ترنيمة الحزن العراقي..من عشبة جلجامش إلى فاجعة الطف

108

آمنة عبد النبي /

يشق صوت البكاء والنحيب صمت القبور قبل ساعات من انبلاج الفجر، فعائلة الشاب نزار تجتمع في أكبر مقبرة في العالم لتحيي أربعينية وفاته، وهو تقليد راسخ لدى العراقيين.
إنه الحزن العراقي الذي ينساب في الروح فيطهرها من الألم ويبعث فيها الأمل في الحياة، لا غنى عن الحزن العراقي لغسل أحزانه وهمومه.
وقد أظهر استطلاع رأي أجرته “مؤسسة غالوب الدولية” أن العراقيين ضمن أكثر عشرة شعوب حزناً، إذ احتل العراق الصدارة للعام الخامس على التوالي في المؤشر العالمي.
مُذْ آمن جلجامش بالخلودِ وعُشبته المُقدسة، فإن ثمة محاولات بشرية يائسة للإفلاتِ من قبضةِ الموتِ الفيزيائي أسطورةً، ولعل هذا هو أحد أسرار الأساطير الجنائزية من النواحِ وترنيمة الندب الموجعة التي تقص ذكريات الناس مع الفقيدِ في المخيّلة، قبل أن يتحول إلى جسد يوارى الثرى.
تُرى ما سرّ الاستغراق في الحزنِ والقطيعة ما بين فكرتي الموت والنسيان، وهل حقاً أن تراجيديا كربلاء وجلجامش وبطش الأنظمةِ الدمويةِ المُتعاقبة بخصومها هي من شكلت نواة الفجائع في الشخصية العراقية؟ ولم لا ينظرُ العراقيون إلى المتوفى على أنه مجردَ مادة كيميائية ذائبة كما في الغرب؟ ولماذا يُعتبر الذهاب لزيارةِ المقابرِ الأوروبية نزهةً سياحية يجاورُ فيها الأحياء أمواتهم بكلِ أريحية، بينما تنزوي مقابرنا وسكانها بأرضٍ بعيدةٍ مهجورة، تشكل عشوائيات تتلاصق فيها المقابر.
آلهة مقدسة
“مفهوم سعادة الإنسان لديهم، حيّاً كان أم ميتاً، هو معنوي لا مادي، لذلك يحولون دنياهم ومقابرهم إلى جنّة متوازية، في حين أن سعادتنا مشروطة بالجنّة.”
بهذا الفهم يشرح المختص التاريخي “د. مؤيد بلاسم” من العاصمة الاسترالية “سدني” التباين في النظرة إلى الموت بين الثقافتين العراقية والغربية.
ويوضح أن “أَرْكيُولُوجيا” الموت في الحضارة العراقية القديمة تعني نهاية الحياة ونزول الميت إلى العالم السفلي حيث يعيش الأموات في الظلام ويقتاتون على الوحل والطين، ولا يوجد أي أمل في استرجاع مَنْ أخذه الموت الذي تحرسه الآلهة “ارشكيجال” التي كانت تحكم ذلك العالم إلى جانب زوجها “نيرغال”، إذ دفع اليأس محبي المتوفى آنذاك إلى الاستغراق في الحزن والطقوس الجنائزية. أيضاً يعود تأريخ اليأس إلى الطبيعة المتقلبة لدجلة والفرات حيث الطوفانات الجارفة التي تدمر المحاصيل الزراعية والمواشي أحياناً، التي يقف أمامها العراقي القديم عاجزاً ولا يملك في جيوب قلبه سوى الحزن، وأيضاً الحروب الطاحنة التي خيّمت على العراق منذ مجيء ضبع النظام البعثي، كل تلك الأسباب جعلت آثار الحزن في عيني العراقي تلمع في كل الأزمنة، على عكس البيئات الأوروبية البهيجة، والاختلاف هنا ناتج عن اختلاف المنهج التعليمي والتنشئة والتاريخ، ففي الغرب الإنسان يهتم بسعادته في حياته هذه ولا يثير اهتماماً كبيراً لما بعدها، إضافة إلى ذلك فإن العلاقات الاجتماعية القوية في العالم العربي عموماً، وفي العراق خصوصاً، وانسيال الذكريات وطبيعة الإنسان العراقي الموغل في انفعاليته ومزاجيته، جعلته يستحضر كل تلك الذكريات دمعاً أبدياً.
