633.933 ألف فرد، مع العلم إن هذه الأرقام لا تشمل منتسبي الأجهزة الأمنية الذين لم يتم إرسال أسمائهم لوزارة التجارة، ومع هذا فعمليات التدقيق مستمرة واعتقد أن الرقم سيصبح أكثر بكثير من الـ633 ألفا».
حصة الأموات
وتابع فرحان حديثه بالقول: «هناك أموات يتسلم ذووهم حصصهم التموينية، وآخرون غادروا العراق منذ سنوات والكثير من الحالات الأخرى التي لا تزال أسماؤهم مثبتة في السجلات وتصرف لهم مواد الحصة أو البدل النقدي ومن المفترض أن يشطبوا».
ولفت المدير العام بالقول: «أوقفنا صرف البطاقة التموينية لمن تجاوزت أعمارهم الثمانين عاما لحين التأكد من أنهم لا يزالون أحياء، ومن ثم سنعيد حصصهم من جديد بعد التدقيق والتأكد من أنهم أحياء، وقد وصلتنا قبل أيام من مركز تموين الشعب في بغداد لوحده أسماء لـ 1500 متوفى فوق الثمانين لا يزالون يتسلمون الحصة.
وكانت لجنة النزاهة البرلمانية طلبت من رئيس مجلس الوزراء استرداد الأموال التي ذهبت الى ما بات يعرف بـ»الفضائيين»، وهم الموظفون الوهميون.
ويقول النائب عادل نوري إن «العبادي أكد عدم تمكن حكومته عن استرداد مليارات الدنانير من 57 الف منتسب وهمي في وزارة الدفاع»، مشيراً الى أن « معدل راتب المنتسب الواحد يبلغ مليوناً و250 ألف دينار شهرياً، فضلاً عن مخصصات الوقود والنقل والملابس».
وبحسب عضو لجنة النزاهة فإن الأخيرة كشفت عن «وجود 40 ألف مستفيد من رواتب شبكة الحماية، بينهم أصحاب مناصب رفيعة وموظفون في الرئاسات الثلاث».
وسبق أن صرح وزير التجارة وكالة محمد شياع السوداني أن المتجاوزين كانوا كالتالي: 327 ألفا و270 فردا تبلغ أعمارهم ثمانين عاما فما فوق.
461 ألفا و187 فرداً لديهم نفس معلومات دوائر الأحوال المدنية باختلاف الأسماء.
وأكد المدير العام لدائرة التخطيط والمتابعة أن «الوزارة استردت خلال العام الماضي 120 مليون دينار وتمثل مبالغ «بدل التموينية»، لكن المبلغ الأكبر تجاوز الـ814 ألف فرد ووصل إلى حدود 12.21 مليار دينار على اعتبار أن قيمة الحصة التموينية للفرد الواحد تكلف الدولة نحو 15 ألف دينار، ترتفع أو تنخفض بحسب أسعار المواد الغذائية عالميا».
فضائيو المحافظات
غالبا ما تنتشر عمليات التزوير في الحالات التي تكون بعيدة عن عيون الرقابة، وتلعب المحسوبيات والعلاقات المبنية على «حصتي وحصتك» كما هو دارج شعبيا دورا مهما في ضياع الأموال بمعاملات غير قانونية تثبت فيها أسماء «فضائية» بالسجلات الرسمية.
في محافظة صلاح الدين مثلا، تم الكشف عن أسماء 18400 شخص يتسلمون مرتبات تقاعدية، وتم تزوير ملفاتهم بذريعة عضويتهم في مجالس المحافظات والأقضية والنواحي. هذه المعلومات أوردها عضو لجنة النزاهة النيابية مشعان الجبوري الذي أشار أيضا إلى «أن هذه الأسماء تتقاضى 400 مليار دينار سنويا، وهم في الحقيقة، ليسوا ضمن هذه المسميات التي تستحق التقاعد، بل أن بعضهم مراهقون لم تتجاوز أعمارهم 18 عاما».
في الديوانية جرت عمليات تزوير لأسر تم عدها «نازحة» وتتسلم حصصا غذائية بطريقة خارج المألوف. وبحسب رئيسة لجنة التجارة في مجلس محافظة الديوانية حكيمة الشبلي، فأنه تم حصر أعداد هذه الأسر، وتقدر بنحو 1600 فرد اعتبروا «فضائيين» ويتسلمون الحصة التموينية على أساس أنهم نازحون، لكن لا وجود لهم على أرض الواقع.
إجراءات التجارة
مدير عام دائرة التخطيط في وزارة التجارة قال: (هناك إجراءات لوقف نزيف البطاقة التموينية، ومنها المتابعة المستمرة مع الشركة العامة لتجارة المواد الغذائية، فضلا عن تشكيل فرق تدقيقية في كل فروع التموين ومحاسبة الوكيل إذا ثبت صرفه لمفردات التموينية لأشخاص متوفين على اعتبار أن لديه معلومات عن حالات الوفيات في منطقته، وكذلك تمت مفاتحة وزارة الصحة لإرسال أسماء حالات الوفيات وبياناتهم من أجل حذف أسمائهم من قوائم البطاقة التموينية»، مبينا أن «المتجاوزين على البطاقة التموينية يحاسبون، عن طريق مفاتحة الدائرة القانونية في الوزارة من أجل إقامة دعاوى عليهم ومنع تكرار حالات التجاوز».
وقف النزيف
أما دائرة الحماية الاجتماعية، فقد اتخذت هي الأخرى إجراءات جديدة، لكنها بدأت باسترداد ما تم صرفه سابقا، خصوصا للموظفين والمتقاعدين المتجاوزين الذين حجزت مرتباتهم، ولا تطلق من جديد إلا بعد تقديم «براءة ذمة من الرعاية»، وكذلك استرجاع المال «نقدا» من ميسوري الحال، بحسب ما ذكره المدير العام للدائرة زيدان خلف عبيد. وأضاف: «تم تعيين 1600 باحث اجتماعي يتولون إجراء الزيارات الميدانية إلى جميع العوائل المشمولة بالحماية، ويقومون بإدخال البيانات في الاستمارة المعدة لهذا الصدد، وإرسالها إلى وزارة التخطيط لتحديد المستحقين ممن هم دون خط الفقر». وأكد عبيد أنه «بعد هذه العملية سيختفي فضائيو الحماية الاجتماعية الذين تستروا بأقنعة الفقر والمرض للحصول على رواتب هي ليست من استحقاقهم، وأدت إلى ضياع أموال الدولة قطرة قطرة حتى أصبحت نهرا غرقنا فيه جميعا.