تجربة اجتماعية عن الخدمات الصحية في عيادتين شعبيتين

66

ريا عاصي /

انتشر قبل مدة وجيزة فديو للإعلامي المشهور أحمد الفاخوري، الذي يعمل في محطة البي بي سي عربية، وهو يتحدث عن إصابته بمرض كورونا ودهشته من أن غالبية الأطباء الذين أشرفوا على علاجه هم أطباء عراقيون. كان سعيداً فرحاً ويتغزل باللهجة العراقية ويفتخر بكون الطبيب العراقي طبيباً ممتازاً يمكنك أن تثق به، فترتاح نفسياً وتشفى، إذ أن الراحة النفسية هي نصف العلاج، كما يقال.
العيادات الطبية العامة
تنتشر العيادات الطبية الشعبية في الأحياء البغدادية حسب الرقعة الجغرافية للمساكن وحسب التعداد السكاني لكل منطقة. تحتوي هذه العيادات، التابعة لمديرية العيادات الطبية الشعبية في وزارة الصحة، على التخصصات الآتية: الباطنية، والأطفال، والأسنان، وشعبة اللقاحات، فضلاً عن مختبر للتحليلات وصيدلية ووحدة خاصة بذوي الأمراض المزمنة، وأحياناً يحتوي المركز على عيادة استشارية بتخصصات عدة.
نظراً لتوسع مدينة بغداد وازدياد عديد أحيائها الذي تجاوز المئتي حي، لذا فقد خُصصت منازل سكنية جرى تحويلها إلى عيادات شعبية، لكنها غير كافية لأعداد المراجعين المتزايدة. وجراء جائحة كورونا الأخيرة تضاعف عمل هذه العيادات وتضاعفت معها أعداد مراجعي هذه العيادات، فأضيف إلى المرضى الاعتياديين، المصابون بفايروس كورونا والملامسون لهم.
أقدمت وزارة الصحة على تقديم خطة لمنع تفشي الوباء ومكافحة الأمراض الأخرى اثناء الحظر الصحي وبعده، واستمر دوام المراكز والعيادات الشعبية أثناء الحظر وبعده وذلك للتصدي وتقديم الخدمات الصحية للمصابين بالوباء وتقديم الخدمات الصحية الأخرى من لقاحات الأطفال الرضع ولقاحات النساء الحوامل. كانت من ضمن هذه الخطة فقرات تبين كيفية التعامل أثناء الجائحة مع المراجعين، ومنها قياس حرارة القادمين إلى المركز قبل دخولهم، وعدم إدخال المصاحبين للمرضى، وتخصيص أماكن معزولة للمصابين بكورونا، وارتداء الكمامات، والتباعد الصحي بين المراجعين.
زيارة ميدانية
زارت “مجلة الشبكة” ميدانياً عيادتين طبيتين شعبيتين في جانب الكرخ، إحداها في منطقة السيدية قرب مركز شرطة السيدية، التي يمكن الوصول إليها بسهولة لأنها قريبة من الشارع العام وتتوفر وسائط نقل أهلية قريبة منها، إلا أن العيادة نفسها ليست سوى بيت قديم وصغير لا يمكن تطويره ولا يتسع للأعداد الغفيرة من المراجعين.
دخلتُ العيادة في نحو الثامنة والنصف صباحاً، على بابها يوجد حراس حاولوا قدر الإمكان منع دخول المرافقين للمرضى دون جدوى، المرافقون تقافزوا وصرخوا بصوت عالٍ، وتجمهر عدد كبير من الناس واختلط الحابل بالنابل بسبب ضيق المساحة، المدخل عبارة عن مرآب للسيارات غير معبد ومليء بالحصى، ولا يوجد من يقيس الحرارة عند المدخل، الحراس يشترطون عليك ارتداء الكمامة، وهذا كل شيء.
عند الدخول شاهدت مجموعة تقف خارج البناية قرب الحائط حيث يندفع عليهم هواء أجهزة التبريد الخارج وهو هواء حار، اتضح أنهم المصابون بكورونا ينتظرون طبيباً يجري لهم المسحة الثانية!
كانوا يتحدثون فيما بينهم ويتذمرون، إذ قال أحدهم إنه قدم في يومين متتالين وانتظر ساعة وبعدها خرج أحد الموظفين وقال لهم إن الأطباء الذين يجرون المسحة لن يأتوا اليوم، واتضح أنه لا يوجد موعد محدد أو جدول خاص يبين متى يأتي أطباء المسحات، إذ إنهم يحضرون مع توفر مواد المسحة نفسها.
أخبرني أحدهم أن المسحة الأولى يجريها المركز بالمجان، إلا أن المسحة الثانية سعرها في مدينة الطب سبعون ألف دينار وفي بعض المراكز تسعون ألفاً، إلا أن مدة الانتظار في مدينة الطب طويلة جداً لكثرة المراجعين.