دموية تاريخية
سألت أمي ذات مرة: لماذا تبالغ النساء باللطم على أبناء الجيران والأقرباء أكثر من الطبيعي، فكان ردها: “يمّه كلمن يبچي على ضيمه.”
يفكك الباحث الاجتماعي “عباس العزاوي” من العاصمة الفنلندية “هلسنكي” هذا الحزن العراقي بالقول :
يختلف الغربي عنا في بنائه السيكولوجي والبيئي والعائلي بشكل كبير، فثورته الثقافية وأفكار فلاسفته بعد القرون الوسطى صاغت له سبلاً جديدة يتنفس من خلالها ويتعامل مع روحه كما المادة: صلبة وباردة وبليدة، تلك الواقعية بالتعاطي مع الأحداث شكلت لديه موتاً معنوياً، لذلك هو يتقبل الحلول والنتائج الحتمية، لكن الشرقي يرفضها ويفضل الخسارة عليها، فيُصبح الموت خسارة حتمية للأوروبي، لكنها مقبولة، أما الشرقي فيدفنها في قلبه كجزء منه ويخبئ حزنه الفائض ليطلقه بحرية حتى في مآتم الآخرين ومجالسهم، لأن التاريخ بكل قسوته وعبثيته يشكل بعداً مأساوياً لمشاعرنا ويصقلها عبر الزمن بحزن مخيف. هنا يتضح لنا جلياً الفارق الثقافي والتاريخي ولماذا مقابرهم تحيط بها الزهور كأنهم يحاولون تجميلها في أعينهم كي لا يصيبهم الهمّ الدائم. لهذا نجد أن القبور الأوروبية موازية للحياة وأكثر جمالاً ورقّة على عكسِ مقابرنا، رغم أن الفقد والنتيجة واحدة.
اضطهاد ومطامع
“الأوروبيون يهربون إلى الأمام خطوة في قضية الموت، لأنهم يعتبرون الإنسان مجرد آلة مادية..” هو ما يعتقده الكاتب “ليث شاكر” مكملاً:
حبّهم المادي الشديد للحياة جعلهم يبحثون عن مهربٍ معنوي من رعب فكرة الموت من خلال “المخيال” الذي صنعوه وأقنعوا به أنفسهم، معتمدين بذلك على ثقافتهم التي تعتقد بأن الانسان ينتهي حين موته، وأن اللوحات المُعلقة على شواهد القبور هي نقطة النهاية مع أمواتهم، أما في بلادنا الممتدة ما بين النهرين فإن الواقع “أركيولوجياً” و “تاريخياً” يختلف كثيراً، باعتبار أن سوء التوزيع والاضطهاد المزمن كانا عنوانين عريضين في كل الأزمنة العصيّة التي مرت على العراق، البلد الذي حباه الله بالثروات وجعل بقعته الجغرافية الغنية مطمعاً لكل الغزاة والطغاة.
هوسٌ فجائعي
-“أ.د. قاسم حسين صالح”- رئيس الجمعية النفسية العراقية- علّق على تلك التراجيديا الموغلة بالقدم مشيراً إلى هوس العراقيين بالتباهي بالهموم، فما إن يبدأ أحدهم بالشكوى من هَمّ أو ضيق، حتى يبادره الآخر على أنه أكثر حزناً منه، لأن العراق يكاد يكون البلد الأكثر تعرضاً للكوارث والحروب والفواجع والمحن، بدءاً من الطوفان وصولاً إلى ما هو عليه الآن، وأظن أن أول تراجيديا في العالم كانت في العراق “جلجامش وأنكيدو”، وأيضاً أقسى تراجيديا كانت على أرضه: أعني أحداث واقعة كربلاء. ومنذ ذلك التاريخ وإلى الآن حكمت العراق أربعة أنظمة (الأموي والعباسي والعثماني والبعث) كانت جميعها قاسية جداً في ظلمها للناس وبطشها بالخصوم حتى أنه مرت أزمان على العراقيين ما خلا فيها بيت من كارثة..