داخل البناية نفسها الغرف صغيرة جداً، توجد غرفة فيها طاولة واحدة تتشاركها طبيبتان تقوم إحداهن بتلقيح الأطفال والأخرى تسحب الدم من النساء والأطفال لغرض التحليل، يقبع كرسي المريض عند الباب لصغر الغرفة، الطبيبتان تستخدمان الكفوف المطاطية نفسها عند سحب الدم والتلقيح وكتابة المعلومات في السجل، فيختلط الدم بالحبر!
لا يوجد مكان للجلوس عند الانتظار، شاهدت عدداً كبيراً من النساء والأطفال عند الممرات وقوفاً، وأغلب الأطفال رضع والنساء حوامل، ومع وجود عدد كبير من المرافقين لكل حالة فإن من المحال عدم الخوف من احتمال الإصابة بكورونا لشدة التقارب.
مختبر التحليلات يرفض تسلم العيّنات من الباب، ولذلك يجب عليك الالتفاف خلف المنزل من أجل تسليم العيّنة من الشباك، وحمّامات المركز غير نظيفة ولا تحوي أي معقّم أو مطهّر أو صابون، وأغلب المراجعين يستخدمون هذه الحمامات من أجل تقديم عيّنات التحليل.
كانت هناك سيدة متقدمة في السن ترافق ابنتها وحفيديها التوأمين، أبلغتني أنهم في المرة السابقة حضروا لثلاثة أيام متتالية من أجل اللقاح ولم يحصلوا عليه بسبب إصابة الطبيبة بمرض كورونا، وقد أُبلغوا بذلك بعد أن انتظروا ثلاثة أيام متتالية.
دخلت إحدى الموظفات الإداريات وأخذت تجري معاملة إجازتها التي تقدمها بسبب إصابتها بكورونا، وكانت بلا كمامات وتمشي بين المرضى دون اكتراث بالمراجعين! عندها هربتُ حقاً من المكان لخوفي من الإصابة، عند خروجي لاحظت ازدياد عديد المصابين المنتظرين للمسحة الثانية بشكل كبير في باحة المنزل.
العيادة الطبية الشعبية في حي الإعلام
تقع هذه العيادة على الطريق السريع قرب تقاطع قطر الندى، عند الباب يقف شخص بيده فاحص للحرارة وفور تأكده من ارتفاع الحرارة يرافق المريض إلى غرفة خارجية معزولة جدرانها من (الساندويج بانال)، حين سؤالي للحارس أبلغني بأنهم أضافوا هذه الغرفة أثناء تفشي المرض لغرض عزل المصابين عن باقي المرضى، ويخرج الأطباء لمقابلتهم دورياً عند الحاجة، عُلق على الحائط جدول بلقاحات الأطفال الرضع والحوامل وجدول آخر من أجل المسحات، عبره يمكنك الاستمرار أو العودة حسب الحاجة.
البناية معدّة اساساً لتكون مركزاً طبياً، وتوجد مظلات عدة لانتظار المراجعين في الخارج لعدم التقارب، وتتوفر كرفانات تغني المراجع عن الدخول إلى أقسام المركز الأخرى، وعند الاشتباه بأحد المرضى يطلب منه ترك عنوانه ورقم هاتفة ثم في غضون يومين يزوره فريق طبي بسيارة إسعاف وعدد متكاملة لإجراء مسحة له ولعائلته في المنزل.
وقد مُنعنا من التصوير داخل المركز وذلك لوجود تعميم رسمي من وزارة الصحة بذلك.
العوامل المساعدة
البيئة الصحية الجيدة التي تمارس فيها مهنتك تعطي انطباعاً جيداً للمراجع، لو توفرت البيئة المناسبة لوجدنا إبداعاً أكبر وأداءً أفضل على كل الصعد. مقارنة بسيطة بين مركزين، داخل بغداد في كرخها فقط، تعطيك صورة لماذا يقدم أطباء العيادة الطبية الشعبية في حي الإعلام خدمة أفضل مقارنة بأطباء العيادة الطبية الشعبية في السيدية، لا لأن رواتبهم أكثر أو لأن كادرهم أكبر، بل لتوفر بيئة سليمة للعمل، فما بالك بالطبيب العراقي في بريطانيا؟؟
ترى لو توفرت لنا مراكز كبيرة توازي أعداد البشر، هل كنا سنشهد حالات الاعتداء على الأطباء أو المراكز الصحية من قبل الأهالي؟
من المسؤول وكيف سيتم حل هذه الإشكالات؟
إنها دعوة إلى وزارة الصحة لتوفير أماكن عمل محترمة للعاملين والمراجعين، فالخلل ليس في الملاكات الطبية، بل في البيئة الآمنة الصحية المناسبة للعمل.